الهوية المجتمعية وإشكالية التنوع والتعدد ح1

عباس علي العلي
2021 / 9 / 13

الهوية المجتمعية
الهوية بمعناها الفلسفي هي الطابع الفريد أو البصمة الفريدة والحقيقية التي تجعل فردًا من الأفراد مميزًا عن غيره، وهي شعور الفرد بذاته وإحساسه بفرديته وقدرته على المحافظة على قيمه ومبادئه وأخلاقياته وسلوكياته في المواقف المختلفة، أما الهوية الأجتماعية والتي تبتعد عن محددات الذات والفردية كونها صفة موضوعية أو مرموز جمعي خارجي، فهي (الصورة النمطية التي يأخذها أو يتبناها شعب أو مجتمع من مجتمعات الشعوب عن غيره دون، لتكون بصمة عامة وظاهرة خاصة به دون الدخول بمعرفة الحقائق والجذور)، فهي إذا الصورة الظاهرة للمجتمع من قبل الغير، قد تتوافق مع تصور المجتمع لهويته أو تختلف معه، لأنها أي الهوية أشبه بالمرأة التي تعكس شكلية المجتمع خارجا وليس من خلال حقائق الذات، فنقول مثلا المجتمع العربي ذو هوية بدوية بالغالب مع كونه أصلا مجتمع ولدت فيه الحضارات المدنية الأولى.
هذا الوصف بهذه الهوية يعكس صورة غير طبيعية عن العرب ومجتمعهم وإن قلنا الغالبية فيه ولم نعمم، لكنه في الحقيقة رسمنا صورة خارجية شكلية عنه وقد تكون غير مطابقة لواقع الحقيقة لو علمنا مثلا أن المجتمع البدوي كنظام أجتماعي وأقتصادي لا يشكل اليوم نسبة مهمة من التركيبة الديموغرافية للمجتمع العربي، ولا حتى سابقا بالرغم من أن الجغرافية العربية بالعموم هي جغرافية بدوية، السبب يعود إذا ليس لقوة النظام الأقتصادي البدوي بقدر ما هو تأثير النظام الأجتماعي الغالب على الشخصية الفردية والشخصية الأجتماعية للفرد والمجتمع العربي، هذه النقطة كثيرا ما يتساهل فيها دارسو الأجتماع وخاصة ممن يرددون مقولة صراع الحضارة والبداوة، وأظن أن طغيان هذه المقولة له أسباب غير علمية وغير منهجية روجتها أفكار عقد أجتماعية معادية للعرب وللمجتمع العربي.
نعود إلى الفكرة الخلدونية التي قسمت المجتمع العربي بين نمطين اجتماعيين يمثلان كلية الهوية العربية والإسلامية، وهما المجتمع الحضري (المدني الأقلي) والمجتمع البدوي (الأكثري)، ويرى أن التجاور والتفاعل بينهما ليس طبيعيا خاليا من التحسس البيني كما في المجتمعات الأخرى التي تتنوع فيها الطبيعية السكانية، بل هي علاقة صراع قيم وصراع ممتد من نمطية العلاقة الناشئة بين الجغرافيا وبين الإنسان منفعل ببيئته الخاصة وخاضعا لمتطلبات الجغرافية لوحدها بما تفرضه من قيم، هنا يفرز الصراع نتائج تعتمد على قدرة البيئة والجغرافية على فرض النتيجة.
وعليه يؤسس الدكتور الوردي لنفس الفكرة ويتابعها ويعطيها أيضا طابعا وبعدا أكثر شمولية من فكرة الخلدونية المحدودة نتيجة عوامل مضافة لم تكن لها وجود في حياة ابن خلدون، أو مما لامسها في تحليلاته وتنظيراته وقراءاته واستقراءاته للواقع الأجتماعي في مرحلته وما سبق، وهي عوامل الصراع البيني الخارجي الوافد على المجتمع المدني (الحضري)، فإن كان الصراع عند الفكر الخلدوني ينتهي بحدود المدينة وبيئتها وجغرافيتها المحدودة الخاصة على قضايا بالغالب أقتصادية أو مصلحية تفرض بالقوة، فهي عند الوردي ازدواج قيمي داخل المدينة اولا ينتج خلالا في طول وعرض الهوية الأجتماعية للمدينة أولا، ومنها تنتقل ضمن الدولة الحديثة ثانيا، وهي عنده الوردي كنهاية وتطبيق نتاج صراع الحضارة العراقية مع محيطها البدوي (الجزيرة العربية) اولا، ثم هو صراع بين العراق والحضارة الغربية الوافدة ثانيا إثر غزو العراق في الحرب العالمية الاولى.
القراءة الخلدونية التي قرأها الدكتور الوردي بروح أكثر قربا من السيكولوجيا منها من علم الأجتماع أعطت له بعدا مركبا وأفردت لها حضور خاصا، مزج من خلالها ما يمكن أن يجعل الموضوع المبحوث أكثر قدرة على الانكشاف وأصبر على إيراد النتائج الكلية، هذه القراءة يقول عنها الباحثون في فكر الوردي أن تأثيرات الدراسة الأكاديمية العليا في تكساس مع ولع وإيمان الوردي بالمقدمة التأريخية من جهة وإيمانه بالمدرسة الفرويدية مكنته من أن يصهر هذه المعطيات في رؤية موحدة أو يعيد قراءته المقدمة انطلاقا من المنهج التجريبي (فرانسيس بيكون)والمنهج الوضعي (اوغست كونت) الذي يشكل من نواح معينة امتدادا للتجريبية هذا المزيج الانتقائي الفريد أملته ضروراته وأهمية وخطورة الموضوع وريادة الوردي فيه .
لقد تأثر الوردي كثيرا في مجال تحديد الهوية الأجتماعية للشخصية العراقية بالمنهج الامريكي في دراسة علم الاجتماع، هذا المنهج المتحرر شيئا ما عن المدرسة الأوربية التي تنتمي إلى جذور أوربا الفلسفية والمعقدة، فرسم بحرية وبأسلوب أكثر تلقائية حدود الهوية الخصوصية التي لا يرى فيها ثبات ولا يمكن الجزم باستمراريتها مع الزمن، فلكل زمان هيئة اجتماعية ولكل أوان ملامح لها بأبعادها الخاصة، ومن هنا فإن احتفاظ الشخصية الاجتماعية بمميزات تقليدية يبقى في حده الأدنى الذي يحافظ على جزئيات لا يمكن ان تقاس عليها عمومية الشخصية.
فلكل مجتمع معين خصوصيته ،ولكل مجتمع عموميته وما من مجتمع يشبه غيره بحذافيره، بل ما من مجتمع يشبه نفسه قبل قرن او قرنين إلا في حدود ضيقة قابلة للتجديد كما هي قابلة للحذف، الذي لا يمكن أن يدركه الكثيرون اليوم من أنصار وعاشقي فكر الوردي، أنهم يناقضون مدرسته عندما لا زالوا يصرون على مقولات الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ويعتبرون أن التمسك بها هو وصف صحيح لا يمكن ان يخطئ الآن، ونحن في نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، ولا يرون بأسا أن يطلق على الهوية العراقية نفس تلك اوصاف التي تبناها الوردي بناءا على قراءته المقرونة بزمنها وزمنه هو.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية