كيف تمت بيعة ابى بكر فى سقيفة بنى ساعدة

عماد نصر ذكرى
2021 / 9 / 13

كيف تمت بيعة ابى بكر فى سقيفة بنى ساعدة ؟
إذا ذكر اسم "أبو بكر" فى جمع من المسلمين السنة سيرددون أجمعين - ربما فى نفس واحد - أنه أول من أسلم من الرجال وأول من جمع القرآن وأن محمداَ منحه لقب الصديق بعد ما ظل مؤمناً به و برسالته مؤازرا له بعد أن كذبه الكثيرون وإنفضوا من حوله بعد ما رواه عن حادثة الإسراء والمعراج. و أبو بكر هو من حارب و أرهب القبائل التى ارتدت عن دين محمد بعد موته فأعادهم إلى حظيرة الايمان صاغرين فحافظ على سيادة قريش على جزيرة العرب. لكن هناك محطات أخرى فى حياة ابى بكر لا يتوقف عندها إلا القليلون.
فى سقيفة بنى ساعدة التى بويع فيها أبو بكر لخلافة النبى فى قيادة المسلمين, حدثت بين المهاجرين و الأنصار مناورات واحتكاكات ومشادات كادت تتطور الى صراع مسلح. وقبل أن نتطرق لما حدث فى السقيفة دعونا نطل إطلالة سريعة على طبيعة العلاقة بين أهل مكة ويثرب.
المكيون و الثياربة:
كان القرشيون فى مكة يشعرون بتميزهم لإشرافهم على الكعبة التى تحج إليها القبائل العربية جميعها رغم وجود كعبات أخرى فى الطائف ونجران وغيرها، إلا ان الوقع الجغرافى المتميز لمكة التى تمر عليها القوافل وتواجد كل الأرباب والأصنام المعبودة من قبل العرب جعل لكعبة مكة و قريش مكانة متفردة. وكان تجار مكة يعتبرون أنفسهم من سلالة الطبقة الارستقراطية ويحتقرون أهل يثرب الذين يعملون بالزراعة وبعض الصناعات البسيطة. وفى المقابل كان اليثربيون يزدرون المكيين لإرتدائهم الجلابيب بينما هم يرتدون الحلل (1) . ولا نظن أن زواج عبد المطلب جد محمد من بنى النجار وهم من بطون قبيلة الخزرج اليثربية قد أذاب الجليد و أزاح الجفاء بين أهل مكة و يثرب. ولا نعتقد أيضاً أن محمداً وصحابته القرشيين المكيين قد استقبلوا من أهل يثرب بالتهليل والهتاف والشدو الشهير المقرر علينا مدرسيا و تليفزيونيا كل عام فى رأس السنة الهجرية " طلع البدر علينا من ثنيات الوداع - وجب الشكر علينا ما دعا لله داع- أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع". فثنيات الوداع تقع ناحية الشام ولا يمر عليها القادم إلى يثرب من مكة. بل أنى أرجح أن كثير من اليثاربة قد اغتاظ من قدوم محمد فى هذا التوقيت الذى اتفق فيه الأوس و الخزرج على تنصيب عبدالله بن ابى بن سلول حاكماً وملكاً على يثرب. و بالطبع أصاب الحنق بن ابى بن سلول الملقب بكبير المنافقين من ضياع للملك الذى كان فى متناول يده فحرض اليثربيين (الذين اشتهروا تاريخيا بالانصار) على طرد المهاجرين من يثرب. حين كاد القتال أن يدب بين الفريقين أثناء غزوة بنى المصطلق، تخلى بن أبى بن سلول عن نفاقه و أفصح عن مكنون نفسه وخاطب أهله و عشيرته قائلا: " قد نافرونا وكاثرونا جلابيب قريش وهذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتوهم أموالكم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وتمكن الرسول بذكائه السياسى أن يحتوى الموقف وينزع فتيل الأزمة ويمتص غضب الأنصار. رفض محمد طلب ابن الخطاب قتل بن أبى بن سلول و إكتفى بإخراجه من داره و ترحيله خارج يثرب(2). ورغم هذا صلى محمد عليه حين مات. واستنكر ابن الخطاب ذلك قائلا: يا رسول الله قد نهاك ربك أن تصل عليه؟ فرد محمد قائلا: انما خيرنى ربى وتلا ما جاء فى سورة التوبة (80) " استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وأضاف أنه سيستغفر له أكثر من سبعين مرة وصلى عليه إلا أن السماء نهرته و نهته عن ذلك و جاءه جبريل بالآية 84 من سورة التوبة المؤيدة لرأى عمر الموضحة عدم جدوى عدد مرات الإستغفار على المنافقين " ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون.
وربما انتاب كثير من اليثربيين شعوراً أن محمدا كان يفضل المهاجرين من قريش (بل و غير المهاجرين) عليهم. فأحاديث كثيرة منسوبة له تمنح قريشاً مكانة بل قداسة. فقد روى الشافعى والبيهقى فى المعرفة عن أبن شهاب أن محمداً قال : قدموا قريشاً ولا تقدموها. وأخرج أحمد بن حنبل حديثا عن عائشة أن الرسول قال : لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله. وجاء فى منهاج السنة لإبن تيمية (3) أن بنى هاشم أفضل قريش وقريش أفضل العرب والعرب أفضل بنى آدم. و روى الأمام أحمد بن حنبل فى سنده عن أنس بن مالك أن رسول الإسلام قال : الأئمة من قريش ، إن لهم عليكم حقاً ولكن عليهم حقاً مثل ذلك.
فى سقيفة بنى ساعدة:
اجتمع فى السقيفة نفر من اليثاربة عازمين على بيعة سعد بن عبادة الخزرجى خليفة للمسلمين بعد وفاة الرسول . فجن جنون عمر بن الخطاب القرشى المهاجر حين علم بالأمر و أخبر أبا بكر و توجها إلى السقيفة يصاحبهما أبو عبيدة بن الجراح. خاطب أبو بكر سعد بن عبادة قائلا: "ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال و أنت قاعد:- قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم "(4). وأضاف: يا معشر الأنصار منا رسول الله فنحن أحق بمقامه، فردت الأنصار: منا أمير و منكم أمير. فقال الصديق : منا الأمراء و أنتم الوزراء (5). و لم تهدأ الأمور بل ازدادت اشتعالاً و اندفع الحباب بن المنذر الأنصارى مهاجما ابى بكر لأن أمر الخلافة الأنصار أحق به من المهاجرين فبأسيافهم دان لهذا الدين من دان. بل أن الحباب حرض على طرد المهاجرين ليس فقط من السقيفة بل من يثرب كلها إن لم يرضخوا لتولية سعد بن عبادة منصب خليفة المسلمين (6). و لكن حدث ما لم يكن فى الحسبان فقد بايع بشير بن سعد (ابن عم سعد بن عبادة) أبا بكر. يرى كثير من الباحثين أنه فعل ذلك غيرة وحسداَ لقريبه إلا أن الطبرى يذكر أن بشيراَ فعل ذلك لأنه كره أن ينازع قوماَ حقاَ جعله الله لهم. و بعدها بايع غالبية الخزرج أبا بكر و تبعهم الأوس بقيادة أسد بن خضير. وبعد أن تمت البيعة لأبى بكر وطأت الجموع المرشح المنافس سعد بن عبادة وكادت تقتله وقال ابن الخطاب : " اقتلوا سعداَ قتل الله سعداَ" (7) لكن سعد خرج من السقيفة سالماَ ولم يبايع أبا بكر ثم وصل إلى الشام و اغتيل هناك إبان خلافة عمر. و قد أورد إبن كثير (فى البداية والنهاية) أن الجن قتلت سعداَ و لم يذكر إن كان قاتله جناَ مسلماَ بإعتباره كافراَ منكراَ لمعلوم الدين بالضرورة لرفض مبايعة أبى بكر أم جناَ كافراَ لأن سعد اليثربى المؤمن التقى كان قد سخر أمواله لخدمة المهاجرين ومنحه محمد راية الأنصار ودعا ربه قائلاَ: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة. لكن جاء فى أنساب الأشراف للبلاذرى والطبقات لابن سعد أن عمر بن الخطاب دبر مؤامرة لإغتياله لإصراره على رفض مبايعته خليفة للمسلمين.
وقد أيد هذا الرأى الدكتور طه حسين فى كتابه الشهير " فى الشعر الجاهلى" واعتبره أول إغتيال سياسى فى الاسلام بعد وفاة الرسول . و أحيانا يشطح بى الخيال ولا استبعد ان يكون رب محمد قد ارسل جبريل ليقتل سعدا محققا امنية ابن الخطاب فى السقيفة خاصة انه كان يسارع فى هوى عمر اثناء حياة محمد و إن كان محمد قد مات فإن الله حى لا يموت . إن الشروع فى قتل المرشح المنافس فى السقيفة جريمة حضارية و اخلاقية و انسانية لا يمكن تبريرها ناهيك عن محاولة احياء هذة الاجواء الان كما يحلم المجاهدون لإحياء دولة الخلافة . إن البيعة عقد طاعة واذعان للخليفة كما قال قال ابن خلدون فى المقدمة (8) فلا مجال للمعارضة السياسية السلمية كما يعرفها العالم المتقدم اليوم والقتل يكون غالبا مصير المفارق للجماعة الرافض للعواء فى القطيع . كما انها بيعة حتى موت الخليفة , فبيعة الامام لا تنقطع الا بموته او ان طرأ عليه سبب يوجب العزل من نقص فى الدين ( 9 ) . ولا يوجد ذكر للفساد الاقتصادى او الافساد السياسى او قمع الحريات كاسباب لعزل المدعو اماما او خليفة لله و رسوله . وجاء فى صحيح مسلم و مسند ابن حنبل انه اذا بويع لخليفتين فإقتلوا الاخر منهما . كما ان البيعة تشترط ان يكون الرئيس رجلا ومسلما وهذا يتنافى مع حقوق الانسان ومبادىء الديمقراطية الحديثة . ويجب ان نتصدى لكل من يحيا بيننا اليوم و يدعو لاحياء نظام البيعة او الشورى غير الملزمة باعتبارهما اصلاحا سياسيا لان هذا امرا يعجل بنهايتنا كدولة يفترض انها تسعى للتمدن و الحداثة . ونعود الى ابى بكر الذى نرى انه تجاهل وعده بتعيين الأنصار وزراء بالقدر الذى وعد به، فقد عين 3 ولاة من الأنصار من بين 14 كما أن غالبية مستشاريه وقادة جيوشه كانوا من المهاجرين. يقول الأستاذ خليل عبد الكريم فى كتابه " الصحابة والمجتمع" أن أبا بكر تنكر لوعده أن يتخذ من الأنصار الوزراء و يضيف مانصه "وقع على الأنصار التهميش و الإستعباد والحرمان وعاشوا معزولين محرومين وهم الذين قامت الدولة على سيوفهم ودمائهم "(10)
المراجع :
1. السيرة الحلبية - الجزء الأول (ص 596)
2. السيرة النبوية لإبن هشام - جزء (4) ص 7
3. منهاج السنة النبوية لإبن تيمية - الجزء الرابع (ص 66)
4. مسند الإمام أحمد بن حنبل
5. تاريخ اليعقوبى - المجلد الثانى (ص 123)
6. تاريخ الطبرى - الجزء الثالث (ص 221)
7. تاريخ اليعقوبى - المجلد الثانى (ص 124)
8. مقدمة ابن خلدون (ص 209)
9. الماوردى: مسببات العزل بالأحكام السلطانية (ص 17-20)
10. خليل عبد الكريم - الصجابة و المجتمع (ص 36)

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية