المثقف راهنا

عباس منعثر
2006 / 8 / 18

في خضم التحول الأساسي الذي يتعرض له العراق تتباين مواقف المثقفين من الأعراف السائدة والسلطات المحلية والسلطة الحكومية.. بالإضافة إلى التباين الحاصل في الموقف من الأحداث الآنية الساخنة. فيها جميعا قبس من الحيرة الهملتية الشهيرة : ( الفعل والتأمل ). من أكثر المواقف جوهرية يكمن موقف المثقف من السلطة بوجوهها الرئيسية : الدينية، العرفية، الإدارية.

الموقف من السلطة الدينية

بسبب التأييد الشعبي ( لرجل الدين ) يكاد موقف الحذر أو الإعلان المتوجس هو المهيمن. فلا يمكن لشخص اعزل لا يملك إلا الحبر والورق أن يتورط في مواجهة غير متكافئة مع طغيان الحماسة الشعبية للدين بشكله السياسي. تنبري بعض الأقلام الليبرالية من آن إلى آخر للإعلان عن صوتها المضاد لتدخل الدين في السياسة أو لتجيير الدين لصالح هذه الجهة أو تلك. ورغم الجهد المبذول يكاد يكون تأثير هذه الأصوات هامشيا لطغيان الضجيج الكربلائي على الأصوات العقلانية في المجتمع.. تضاف إلى ذلك علة أخرى وهي تحول الريادة الدينية من الصوت المعارض المقموع والمكبوت إلى الصوت الرسمي القامع والكابت للأصوات الأخرى ( وفق نظرية الخصم والحكم ). و المثقف الذي يعلن وجهة نظره المضادة لهيمنة الوعي الديني مواجه بعقبات عدة : صوته في خضم الأصوات الأخرى غير مسموع، والوعي الاجتماعي غير قادر على تقبل اطروحاته، وهو دون سند يحميه أو يؤازره، ووسائل الإعلام لها أجندتها الخاصة إلا ما ندر، وأخيرا امتلاك الوعي المضاد للقوة وللقدرة على استخدامها متى يشاء.. كل ذلك ينقص المثقف الليبرالي.

الموقف من الأعراف

لو بقيت الأعراف على مستواها العرفي لكان بالامكان توجيه النقد والتعرية بشكل سلسل.. لكن العرف تحول إلى سلطة قوية تغلغلت في السياسة والدين والإدارة والصحافة إلى درجة تحولها إلى صانع حياة لا يمكن مهاجمته بسهولة. فتقلص قدرة الفرد على التحرك بحرية وتقبل الاختلاف والنظرة القاصرة للمرأة وتعميم أسلوب حياة معينة على أساليب الآخرين وإرغامهم على تقبلها والعمل بها كلها تحولت إلى قوانين صارمة لا يمكن تجاوزها. المثل الشائع هنا إجبار الفتيات، حتى المسيحيات والصابئيات على ارتداء الحجاب أو غطاء الوجه على اقل تقدير مما يرسخ قولبة الناس جميعا وفق الرؤيا الإسلامية ( والراديكالية منها بوجه الخصوص ). ثم تحول بعض الطقوس الخاصة جدا إلى طقوس عبادية يتم النظر إليها كمقدسات مضافة إلى كل هذا الكم الهائل إسلاميا من المقدسات.. العرف يفرض سطوته على الدولة وعلى المؤسسات وتتبنى الدولة ولو جزئيا أو محليا هذه الأعراف. ومن كل النقد القوي والمستمر لهذه الظاهرة أو تلك لا يتغير واقعيا من الأمر شيء، بل يزداد العرف توغلا والفكر التنويري انعزالا.

الموقف من السلطات الإدارية

لم تعد صورة المثقف المنعزل، المتأمل الذي يعيش ليعبر عن رؤاه بعيدا عن صخب العالم وبالقلب منه في الوقت نفسه، كافية. ونتيجة للتجربة الطويلة المريرة التي مر بها المثقف العراقي مع النظام الديكتاتوري السابق أضحى المثقفون الجدد (الذين يعتبرون أنفسهم أكثر بياضا من مؤيدي النظام السابق) في تسابق مارثوني لتبوء المناصب الإدارية، وتصدر اللوائح الثقافية طمعا في الريادة أو سعيا وراء مكسب. وهكذا تجد الكثير من المثقفين يطرقون أبواب المسئولين الإداريين ويتنافسون (كالتنافس الذي رسخه حكم البعث) على المؤامرات الذكية والكلام الكثير المبعثر وعلى حساب الوقت. اخذ المثقف يقضي نصف وقته في هذا الصراع ونصف وقته الآخر لمتطلبات الحياة وركن إلى حين أهم عنصر من عناصر الخلق : التأمل والتاني وتخمير الإبداع حتى ينضج. لان المسعى أصبح مسعى حافزيا تمليه أغراض خارجية ولم يعد مغمسا (إلا في النادر) في حرارة الدافع الداخلي.

ثمة صف طويل من المثقفين يحملون حقائبهم يوميا إلى الصحف أو الفضائيات معلنين عن رؤيا جديدة مدغومة بالإحساس النبوئي وحب الظهور.. فكل التخزين الأخضر من تركة الوضع السابق قد يدفع المرء إلى تبني أطروحة لم تكن واضحة مع القمع : صورة أخرى من المثقف الغرامشي الفعال لا منعزل البرج العاجي السابق.

وهناك من جهة أخرى زاوية نظر معاكسة: الصخب الحياتي يستهلك طاقة المبدع ووقته، ويهدر تحركه بالزائل بينما يتطلب الإبداع ( كي يكون خالدا ) النضوج على النار الهادئة وكثيرا من التفرغ والتأمل بعيدا عن المؤامرات واللهاث ومحاولات شيوخ العشائر في الجلوس في منتصف المضيف. المبدع الحقيقي برأيهم يعي صيرورة الوجود يراقبها يحاول القبض على النسغ متشكلا في كلمة أو فكرة أو صورة متخففا من عبء الكائن الأرضي وانتهازاته.. ورغم انه قد يعيش على هامش الوضع ( مختارا ) إلا انه يرى الصورة في ما يمكن أن يبقى: لا هذا الكيان بكل متعه وحسياته ومتطلباته بل شيء آخر: هو الإبداع.

لذلك ترى صورتين من المثقف : المتحرك بصيغة الموظف أو التاجر والمتحرك بصيغة الصوفي، ينال الأول تصدرا وقتيا للوائح ( المهرجانات، الصحف، الفضائيات ) بينما لا ينال الثاني سوى جوهر حركة الأشياء منسربة في الوجود. وبين هذا التحرك وذاك يبقى للمستقبل كلمته فيمن يبقى ومن يذهب جفاء كالزبد.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية