المغرب، نموذج -حرباوية- الإخوان المسلمين

الطاهر المعز
2021 / 9 / 10

المغرب، قشرة ديمقراطية لنظام طبقي واستبدادي:

هوامش انتخابات 08 أيلول 2021:
خسر حزب الإخوان المسلمين (حزب العدالة والتنمية) انتخابات يوم الأربعاء 8 أيلول/سبتمبر 2021، بعد أكثر من عشر سنوات من إدارة الحكومة، بإشراف الملك الذي يحتكر حق اتّخاذ القرارات الهامّة، وإقالة الوزراء وكبار موظفي الدّولة. يَدَّعِي الملكُ الذي ينظِّم التناوبَ الوهمِيَّ، أو الزّائف، في تصريح من أحد قصوره الثلاثين (20 آب 2021) أن هذه الانتخابات دليل على "ترسيخ الممارسات الديمقراطية بالبلاد"، وحصل حزب يمتلكه رجل أعمال (مقرب من الملك ووزير منذ 2007)، وآخر يمتلكه أحد مستشاري الملك، على مراتب مُتقدّمة، وعلى كُتَل نيابية أكبر حَجْمًا من قائمات الأحزاب الأخرى، في الإنتخابات التي شارك بها نحو نصف المسجلين في القوائم الانتخابية (أو نحو تسْعة ملايين من إجمالي 18 مليون ناخب)، بحسب وزارة الداخلية، فيما أثار معلقون ومراقبون مستقلون، مَحَلِّيُّون وأجانب، العديد من المخالفات التي رافقت الإنتخابات، واتهامات بشراء الأصوات، وتوزيع أموال و "هدايا" بالقرب من مراكز الاقتراع، وأخطاء في بعض القوائم الانتخابية، وعدم عثور المواطنين على أسمائهم ضمن قائمة المُنْتَخِبِين، وما إلى ذلك. وقللت وزارة الداخلية من شأن هذه الاتهامات، واصفة هذه الممارسات بـ "حالات منفردة".
رغم تصريح الملك بشأن "ترسيخ مبادئ وممارسة الدّيمقراطية بالبلاد"، تُظْهِرُ الوقائعُ الطبيعةَ الإستبْدادِيّةَ لنظام الحُكْم الذي يخنق أي نَفَسٍ مُعارض، وينتهك الحُرّيات الفردية والجماعية، مع استئثار الملك بالقرارات الهامة، فضلاً عن الفوارق الطبقية الكبيرة، والثّراء المُفْرِط لبعض المُقَرّبين من المَلك، مقابل توسّع شرائح الفُقراء، وهشاشة وضع مُعظم الأُجراء.
أما الحديث عن دولة المُؤسسات، فهو ضرب من الهُراء، فالملك هو من يتخذ القرارات ويُقِرُّ التوجهات في القطاعات المهمة، كما يعين الملكُ (وليس البرلمان) رئيس الحكومة الذي يُفْتَرضُ أن يكون من الحزب الذي يفوز في الاقتراع التشريعي، ولكن الملك يتمتع بصلاحيات مُطْلَقَة، ففي سنة 2002، حاز حزب "الإتحاد الإشتراكي للقوى الشعبية" على أغلبية المقاعد، لكن الملك عَيّن "إدريس جتُّو"، أحد المُقَرَّبين منه، لتشكيل الحكومة، وهو مُدِير مُجَمّع الشركات المَلَكِيّة (سيغر)، كما عَزَل الملك عددًا هامًّا من الوزراء بهدف استخدامهم كشَمّاعة، وتحميلهم مسؤولية بعض الأحداث أو فَشَل بعض الخطط التي سبق للملك أن أَمْلاها أو صادق عليها، ولذا فقدت "الإنتخابات الدّورية والدّيمقراطية" أي مصْداقية، فالدّيمقراطية لا تتحقّقُ في دَوْلَةٍ تابعة، نظامها عميل للإمبريالية التي تمتلك قواعد عسكرية بأراضي البلاد، ويحكمها ملك ذُو نُفُوذ مُطْلق، يحمل صفة "أمير المُؤْمنين"، أي يُمثّل "الدّين والدُّنيا"، ويُمْكِنُهُ اتخاذ قرارات مناقضة لنتيجة الإنتخابات.
منذ حوالي أربعين سنة، نظّم القَصْر المَلَكِي عملية "التّداول" على الحكم بين مختلف التيارات، من "الإشتراكيين" (المُزيّفين) إلى الإخوان المُسلمين، مُرُورًا بحزب الإستقلال التاريخي، و"الأحْرار" و"المُستقلّين" و"الليبراليين"، ويرأس هذه الأحزاب مُقرّبون من القَصْر (المَخْزَن، بالتّعْبير المَغْرِبي) ومن أصدقاء الملك ومن شُركائه في "البزنس"، وبذلك تمكّن الملك الحسن الثاني وابنُهُ محمد السّادس من تعيين بعض قادة الأحزاب المُعارضة لهما لتشكيل حكومات كانت مُجَرّدَ واجهة أو أداة تنفيذ إرادة الملك، ما أدّى إلى عزل هذه الأحزاب عن أنصارها من الفئات الكادحة والفقيرة، وإلى تشويه سمعتها، ويمثل حزب الإخوان المسلمين (العدالة والتنمية) آخر ضحية للسُّلْطة المُطْلَقة للملك، حيث خالفت قيادات الحزب إرادة جمهورها، ووقّعت، سنة 2020، اتفاقيات التّطبيع مع الكيان الصّهيوني، ما خلق خلافات داخلية وتصدّعًا في الحزب، قبل مُغادرة السلطة، سنة 2021، فاقدًا لمصداقيته وجماهيريته، تمامًا كما جرى للإتحاد الإشتراكي للقوى الشعبية، الذي ترأس الحكومة سنة 1998، خلال فترة حكم الحسن الثاني، ثم فقد شعبيته ومصداقيته، قبل إزاحته من طرف محمد السادس، سنة 2002، وتعيين مُدِير أعمال الملك في منصب رئيس الحكومة، رغم شُبهات الفساد والتّهرّب الضريبي، التي تحوم حول بعض الوُزراء المُقربين من الملك، وأقاربه وأصْهاره، ومن بينهم عبد العزيز أخَنُّوش (قدّرت مجلة "فوربس" ثروته بنحو 1,9 مليار دولارا) وعبد الحفيظ العَلَمِي، وغيرهما.
أظهرت الحملة الإنتخابية تشابه برامج الأحزاب (31 حزبًا، تشكّل بعضها بإيعاز من الملك) التي تُمَجّدُ جميعُها الإقتصاد الرّأسمالي الليبرالي، وسبق أن دعاها الملك إلى المصادقة (بدون نقاش) على "الإصلاحات الإقتصادية" لتكون نواة المُخطط الإقتصادي والتّنموي خلال السنوات الخمسة عشر القادمة (حتى سنة 2035)، وهي "إصلاحات" تضَمَّنَها تقرير اللجنة الخاصّة بدراسة نموذج التنمية، وهي لَجْنَةٌ يُعيّن الملكُ رئيسَهَا، الذي قدّم تقريرها للملك، يوم 25 أيار/مايو 2021، ويُعَبِّرُ التقرير عن تفاؤل غير مُبَرّر، بمستقبل الإقتصاد والتّنمية، تُفنّدُهُ الوقائع.

من أسباب انخفاض شعبية الإخوان المسلمين:
لم تطرح تيارات الدّين السياسي أبدًا، وفي أي مكان، برنامجًا يُناقش أو يُعيد النّظر في مسالة المِلْكِيّة الفردية أو الخاصّة لوسائل الإنتاج، ولا المُساواة والعدالة الإجتماعية، بل تُمجّد تيارات الدّين السياسي، ومنها تيار الإخوان المسلمين رأس المال والتجارة والثروة، أما الفُقراء فيمكن توزيع الزكاة عليهم، وأظهرت تجارب حكم الإخوان المسلمين بمصر وتونس والمغرب، تصالحهم مع الفاسدين واللُّصُوص، وتقاسم السّلطة ومحاصيل النّهب معهم، وتم إعفاء الفاسدين والسّارقين من المُتابعة ومن المُقاضاة، وعقد صفقات سياسية ومالية معهم، وبانت مظاهر الثراء على قادة الإخوان المسلمين، بسرعة قياسية.
من جهة أخرى طبّقت تيارات الدّين السياسي، والإخوان المسلمون بمصر وتونس والمغرب تعليمات البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي، ما أدّى إلى ارتفاع الدّيون الخارجية، ما جعلها تتضاعف خلال عشر سنوات، وتتجه إلى بلوغ 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي دُيُون مَشْرُوطة بتطبيق سياسات التقشف، وخفض الإنفاق الحكومي، وخصخصة قطاعات حيوية وأساسية مثل الصحة والتعليم والنّقل، وإلغاء الدّعم الحكومي لقطاع الفلاحة وللمواد الغذائية والطاقة، وكانت مثل هذه القرارات سببًا في انتفاضة 17 و 18 كانون الثاني/يناير بمصر، والعديد من الإنتفاضات بتونس والمغرب، منذ 1981، أي منذ أربعة عُقُود، وبدل تحسين ظروف العمل وزيادة الرواتب، طبّق الإخوان المسلمون بتونس والمغرب، تسريح موظفي الدّولة والقطاع العام وخفض الرواتب وجرايات التّقاعد،ة ورفع سن التقاعد، وزيادة أسعار السلع الأساسية والخدمات بشكل لا يتناسب مع مُستوى دَخْل الأُسَر، وأدّت هذه السياسات إلى ارتفاع حجم ونسبة البطالة والفَقْر، مقابل ارتفاع حجم وقيمة الفساد والتّهرّب الضريبي ونهب المال العام وممتلكات الشعب، وزيادة رواتب نواب المجالس النيابية والوزراء وكبار موظفي الدّولة، وتوسّعت هُوة الفوارق بين الأثرياء والفُقراء، بإرادة تيارات الدّين السياسي، المُستمدّة من صندوق النّقد الدّولي ومن القوى الإمبريالية وشركاتها العابرة للقارات، وبعد عشر سنوات من الحُكْم، لا يُمْكِنُ للإخوان المسلمين تعداد أي إنجاز لهم، وفي المغرب، ساهم قُبُول قيادة حزب الإخوان فَرْضَ الملك استبدال عبد الإله بن كيران بالعثماني، في تراجع شعبيتهم، كما ساهم النقاش الباهت حول التعليم، ولغة التّدريس، وعدم دفاع الإخوان المسلمين عن اللغة العربية كبديل للغة الفرنسية، في انخفاض رصيدهم الشعبي والإنتخابي...
ساهم الإخوان المسلمون، من تركيا إلى المغرب، بالترويج للتطبيع مع الكيان الصهيوني، خلافًا لقواعدهم الشعبية وأغلبية مواطني البلدان العربية التي لا تزال تعتبر الكيان الصهيوني غير شرعي وأن فلسطين للفلسطينيين، وليست للبيع أو الإقتسام، وبذلك ساهم انبطاح الإخوان المُسلمين، العلني والعَمَلي، أمام الإمبريالية والصهيونية، في اهتراء رصيدهم الشعبي، من قواعدهم، ومن الفئات الوُسطى ومن فئات الشعب التي لم تكن لها مواقف مُسبقة من تيارات الدّين السياسي...
هذه بعض أسباب خسارة الرصيد الشعبي للإخوان المسلمين، بتونس والمغرب، وما الإنتخابات سوى أحد المظاهر، وليست المعيار الوحيد...

ملك ثري وشعب فقير:
لما أصبح محمد السادس ملكًا، سنة 1999، بعد وفاة أبيه، وَعَدَ بتقليل التفاوتات الطبقية-الإجتماعية، وأطلقت عليه آنذاك وسائل الإعلام التي يُوَجّهُها القصر المَلَكي، من وراء الستار، صفةَ "ملك الفقراء"، لكنه وبعد 22 سنة، ظهر الملك كرجل غني جدًا، ويرتفع حجم ثروته وثروة أقاربه بسرعة قياسية، إذ يمتلك "ملك الفقراء" ما لا يقل عن ثلاثين قصرًا في المغرب، واشترى لنفسه مؤخرًا قصرًا في قلب باريس (حيث تعدّدت فترات إقامته، خلال السنوات الأخيرة) بالقرب من "برج إيفل"، ومن ساحة ومبنى "تروكاديرو"، تزيد مساحته عن ألف متر مربع، ولم تتأثّر صفقات "البزنس الملكي" بتورّط النظام المغربي في قضية برنامج التّجسّس الصهيوني "بيغاس" الذي استهدف فرنسا ورئيس دَوْلَتِها. أما عن وعده بتقليل التفاوت الطبقي، فتظهر البيانات تزايدًا مُستمرًّا لهذه التفاوتات.
في مقابل هذا الثراء الفاحش، يحتل المغرب مرتبة متأخرة، في مؤشر التنمية الذي تُصدره الأمم المتحدة التي تعتمد على مؤشرات التعليم والصّحّة ومعدّل الدّخل السنوي للفرد، وقياس مُؤشّر الفقر، متعدد الأبعاد، أي الجوانب التي لا تتصل بحجم أو بقيمة الدّخل الفردي، فيما تُشجع قوانين البلاد على التهرب الضريبي، من خلال عدم متابعة المُقربين من السلطة، ومن خلال إعفاء رجال الأعمال وكبار الفلاحين من دفع الضرائب، مقابل فرضها (خصوصًا الضرائب غير المُباشرة، على الإستهلاك والخَدَمات) على الفقراء، ما يُؤدّي إلى المزيد من اتساع رقعة الفوارق الاجتماعية بين الفقراء والأغنياء، وإلى عدم توفّر الأموال من الجباية لتمويل برامج التنمية، إن وُجِدَتْ البرامج.
تُؤَكّد الدّراسات والبيانات المتوفرة استمرار، بل تَوسّع الفجوة الطّبقية، وارتفاع عدد المواطنين الذين يعانون من نقص الغذاء إلى حوالي 5% من العدد الإجمالي للسكان، وخاصة من الأطفال (دون سن الخامسة) الذين يُعانون من الهُزال (2,3% ) ومن التّقَزّم ( 15% )، بحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، سنة 2018، ما أدّى إلى ارتفاع معدّل وفيات الأطفال حديثي الولادة، بحسب منظمة الصّحّة العالمية، ولا يتطلب القضاء على الجوع وسوء التغذية سوى 0,18% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب تقرير مُشترك صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، والصندوق (أو الوَقْف) الدولي للتنمية الزراعية، وبرنامج الغذاء العالمي، حول القضاء على الجوع، ويُشير تقرير "النموذج التنموي الجديد" الذي قدمته اللجنة (التي عيّن الملك أعضاءها) في الخامس والعشرين من أيار/مايو 2021، إلى "تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي وتفاقم الفوارق"، وإلى "امتلاك 10% من المغاربة الأكثر ثراءً ثروة تساوي 11 مرةً ما يملكه 10% من السكان الأكثر فقرًا"، إذْ لا يمتلك 20% من الفُقَراء سوى 5,6% من ثروة الأُسَر المغربية، بحسب مؤسسة الإحصاء المغربية (المندوبية السامية للتخطيط)، ومنذ انتشار وباء الفيروس التاجي (كوفيد 19)، في بداية سنة 2020، تضاعُف معدل الفقر سبع مرات ليبلغ 11,7% من العدد الإجمالي للسكان (وليس من الرّاشدين فحَسْب)، ومعدل الهشاشة مرتين، ليبلغ 16,7% بحسب المندوبية السامية للتخطيط. أما البنك العالمي فيقدّر أن نحو 25% من السّكّان فُقراء، بنهاية سنة 2019، أي قبل انتشار جائحة "كوفيد 19" التي تسببت بفقدان نحو 712 ألف وظيفة في القطاع الرّسمي، وحوالي أربعة ملايين وظيفة في القطاعات غير النظامية وغير الرسمية، وانقطع عدد كبير من الأطفال عن الدّراسة، ولم تتوفر بيانات عن العدد، أما المساعدات الحكومية، من المال العام، فقد اتّجهت في معظمها نحو الأكثر ثراءً، الذين لا يُسدّدون الضرائب، ولا يُساهمون بشكل متوازن في ميزانية الدّولة.

نظام ضريبي مُنحاز للأثرياء:
أورد أحدُ تقارير منظمة "أوكسفام" المسيحية، بريطانية المنشأ، بتاريخ 29 نيسان/ابريل 2019، بيانات عديدة عن مظاهر الحَيْف الجبائي الذي ساهم في توسيع الفجوة الطّبقية بالمغرب، هذا البلد ذي الترتيب المتقدّم، أي من الأوائل، في مجال انعدام المساواة، وفي توسّع الفَجْوة الطّبقية، وفي حجم الإمتيازات والإعفاءات الجبائية للثروات الكبيرة، ما يُؤثِّرُ سلبًا على موارد الدّولة وعلى الإنفاق الحكومي لتأمين الحدّ الأدنى من البُنية الأساسية ومن الخدمات الضّرورية، بينما ترفع الدّولة المغربية حجم الإنفاق على أجهزة القمع ومراقبة المواطنين، والإنفاق على إنشاء طرقات ومطارات وقطارات فاخرة، مرتفعة الثمن، وغير ضرورية، استفادت منها شركات عابرة للقارات، وبعض الشركات المحلية المتعاقدة معها، والتي يمتلكها المُقرّبون من هَرَم السُّلْطة، أو "المَخْزن" الذي يرتبط في ذهن المواطنين بالقمع وبالزبونية والفساد والإحتكار والرّشوة، مع الإفلات من العقاب، وفي مجال جباية الضرائب، يُسدّد الأُجَراء نحو 85% من الموارد الجبائية للدّولة التي تقتطع تلك المبالغ مُباشرة من الرّواتب، فيما لا يُسدّد الأثرياء والشركات سوى 15%. إنه نظام ضريبي غير متكافئ ناتج عن منظومة قانونية تُشَرْعِنُ الإعفاءات والامتيازات الضريبية لصالح الأثرياء والأعيان وكبار ملاك الأراضي. تمكنت الشركات من تجنب التدقيق من قبل إدارة الضرائب (إن وُجِدَتْ إرادة التّدقيق)، ومع ذلك تستفيد من الحوافز الضريبية، ولا تقدّم سوى 40% فقط من هذه الشركات الإقرارات الضريبية، وتدفع الشركات المملوكة للدولة، والتي تمثل نحو 10% من قيمة مجمل شركات البلاد، نحو 90% من عائدات الحكومة من ضرائب الشركات، وتقدم الدولة مساعدات مالية (قرابة خمسة مليارات دولار سنويا) للشركات الزراعية وشركات المقاولات والإنشاء والأشغال العامة والصناعة والصيد البحري والسياحة، من الأموال التي جمعتها الدولة من ضرائب الموظفين والأُجَراء، ومن الضرائب غير المباشرة ( ضريبة القيمة المُضافة) التي تُؤَثِّرُ كثيرًا في ميزانية الفُقراء.

اقتصاد تابع:
يعتمد اقتصاد البلاد على تصدير الفوسفات والإنتاج الزراعي المُعَدّ للتصدير نحو السوق الأوروبية، والذي يستنزف التُّرْبَة والمياه، وعلى السياحة وتحويلات العُمّال المُهاجرين، ويتميز وضع معظم المواطنين بالفقر والأُمِّيّة والتفاوت الطبقي والجغرافي بين سُكّان المُدن وسكان الرّيف، وبمعدلات بطالة مرتفعة، في غياب مشاريع تنموية قَدْ تَحُدُّ من التفاوت، وفي ظل ضُعف منظومة الصحة والتعليم ومجمل الخدمات الأساسية، وأدّى هذا الوضع إلى انتفاضات عديدة خلال العُقُود الأربعة الماضية، (منذ 1981) وآخرها احتجاجات شباط/فبراير 2011، واحتجاجات أخرى، منذ سنة 2016، بمنطقة الرّيف، شمال المغرب، ومنطقة "جرادة"، الشمال الشّرقي، قريبًا من حدود الجزائر، حيث أدّى إغلاق المناجم إلى كارثة اجتماعية، وجابهت السلطة هذه الإحتجاجات بالقمع وبالمُماطلة، وبتوريط مختلف الأحزاب في إدارة الأزمة، من خلال المُشاركة في حُكْم البلاد، تحت إشراف الملك...
قُدِّرَ عدد السائحين بأكثر من 12 مليون سائحا سنة 2019، بإيرادات بلغت 8,8 مليار دولارا، غير أن إيرادات السياحة ليست مرتفعة، مقارنة بمصر أو الأردن، وتبقى الإيرادات بالخارج، حيث يتم حجز الرحلات والإقامة، بواسطة وكالات أجنبية، تضغط على الشركات المالكة للفنادق لخفض الأسعار إلى أقصى حدّ، ما يؤدّي إلى خفض رواتب العاملات والعاملين المَحَلِّيِّين وتشغيلهم بعقود مَوْسِمِيّة، هشّة، في ظروف سيئة، فضلاً عن الإهانات وخدش الكرامة، وما إلى ذلك، وهي سياحة "شعبية" مُخصّصة لأُجَراء وفُقراء أوروبا الذين لا يختارون الرحلة والإقامة، بناء على معايير ثقافية أو تاريخية، بل يختارون الوجهة الأرخص ثمنًا، لتكون وجهتهم تونس أو المغرب أو جمهورية دومينكان وأمثالها، وتحتكر الفنادق، خلال موسم الصيف، العديد من أصناف الفواكه والأسماك، كما تُكْثِرُ من هَدْر المياه، ما يجعل قطاع السياحة عبْئًا على الإقتصاد والمجتمع، في المغرب، كما في تونس...
في مجال الصّيد البحري، يرتبط المغرب بعقود مع الإتحاد الأوروبي، تَسْمَحُ بنهب الثروة السمكية للسواحل المغربية بالبحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلسي، بواسطة سُفُن ضخمة تَضُرُّ بالبيئة وبالثروة البَحْرِيّة، مقابل مبالغ صغيرة، بنحو 55 مليون دولارا سنويا، في المتوسّط، وما الصيد البحري سوى نموذج لاقتصاد التّبعية، الذي يُعَزِّزُ نهب الموارد والعاملين، سواء من بقوا داخل البلاد، يعملون لدى الشركات الأجنبية في قطاعات النسيج أو تجميع قطع الغيار، أو من هاجروا إلى أوروبا للعمل بقطاعات ووظائف هشة، بعقود مُؤقّتة وبرواتب منخفضة، سواء بإسبانيا أو فرنسا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا، وقدّر البنك العالمي تحويلاتهم المالية إلى ذويهم بالمغرب، بنحو سبعة مليارات دولارا سنويا وبلغ 7,4 مليارات دولارا، سنة 2020، أو ما يعادل 6,5% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب تقرير "موجز الهجرة والتنمية الرابع والثلاثون" الصادر عن البنك العالمي، بداية سنة 2021...
لجأ النظام إلى إعادة توجيه السياسة الخارجية، بعد 2011، في محاولة لتعزيز الإقتصاد، ووعدت مَشْيَخات الخليج النّظامَيْن المَلَكِيّيْن( الأردن والمغرب) بالمساعدة التي لم تصل بَعْدُ، بعد عشر سنوات، وحاول النظام المغربي التّمَوْقُع كحليف للإتحاد الأوروبي للحد من الهجرة غير النظامية، عبر البحر الأبيض المتوسط، ولمكافحة الإرهاب العابر للصحراء الكُبْرى، فأصبح المغرب قاعدة عسكرية، وقاعدة استخبارات أوروبية وأمريكية، فاستفادت أوروبا والولايات المتحدة ولم يستفد المغرب الذي تستوعب أوروبا نحو 65% من صادرات المغرب الإجمالية، ويستورد المغرب نحو 60% من احتياجاته من دول الإتحاد الأوروبي التي تُعتبر أكبر مُستثمر أجنبي بالمغرب، بنحو 75% من الإستثمارات الأجنبية المُباشرة، وأسّست المصارف والشركات الأوروبية (الفرنسية خصوصًا) فُروعًا بالمغرب، كبوابة للإستثمار في بلدان إفريقيا الغربية، في محاولة للحد من زيادة نفوذ الصين وروسيا في إفريقيا، جنوب الصحراء الكُبرى...

منظومة الفساد المُنَظَّم والسّرقة والإحتيال:
تُشجّع الدّولة على الإحتيال، من خلال هذا النظام الضريبي، وكذلك عبر مناطق "التجارة الحرة"، غير الخاضعة للمراقبة، ما يُعدّ ملاذات ضريبية غير مُعْلَنَة، ولا يمكن أن يساعد هذا النظام في الحد من عدم المساواة، بل على العكس من ذلك، تزداد التفاوتات بين الأغنياء والفقراء، فضلا عن توسع حجم الاقتصاد الموازي، الخالي من الضرائب ومن القوانين التي تضمن بعض حقوق العمال، ويُقدّر حجم الإقتصاد غير النظامي بما بين 40% و 50% من الناتج المحلي الإجمالي.
يُعْتَبَرُ التهرب الضريبي أمرًا شائعًا بين الأوساط الغنية والشركات والدوائر السياسية، ونشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية معلومات من "Swissleaks" اتهمت العائلة المالكة بالتهرب الضريبي وحيازة مبالغ كبيرة (خارج المغرب، بشكل غير قانوني ، بين 2006 و 2015 ، عام نشر التقرير) في المصارف السويسرية والبريطانية، كما مَكّنتْ فضيحة "أوراق بنما" من اكتشاف أن جزء من ممتلكات الملك وحاشيته، جراء تهريب الأموال، منذ عام 2003 ، وتتمثل بعض الممتلكات التي وقع الإعلان عنها بالعقارات وقوارب النُّزْهة الفاخرة، وأسهم في شركات غير مُقيمة (أوفشُور) وحسابات مصرفية في عدد من الملاذات الضريبية...
تضغط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والاتحاد الأوروبي (EU) على المغرب للانضمام إلى الاتفاقية العالمية لتبادل المعلومات بانتظام، لمكافحة الاحتيال الضريبي وغسيل الأموال، وتذكر منظمة "أوكسفام" في تقريرها لعام 2020 أن المغرب مدرج في القائمة الرمادية للاتحاد الأوروبي للملاذات الضريبية ، أي الدول "الخاضعة للمراقبة"، وقدّر صندوق النقد الدّولي أن الفساد يُكلف نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد...

آفاق:
في ظل هذا المناخ القَمْعِي، وهذا النظام المَبْنِي على عدم المُساواة والإستغلال الفاحش، واضطهاد معظم فئات المجتمع، توسّعت رُقعة النّضالات لتشمل صغار المزارعين والنساء، والمناطق المحرومة، وسُكّان الاحياء الشعبية، فضلا عن الأُجَراء والعاملين، ولم تنفع سياسات التّداول الشّكلي على السّلطة، لأحزاب تخضع لأوامر الملك وإشرافه على برامجها التي لا تختلف عن بعضها سوى في بعض التفاصيل، فهي جميعًا تعمل في إطار التّبعية للإمبرياليّتَيْن الأوروبية والأمريكية، وتُطبّق أوامر و"توصيات" صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، مقابل الحصول على قُرُوضٍ مشروطة ومَسْمُومة...
يتّسم ما يُسمّى "المجتمع المدني"، وبالخصوص تيارات اليسار الإجتماعي والنقابي والثقافي، والشباب والنّساء، بالحيوية وبالنّضال المُسْتمر من أجل افتكاك بعض الحُقُوق، أو من أجل الدّفاع عن مُكتسبات يحاول النظام التّراجع عنها، ولم تهدأ الإحتجاجات والإضرابات والنضالات مُتَعدّدة الأشكال، رغم ارتفاع نِسَب الفقر والأُمِّيّة، ولا تزال الذّاكرة الجَمْعِيّة لمواطني منطقة الريف (شمال المغرب) تحتفظ بذكرى "محمد بن عبد الكريم الخطابي"، مُؤسس جمهورية الريف، ومُجَدّد حرب الغوار ضد جَيْشَيْ فرنسا وإسبانيا، مجتَمِعَيْن، ويُعْتَبَر هذا الرّبط بين نضال الأجيال طيلة قَرْن كامل، مُؤشّر تفاؤل بإمكانيات التغيير الإيجابي، لصالح العاملين والكادحين والفُقراء...

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية