الشخصية العراقية في نظرية الوردي النقدية

عباس علي العلي
2021 / 9 / 9

الشخصية العراقية
أسباب وظواهر.
من أكثر ما يثير في الذاكرة العقلية عند عامة الناس ويتذكروا فورا شخصية الدكتور علي الوردي ومنهجه ونظريته في علم الأجتماع كلمة أو مفهوم الإنفصام الأجتماعي في الشخصية العراقية، فقد أرتبط هذا المفهوم بالدكتور الوردي وصار دالا ودليل يرشد الذهن فورا إلى صورة العلامة الوردي ذي الشخصية العلمية المثيرة والمبدعة والمجادلة والتي أنقسم فيها الناس بين مؤيد لطروحاتها وبين معارض يصل لحد التكفير والتسقيط .
هذا المأتى النفسي بالأكثر سببه أن الدكتور الوردي قد ظهر في وقت وزمان كان المجتمع العراقي ينسلخ شيئا فشيئا من ظلامية العصور التاريخية الممتدة منذ سقوط بغداد على يد هولاكو وأنتهاء بسقوطها مرة أخرى على يد الجنرال مود قائد الحملة البريطانية على العراق، فما بين السقوطين غابت شمس الفكر والمعرفة وتقوقع العلم الأجتماعي كباقي العلوم في حضيرة النسخ والمسخ دون أن يبدع العقل العراقي الجمعي شيئا يذكر .
فبدأ عصر ما بعد العثمانية الأستعمارية العنصرية الفجة، عصر يحاول أن يفك عن العراق عزلته ويقود إلى تلمس ملامح رؤية كونية تحاول اللحاق والتعويض عما فات، والواقع يقول أن الجهود التي بذلها رموز النخب العراقية أتت ثمارها أخيرا ولكن غير ناضجة بما فيها الكفاية لأن تنتج مزيجا أخر أكثر قدرة على التحريك والتسريع في خطوات التجديد المعرفي والفكري، لأن عوامل ومعطيات التخلف الأجتماعي في الفترة العثمانية ما زالت قادرة على المعارضة وبقوة، تتقدمها المؤسسة الدينية المتحجرة والمؤسسة الأجتماعية القروية التي ترى في علم الأجتماع تهديد لها ولمستقبل الثقافة القروية الأستبدادية .
في ظل هذا التعارض الفكري والعقائدي وفي ظل أضطراب أجتماعي طبيعي ناتج عن الحلحلة المجتمعية ظهر الوردي حاملا راية علمية تقود لتنوير جانب مهم وأساسي من جوانب العلم، وهو الجانب الأخطر فيه أجتماعيا وهو علم الأجتماع، ومع علم النفس والفلسفة يمكن أن تكون هذه العلاقة المشتركة هي الأساس الأهم في انطلاق حملة التنوير والتجديد الفكري والبناء الطبيعي لمنطلقات التحديث والمعاصرة، قاد الدكتور الوردي حملة تفكيكية للمفاهيم الأجتماعية كما للواقع العراقي من خلال دراسة عميقة نقدية وتشخيصية أثارت زوبعة من المواجهات الفكرية، قاومها بشدة وأنتصر في البعض وأحبطته الظروف في بعض وقد أتعبه المشوار الطويل من النقد والنقد المقابل، لكنه بقى وفيا لمبادئه ولعلمه ولرؤيته للحياة.
ليس فقط على مستوى الشارع العراقي الأجتماعي الشعبي المرتبط (بلا وعي وإرادة علمية أو إيمانية حقيقية) دوما بالمؤسسة الدينية والأجتماعية كما يرتبط الذيل بجسد الحيوان ويتحرك لمصلحة الأخير، كانت المؤسسة الثقافية والفكرية بما فيها الأكاديمية في الكثير من عناصرها ورموزها تتناوب الصراع والجدال مع الدكتور الوردي، وتحاول إحباط مشروعه التنويري فما كان منه إلا أن يواجه هذه الحملات التشكيكية بالمزيد من السخرية العلمية من عقول هذه الرموز والعناصر، مستغلا سعة أفقه العلمي والفكري ومعريا ضحالة المنطلقات التي ينطلقون منها .
فيما الطبقة الثقافية الناشئة والتي شكلت فيما بعد الغالبية الفكرية اليسارية العراقية وقفت مع الوردي بكل قوة لأنها ترى أن معطيات الفكر الأجتماعي الذي ينادي به الدكتور غالبا ما تكون حقائق معاشة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أتهامها بما يخالف القواعد العلمية البحثية، لذا أضيف عبء أخر على لدكتور الوردي بسبب هذا التأكيد من أنه كان ماركسيا أو ماديا وحتى ملحدا في نهجه الخفي وتحريضه المستمر ضد أركان ورؤى الرجعية الدينية والفكرية والأجتماعية.
لقد كان الطرح الأجتماعي المبني على دراسات أستقصائية وتحليلية أعتمدت التفكيك والتجريح وأعادة رسم العلاقة الأجتماعية والنظرة الذاتية لها مقارنة بواقع أجتماعي أكثر تطورا وحداثة وأوسع نظرة، مع تجربة معايشة حقيقية لتلك الشخصية الخارجية، فقد أوضحت للباحث بما لا يقبل الشك أن هناك خلل مزدوج بالبنية التقليدية للفكر العراقي (المعرفة الأجتماعية) أنعكس سلبا على صورة وتكوين الشخصية العراقية قديما وحديثا، مما جعلها تتصرف بنوع من عدم التوافق والجدية أحيانا والصدق والإخلاص في أحيانا أخرى، لتضفي عليه ما يشبه الإنفصام السلوكي الأجتماعي، فكانت هذه الإنطلاقة الأولى لنظريته المركبة .
يبقى السؤال الأهم من هذه المقدمة البسيطة لماذا أنفعل المجتمع العراقي وتفاعل مع نظرية الدكتور علي الوردي بهذا التأثير البالغ؟ والذي حصد أعجاب دارسي التاريخ الثقافي العراقي الحديث، هل لأن الدكتور الوردي قد جاء بمفاهيم جديدة لم يطرقها الفكر العربي عام والعراقي بالخصوص؟ أم لأنه أستند وأستقى من جذور غربية أساسها نظرة غير كاملة ولا حقيقية لكل المجتمعات، وخاصة مثل مجتمع مركب ومعقد وغير متجانس بالكلية مثل المجتمع العراقي، والحقيقية العلمية التي يثبتها التأريخ ليس كل هذا هو ما كان أصلا لهذه القضية بقدر جرأة الدكتور الوردي في مس ونقد التابو الأجتماعي المحصن بالحرام والعيب والقداسة .
الظاهر من خلال قراءتي المعمقة للحدث كله من ظهور الدكتور والوردي وحتى رحيله وما تركه خلفه من إرث فكري عميق وغزيز، أظن بل وأجزم أحيانا أن السبب يعود إلى نوعية وجوهر الصراع الذي قاده الوردي في قبال وبمواجهة عناصر السلفية الفكرية ونظرتها التقليدية للمجتمع، ومحاولة خصومه الفكريون التستر على عيوبه الخلقية والأخلاقية، لأن هذه العيوب بتأثيراتها المديدة لا بد أن تنعكس على مجمل الفكر المجتمعي وتعطي صورة مطابقة له، أي أن الفكر الأجتماعي التقليدي الذي واجهه الوردي كان مصابا أيضا بنفس العيوب الأجتماعية للشخصية الأجتماعية العامة والتي هاجمها ومتأثرة به بشكل عميق جدا للحد الذي أعتبر تهديدا وجوديا له، الفكر العراقي كان أيضا مصاب بالفصام والإنفصام عن الواقع وعن حركة الزمن .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية