قصص وحواديت من العالم القديم (13)

محمد زكريا توفيق
2021 / 9 / 9

السامنيت:

بعد وقت قصير من وفاة الإسكندر، عانى الرومان من عار شديد. كانوا لا يزالون في حالة حرب مع السامنيت، وهم قوم من جنوب إيطاليا. حصل الرومان في البداية، بقيادة الدكتاتور بابيريوس كيرسر، على انتصار رائع، في نفس السنة التي مات فيها الاسكندر الأكبر. لكن بعد خمس سنوات من هذا الانتصار، كان محكوما عليهم أن يتجرعوا كأس الهزيمة.

الرومان، تحت قيادة فيتوريوس وبوتوميوس، تم استدراجهم إلى ممر ضيق من قبل السامنيت، بقيادة الجنرال كايوس بونتيوس. وجد الرومان أنفسهم محاطين بالعدو، غير قادرين على المضي قدما أو التقهقر إلى الوراء. الأسوأ من ذلك كله، أنهم غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم.

شعر السامنيت بسعادة غامرة لرؤية خصومهم القدامى تحت رحمتهم، فأرسلوا إلى هرينيوس المسن، والد جنرالهم، يطلبون النصيحة والرأي. فأوصى هرينيوس ابنه بالسماح للرومان بالمرور بشرف، وتركهم بكل احترام وكرم. لم يعجب هذا الرأي قواد السامنيت، فأرسلوا للشيخ يطلبون مراجعة رأيه. فأرسل لهم جملة واحدة: "إذن اعملوا فيهم السيف جميعا."

كان كايوس يظن أن هرينيوس والده قد كبر وخرف وأصبح يقدم نصائح متضاربة. لكن هرينيوس جاء إلى المخيم، لكي يدافع عن رأيه ويبين حكمته. قال: "إذا أعطيت الرومان حريتهم، فإن شعبا كريما جدا لن ينسى هذا الفعل. ولكن إذا اخترت تدابير أقسى وأشد، وقمت بقتل كل منهم، ستضعف قوتهم بشكل أساسي. وعليك أن تفعل هذا أو ذاك."

اختار السامنيت حلا وسطا. جعلوا الرومان يمرون تحت نير العار. وهو عبارة عن ثلاثة رماح. اثنان ثابتان بحزم في وضع رأسي في الأرض، والثالث يوضع أفقيا فوقهما. لكي يمر الأسرى من تحته، وهذا يعتبر عارا كبيرا جدا للمحارب في الزمن القديم.

عندما استسلم الرومان وطلبوا السلام، اقترح بونتيوس شروطا صعبة للغاية. تأوه الجنود الرومان بصوت عال عندما سمعوا الشروط المخزية المتوقعة منهم.

هنا ذكرهم ضابط حكيم وشجاع، يدعى، سيكستولوس، بأن سلامتهم كانت ضرورية لسلامة بلدهم، لأنهم يشكلون جيشها الرئيسي. وأنه من واجب الجندي الوطني الحقيقي أن يعاني حتى من العار، مثل طلبه للمجد من أجل بلده. اعترف الرومان بسلامة رأيه، ووافقوا على تجرع ما هو أمر من الموت في سبيل روما الحبيبة.

أولا، أمروا بتسليم جميع أسلحتهم وخلع ملابسهم الخارجية، ثم الخروج من حصارهم. القناصل وهم الحكام، يقودون المسيرة، نصف عراة، جردوا من كل الأوسمة والرتب. ثم يمرون من تحت النير المشار إليه ورمز العار للجندي المحارب. بعدهم، يأتي الضباط وفقا لرتبهم، ثم باقي الجنود. أما السامنيت، فوقفوا يسخرون من الأسرى.

عندما انتهى احتفال إهانة الأسرى وإذلالهم، بدأ الجنود البؤساء، يرقدون في الحقول والطرق، يخجلون من العودة والدخول في أية قرية وهم شبه عرايا بملابسهم الداخلية.

لكن في اللحظة التي سمع فيها سكان كابوا، وهي مدينة ليست بعيدة عن ممر جاوديوم، عن محنة الأسرى الرومان، أرسلوا لهم بسخاء الخيول والملابس والطعام.

لنا أن نتخيل مقدار الغضب والعار الذي شعر به الرومان بسبب المهانة التي لحقت بجنودهم. لذلك، بدأوا على الفور في اتخاذ تدابير للقضاء على وصمة العار التي لطخت مجدهم العسكري. ولم يمض وقت طويل قبل أن يحقق الرومان بقيادة بابيريوس انتصارا هاما على السامنيت.

جعلوهم يتذوقون مرارة الهزيمة، وكانوا حريصين على أن يجعلوا الأسرى منهم يمرون شبه عرايا تحت نير الهوان، كما فعلوا بهم من قبل. ويوم لك ويوم عليك.

كان الرومان منزعجين لدرجة أنهم لم يلقوا أسلحتهم حتى قاموا بقهر السامنيت بالكامل. كانت هذه هي عواقب استفزاز شعب شجاع!

حدث قبل هذا العار أن الرومان كانوا قد غزوا مدينة بريفيرنوم. سأل أحد أعضاء مجلس الشيوخ نواب المدينة عن العقاب الذي يستحقه المواطنون لتمردهم ضد روما؟

"مثل أولئك، يستحقون أن يشعروا بالأمان وأنهم أحرار. أجاب النائب. وتابع عضو مجلس الشيوخ، "ولكن، أي نوع من السلام يمكن أن نتوقعه معكم، إذا غفرنا لكم؟"

"سلام ثابت ودائم، إذا كانت شروطه عادلة. أما إذا كانت الشروط ظالمة، فالسلام معنا لن يدوم طويلا." كانت هذه هي إجابة عضو نواب مدينة بريفيرنوم.
هذه الكلمات يجب علينا جميعا أن نفكر فيها. وتعني أن جميع المعاهدات والصفقات ينبغي أن تكون عادلة، لكل الأطراف، في السر وفي العلن.

مر الرومان تحت النير في كوديوم، عام 321 ق م.

خلفاء الإسكندر، أبيقور:

قبل مرض الإسكندر الأكبر الخطير، استولى على مدينة جورديوم، في فريجيا، آسيا الصغرى. في هذه المدينة كانت هناك عربة، مربوط بعمودها عقدة غريبة جدا، يعتقد أنه من المستحيل حلها. كان هناك أيضا اعتقاد في المدينة، أن من يستطيع حل هذه العقدة، سوف يمتلك إمبراطورية آسيا.

كان الإسكندر واثقا من أن حكاية العقدة تخصه هو. لكنه، كان يفشل كلما حاول عبثا حلها. وعندما نفذ صبره، مزق العقدة بسيفه إربا.

في الصحراء الغربية، وجد الإسكندر معبد آمون. يقال إنه تاه في الصحراء وكاد جيشه يفنى مثل جيش قمبيز من قبل. لولا سرب من الغربان دله على الطريق. يعتقد أنه مرسل من الإله آمون. هناك، أعلن كهنة المعبد أن الإسكندر، هو ابن الإله آمون. منذ ذلك الوقت، كان يطلق الإسكندر على نفسه، ابن آمون.

كان لدى الإسكندر ابنا يدعى هرقل، من زوجته بارسين. ترك أيضا أخا يدعى أريدوس. أريدوس والإسكندر ابن روكسانا، والذي ولد بعد وفاة الإسكندر الأكبر، هما ورثته الباقين في الحكم. لكن سرعان ما أغلقت صفحتهما وحياتهما.

عندما سئل الإسكندر الأكبر في لحظات موته، لمن يترك الإمبراطورية، أجاب: "إلى الأكثر جدارة".

قسم قواد الإسكندر الكبار الإمبراطورية الواسعة فيما بينهم. وقام أحدهم بقتل الطفل ابن الإسكندر، ووالدته بارسين. وقتل آخر شقيقة الإسكندر، كليوباترا. وبذلك، تكون عائلة الإسكندر الأكبر قد انقرضت بالكامل.

بدأ الضباط في الحكم أولا كجنرالات وحكام فقط، وأخذ كل منهم بلدا معينا تحت حكمه. ولكن بعد بضع سنوات، تولوا الألقاب العليا؛ ثم أصبحوا ملوكا وأباطرة، وأسسوا أنفسهم وأبناءهم بعدهم على العروش التي صنعوها.

اندلعت المشاجرات بين قواد الإسكندر الأكبر والمعارك، التي أفقرت البعض ودمرت البعض الآخر، حتى لم يبق في النهاية سوى أربعة في السلطة. من بين هؤلاء، بطليموس ملك مصر، وكاساندر في مقدونيا واليونان، وسيليكوس في سوريا وبابل، وليسيماخوس في تراقيا.

أومينيس، أفضلهم جميعا، حكم كابادوكيا. لكنه لم ينعم بالحكم لأن أنتيجونوس غزا بلده وقام بقتله. من بين الأربعة المذكورين أعلاه، نقل اثنان فقط، بطليموس وسيليكوس، حكم إمبراطوريتيهما إلى أطفالهما. الآخرون تم عزو بلادهم وتحريرها من قبضتهم.

عندما غادر الإسكندر مقدونيا، ترك أنتيباتير حاكما لها. استمر أنتيباتير يتمتع بهذا المنصب العالي بعد وفاة سيده. في سن متقدمة جدا، توفي، تاركا ابنه كاساندر، يشاركه بوليبرشون، أقدم جنرالات الإسكندر، الحكم في مقدونيا. كان كاساندر طموحا جدا، فاستخدم المكر والدهاء لكي ينفرد بحكم مقدونيا واليونان فيما بعد.

ملوك مصر، لفترة طويلة، كانوا يسمون بطليموس. وهو اسم الجنرال الذي كان واحدا من القواد الأربعة الذين تقاسموا ممتلكات الإسكندر الرئيسية فيما بينهم.

عندما كان في الثمانين من عمره، تنازل عن العرش، وكان قد ربي ابنه بطليموس الثاني فيلاديلفوس تربية رفيعة بكل المقاييس. ثم توفي بسلام بعد عامين. بنى فنارة الإسكندرية التي صارت من أعاجيب الدنيا السبعة.

أما بطليموس الثالث، فقد كان رجلا متعلما وفاضلا. أسس المتحف والمكتبة الشهيرة في الإسكندرية. وهو الذي قال: "إن العظمة الحقيقية للملك تأتي من إثراء شعبه، وليس من إثراء نفسه".

تزوج سيليوكوس من امرأة شابة جميلة تدعى ستراتونيس. بعد فترة وجيزة من الزواج، مرض ابنه أنطاكيوس، ولم يتمكن الأطباء من اكتشاف مرضه، حتى قام إيراسيستراتوس، وهو طبيب ماهر، بمعرفة سبب مرض الأمير الشاب.

لاحظ تغيير لونه، وانه يتنهد ويرتجف، كلما تدخل عليه الملكة الجميلة زوجة أبيه. وأخيرا، حصل على اعتراف منه، بأنه أحب الملكة. ثم أضاف الأمير الشاب: "أفضل أن أموت على أن أعلن حبي، وبالتالي أعاقب على إعطاء قلبي لمن لا أستطيع الزواج منها أبدا."

قرر الطبيب القيام بمحاولة لإنقاذ أنطاكيوس الولهان. ذهب إلى الملك، وقال له إنه اكتشف سبب مرض ابنه. "ما هو؟ " سأل سيليوكوس. قال إيراسيستراتوس: "إنه واقع في حب سيدة لا يستطيع الزواج منها. ولماذا لا يستطيع الزواج منها؟" - "لأنها زوجتي"، أجاب الطبيب الماكر.

"وأنت، ألا يجب أن تتركها لإنقاذ ابني؟" سأل الملك. "سيدي، ضع نفسك في مكاني، هل تتخلى عن زوجتك؟" - "نعم"، أجاب الأب الحنون."، أعطيه زوجتي ومملكتي أيضا، إذا كان هذا ينقذ حياته." إذن، افعل ذلك يا مولاي، لأنها زوجتك، وليست زوجتي التي يحبها.

لم يتردد الملك سيليوكوس لحظة واحدة. وبموافقة الزوجة، ستراتونيس، تركها الملك لكي تتزوج ابنه. ثم توجهما ملكا وملكة على سوريا. لكن، الابن أنطاكيوس، احتراما لمشاعر والده، لم يدخل بها إلا بعد وفاته.

كان في زمن سيليوكوس وابنه، يعيش الفيلسوف أبيقور. ولد من أبوين فقراء، في جارجيتوس، وهي قرية يونانية. لكنه في وقت مبكر تميز بالعبقرية. في الرابعة عشرة، صمم على أن يكون فيلسوفا. بعد أن ثقف نفسه وأثرى عقله بالسفر، استقر في أثينا وكان سنه 36 سنة.

عندما وجد جميع الأماكن العامة مشغولة بفلاسفة آخرين، اشترى أبيقور حديقة جميلة، لكي يلقي فيها محاضراته. ومن ثم كان أتباعه يوصفون بفلاسفة الحدائق. وكان أول من ألحق الحديقة بالمنزل في أثينا.

سرعان ما جذب عددا من أتباعه بحلاوة حديثة وكرم أخلاقه، وكذلك بفضائله الاجتماعية. كان طعامه اليومي يتألف من الخبز والماء، مع الفواكه المنتجة من حديقته، وقليل من الحليب والجبن والزيتون. ويكتفي بشرب الماء فقط.

كان يعلم أبيقور أن السعادة تأتي من المتعة. لا يعني هذا الإشباع الحسي أو من الرذيلة. لكن من متعة العقل وحلاوة الفضيلة.

حياة أبيقور وتعاليمه، أثارت الغيرة عند الطوائف الأخرى. الذين قاموا بتوجيه اللوم إلى مذهبه بلا تهاون، مما جعل اسم طائفته هو المثل لكل شيء فاسد من حيث المبدأ والسلوك.

في سن متقدمة، تعرض أبيقور لنوبات ألم مبرح بسبب مرض مزمن. ومع ذلك ثابر في التدريس حتى عامه الثاني والسبعين. خلال أسبوعين من العذاب المبرح، لم يبين آلامه، لكنه تحدث كالعادة مع أصدقائه حول مبادئ الفلسفة.

وعندما اقتربت النهاية، أمر بحمام دافئ، ثم شرب كأسا من النبيذ. وبعد ذلك، بينما كان يحض أصدقاءه على عدم نسيان تعاليمه أسلم الروح عام 270 ق م.

رسالة، كتبها قبل وفاته مباشرة إلى صديقه إيدومينوس، معبرة عن حالته العقلية: "بعد حياة سعيدة، وصلت إلى اليوم الأخير. إن الألم المبرح الذي يعاودني، أتغلب عليه بالفرح الذهني الذي أشعر به من تذكر خطاباتنا واكتشافاتنا".

هذه هي لغة الفيلسوف، وليست لغة رجل المتعة. إذا كانت عبارات "العربدة" و"الإغواء" و"الإفساد" و"النهم" تنسب إلى الفلسفة الأبيقورية، فهذا يرجع إلى شروح وتفسيرات الرومان، وليس لفلسفة أبيقور.


ذكرى هذا الفيلسوف الودود كانت مبجلة جدا من قبل تلاميذه، لدرجة أن كل واحد منهم كان لديه صورة له، يحملها دائما معه. وكانوا يرسمون صوره على الكؤوس والخواتم، ويعتبرون ذلك فأل حسن.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي