من الثورة الموؤدة إلى الثورة المولودة

حسن خليل غريب
2021 / 9 / 8

منذ فجر العام 2011، استفاق الوطن العربي على ما يشبه سلسلة من الانفجارات الشعبية المتتالية، ابتدأت في تونس ومصر وليبيا واليمن، وحطَّت رحالها في سورية. وأطلقت جميعها صرخة واحدة (الشعب يريد إسقاط النظام).
لم يأت الهتاف الموحَّد صدفة بل كان عبارة عن تراكمات واختناقات ضاق بها صدر الشعب العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. وكان السبب في اندلاع الانفجارات الشعبية ممارسات لامتناهية من حكم الطغيان والديكتاتورية والفساد واختلاس حقوق المواطن... تلك المواصفات التي انبنت عليها أنظمة العرب الرسمية، وعانت الجماهير الشعبية ما عانته من تكميم الأفواه ومصادرة رأي الشرائح المثقفة وحقها في التعبير، وزُجَّت في سجون المخابرات. وجاعت حتى آخر لقمة من الخبر. ومرضت ولم تجد مستشفى تأوى إليه، ولا حبة دواء تداوي فيه ألمها.
عانت الجماهير الشعبية من كل ذلك في الوقت الذي كانت فيه الطبقات الحاكمة تعيش بالتخمة في كل شيء. وتعيث في حقوق الجماهير الشعبية بكل أنواع الفساد وأشكاله. ولم تميز الجماهير نظاماً عن آخر، سوى بالدرجة وليس بالنوع. ولذلك لم يكن من الغريب أن يسمع المواطن السوري المقموع نداء أخيه في تونس وليبيا ومصر واليمن، والعكس صحيح وينطبق حالها على حال كل الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.
ومنذ فجر العام 2011، بينما كانت الجماهير الكادحة تملأ الساحات غير آبهة بتهديدات الأنظمة وقمعها. كان كل عربي يفرك عينيه غير مصدِّق بما يحصل. ويتساءل عن اللغز الذي جعل الجماهير تنزل إلى الشارع في أكثر من قطر عربي. فكانت الأحداث تتوالى وتتواصل، لا تفصل بين الحدث والآخر سوى مسافة قصيرة جداً من الوقت. وإذا كان من غير الغريب أن تصدح الجماهير الشعبية العربية بشعارات واحدة، لأن المعاناة واحدة. ولكن المريب في الأمر كان في أن يتم تشكيل (مجالس انتقالية) على منهج واحد.
ولكن الشكوك التي كانت أقرب منها إلى التأكيد برزت في غضون الأسابيع الأولى يعد اندلاع الثورات. في حينها أخذ الثلج يذوب، ويبين وجه الحقيقة. فأتى الجواب من ظهور الصهيوني برنارد ليفي، الذي أخذ الإعلام الغربي يروج له بأنه (مهندس ثورات الربيع العربي)، محاطاً ببعض أعضاء المجالس الانتقالية في أكثر من ساحة عربية، يخطب بمن توافدوا من أصقاع دنيا الاغتراب ليتشكل منهم تلك المجالس.
ولم تتأخر كثيراً تلك العلامات عندما أخذت أعداد (مجاهدي) حركات الإسلام السياسي تتزايد وتشد الرحال إلى الساحات التي امتلأت بالحشود الشعبية الثائرة. فعلا صوت أولئك (المجاهدين) وحلَّ مكان صوت الجماهير الشعبية الكادحة. كما علا صوت سلاحهم المتطور من جهة، وسلاح التكفير والتكفير المضاد. فنشروا التخريب في الأملاك العامة والخاصة. وامتشقوا سلاح القتل على الهوية الطائفية فيما بعد.
وبحركتهم، التي أصبح من الواضح أنه مخطط لها، ومرسومة خرائطها، يتبيَّن أن المنتمين إلى حركة الإخوان المسلمين ونظام ولاية الفقيه يتصدران صفوف أولئك (المجاهدين). فظهروا بداية في ليبيا، وتونس ومصر، وظهرت جحافلهم في سورية بشكل أوضح. وبرز في المشاهد الأولى منها جحافل (داعش)، التي انطلقت بداية من الأراضي السورية، وتلاها تشكيل جحافل (الحشد الشعبي) في العراق. ودارت بينهما المعارك تحت شعارات طائفية مملوءة بالحقد والتعصب. فعمَّ القتل والتخريب وانتشر الدمار أينما كان.
عند حدود تلك الصورة، نرى أنه حيثما حلَّ الصهيوني برناد ليفي، تكون جحافل (المجاهدين الإسلاميين) جاهزة. ومن تلك الحدود أصبح من الواضح أن (الثورة الشعبية)، التي احتشدت في صفوفها جموع المقهورين والمضطهدين والجائعين، في طريقها إلى الوأد.
ولهذا بعد سنوات عجاف ظهر أن الثورات النظيفة أصبحت موؤدة. وحلَّت مكانها مشاريع الاستعمار والصهيونية وحركات الإسلام السياسي، مدعومة إما بتواطؤ أو تجاهل من بعض أنظمة العرب الرسمية. وأما الجماهير الشعبية فضاعت أهدافها وسُرقت منها، وراحت تكابد الأمرَّين من قتل وقتل مضاد، وقصف وقصف مضاد، وتخريب وتخريب مضاد. ولشدة ما عانت منه الجماهير الشعبية، من القتل العشوائي، والقتل على الهوية بتهمة الكفر والإلحاد، راحت تلك الجماهير تنشد النجاة. وتتحول إلى الملايين الهاربة من جحيم الموت في الفيافي القاحلة، وبين الأمواج الهادرة. ولتملأ أصقاع الأرض بمن نجا منهم، عبر البر أو عبر البحر.
إن الثورة الشعبية التي دغدغت مشاعر عشرات الملايين من الجماهير الشعبية، صاحبة المصلحة الحقيقية في إسقاط الأنظمة، تمت مصادرتها من قبل الدول الكبرى الغربية والإقليمية، وجماعاتها التكفيرية. ولهذا فقد وُئِدت الثورة.
وإذا الثورة الموؤدة سُئلت بأي ذنب قُتلت؟
فقل للذين يتساءلون: إنها كانت ضحية التحالف الأميركي الغربي الصهيوني الإقليمي الطائفي. ذلك التحالف الذي يتغذى، كما يفعلها دراكولا، على امتصاص دماء الشعوب الفقيرة وأرواحها وأملاكها.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: لماذا لم تنتشر (الثورات)، المخطط لها، في الأنظمة العربية الأخرى؟
والجواب الذي يمكن استنتاجه من سياق الأحداث والمعلومات، أن مخطط مشروع الشرق الأوسط الجديد يقوم على تفتيت الوطن العربي إلى دويلات طائفية. ولا يستطيع تكوين تلك الدويلات على الأرض سوى النظامين الإقليميين، تركيا وإيران، فلكل من النظامين أهدافه التوسعية على حساب أراضي الوطن العربي. ولكل منهما حواضن شعبية من التنظيمات الطائفية المحلية في الأقطار التي اندلعت فيها الثورات. كان من الواجب البدء بالأنظمة العربية الرسمية التي تنطبق عليها تلك الشروط.
أما الأنظمة التي تخضع لنفوذ إي من النظامين المذكورين، تركيا وإيران، فواقعهما لا يستدعي تغييراً، كمثل السودان المحكوم بواسطة الإخوان المسلمين، والعراق المحكوم بواسطة نظام الولي الفقيه. وأما أنظمة الخليج العربي، فتم تأجيل التنفيذ فيها لأن الحاضنة الشعبية، لحركتي الإخوان المسلمين وولاية الفقيه ضعيفة. ولذلك تمَّ تأجيل التنفيذ فيهما إلى ما بعد إنجاز المرحلة الأولى.

الثورة المولودة:
بعد أن غرزت جنازير دباباته في الرمال، خاصة في ليبيا ومصر وسورية واليمن، بدأت مرحلة التراجع في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد خطوات إلى الوراء. ولعلَّ القوى التي تحالفت لتنفيذه قامت بتأجيله إلى مرحلة أخرى تتوفر فيها ظروف التنفيذ.
ربما يكون هذا المتغير قد أعطى لحظة استراحة لقوى التغيير الحقيقية على مساحة الوطن العربي لتقييم تجربة (الثورة الموؤدة). وعرفت أن من أحد أهم أسباب وأدها، وتركها لقمة سائغة أمام التحالف الثلاثي، الغرب والصهيونية وحركات الإسلام السياسي، كان الضعف البنيوي الذي نخر عظام حركة التحرر العربية، أحزاباً وتيارات وقوى وشخصيات وطنية. ولذلك، استفادت من إعادة دراسة الثغرات، وإعلان البديل، ومنها إعادة الحرارة إلى تجارب النضال الجبهوي، حتى ولو كان بحدودها الدنيا.
من تلك البدايات الأولية، انطلقت حركة التحرر العربي، وتململ قطارها التغييري في كل من السودان، والجزائر، وبدء حركة التصحيح في التجربة الليبية. وبدأت مرحلة ولادة الثورة الشعبية تبشر بتجربة جديدة تستند إلى المخزون النضالي الشعبي الذي تراكم عبر عشرات السنوات من القهر والهوان، والجوع والمرض والتجهيل. واستكملت تلك التجربة بثورة تشرين الأول من العام 2019 في العراق، وثورة 17 تشرين الأول من العام ذاته في لبنان.

الثورة الشعبية العراقية الثورة المنسية:
تعود بنا الذكرى التاريخية إلى أول ثورة شعبية مطلبية سلمية في القرن الواحد والعشرين. فنتذكَّر الثورة الشعبية التي انطلقت من محافظات العراق في الأنبار، وصلاح الدين وجرف الصخر والموصل، في أوائل العام 2012. حينذاك، وفي حزيران من العام 2014، أعترفت كل التقارير بأن الثورة أصبحت على أبواب بغداد، الأمر الذي دبَّ الرعب في أوساط التحالف الأميركي – الإيراني، فكان لا بدَّ أمامهما من أن يحتالا على إجهاض نتائجها. فكانت مسرحية الصراع بين (داعش) و(الحشد الشعبي)، بحيث أنهما قاما بإخراجها حسب مناهج (النوع الرابع من الحروب) بحيث تدفع الجماهير الشعبية المحلية الثمن، وتكون الكلفة على مشعليها صفراً، باستثناء تقديم السلاح وبعض المبالغ المالية الهزيلة.
نعود بالذكرى إلى تلك التجربة لأنها كانت الثورة الشعبية الوحيدة في ظروفها ومكانها، والتي كانت تقفز فوق العصبيات الطائفية، وجريمتها أن نتائجها لن تصب في مصلحة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كان يتم تنفيذه على نار حامية في أقطار عربية أخرى. ولهذا السبب جنَّدت أميركا وإيران كل جهودهما لضرب تلك الثورة والحؤول دون نجاحها، ولم يشف طرفا التحالف غليلهما سوى بتدمير ممنهج لكل المحافظات التي شاركت فيها. والتي لا تزال تئن حتى الآن من أهوال ووحشية ما حصل. والأسوأ والأقسى من كل ذلك، أنها وكَّلت ميليشيات الحشد الشعبي الطائفي، والمهووس بالتعصب، لكي تكون حارساً لا يرحم على تلك المحافظات.

من الثورة المولودة يشرق مستقبل التغيير:
كان من الواجب أن ننظر إلى مستقبل الثورات الشعبية، في مرحلة (ربيع الشباب العربي)، بمنظار تجربة ثورة تشرين الشبابية في العراق، التي نعتبرها استئنافاً للثورة الأولى التي وُئدت بواسطة قوات التحالف الغربي – الفارسي. وكانت جريمتها أنها ثورة شعبية وطنية من أولى أهدافها أنها تريد تحرير العراق المحتل من غاصبيه، لبناء نظام مدني يعمل من أجل مصلحة العراقيين، وإعادة بناء دولتهم المدنية التي لها القدرة على حماية كرامة العراقي وسيادة الدولة العراقية.
إن المثير في أمر التجربة الجديدة في العراق، هي أنها ابتدأت من حيث كان النظام الإيراني يرى من المستحيل أن تحصل، فلقد بدأت في قلب بيئة كان يعتبرها حاضنته الأساسية، وهي المحافظات الجنوبية بالتحديد، التي منها انطلق شعار (إيران برا برا، العراق تبقى حرة).
إن مؤامرة الشرق الأوسط الجديد بدأت في العراق، لأنه كما وصفه رامسفيلد، وزير الدفاع في حكومة الرئيس جورج بوش الإبن، (العراق يقع في وسط دائرة إذا انهار المركز، تتداعى الدول المحيطة به، كما تتداعى أحجار الدومينو).
وبوابة العراق كانت بوابة البدء للمؤامرة، فإن إقفالها إقفال لها. ولهذا، ولأن الثورات النظيفة، (ثورات ربيع الشباب العربي) التي انطلقت منذ أوائل العام 2019، كانت مثالاً للثورة التي ينطلق منها التغيير فقد تبادلت عوامل استقواء بعضها بالبعض الآخر، على قاعدة أن ما يصيب الأمة العربية في مشرقها يجد لها الصدى في مغربها، فإن (الثورة المولودة) في كل من العراق، والسودان والجزائر ولبنان، جاءت على قاعدة قراءة نقدية لتجربة (الثورة الموؤدة) في مرحلتها الأولى، والاستفادة من أخطائها. ولأن (الثورة المولودة) لن تكون خالية من الشوائب، لكنها ابتدأت بأهداف استراتيجية من أهمها رفض الطائفية من جهة، ومن جهة أخرى إسقاط أي نظام رسمي لا يعمل من أجل بناء دولة تقوم على قواعد السيادة الوطنية على الأرض، وقواعد العدالة والنزاهة والكفاءة على صعيد الحكم.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية