قصة قصيرة-سيرة مجنون-_السعيد عبدالغني

السعيد عبدالغني
2021 / 9 / 4

أنا مجنون، يسموني هكذا أو ينعتوني هكذا، كل الشارع يعرفني، البعض يحبني والبعض يخاف مني. أعرف الكثير عن كيفية سير الحياة في المجتمع ولذلك كانوا يخافون مني لأني أحيانا كانت تخرج مني كلمات حقيقية ضد سلطات أشخاص كثيرة مما كان يستدعيهم ضربي أو سبي أو حرماني من التجول في شوارعهم.
اسمي الحقيقي لا أتذكره ولكن لي أسماء كثيرة كل دلالتها خارج اللغة من عوالم الصمت.
كل ما أتذكره أو ربما يكون من خيالي هو أني كنت مدرسا للغة العربية، أعمل في مدرسة بعيدة حتى طفر جنوني قليلا قليلا ، لا أعرف هل أنا من وجد في ذلك بُعدا لا يوجد في الحياة العادية أم أنه عطب عجيب في عقلي؟
لم أكن أحب حياتي الروتينية تلك، وكنت أريد تغييرها ولا أستطيع ولا أفهم ذلك من ذاتي أن كل هذا، كل ما فعلته كان من اختياري ولكني لن أدخل في المعضلات الإنسانية الفلسفية. إنها هذر عميق وأنا أريد تجربة الحياة في أقصى ممكنها للوجود.
هل يستطيع إنسانا أن يجنن نفسه، أن يفقد نفسه عقله ؟ أن يشكل لنفسه عالما من متخيلات ويحيا بها ويفقد حسه بالعالم الطبيعي أو هكذا يقولون عنه ؟ و لكني لا أعرف هل وصلت إلى ذلك إلى نهاية الجنون، لا أشعر بعد بالحرية الكاملة النفسية ؟.
أحيانا أمشي في الشوارع ومن كثرة عشقي للكائنات الشعرية من الطيوف للمرايا للظلال الخ كنت أرى كل شيء مرايا تعكس وأحيانا ظلالا وأحيانا طيوفا غريبة.لذلك كنت أحب الشعر لأنه يخلخل الحسي تماما ويتماشي مع جنوني.
كان هناك شاعرا في شارع بعيد، كنت أسمعه يقول شعرا وأمشي أكثر من نصف ساعة من السادسة حتى ألحظه يذهب لصديقه ويفتحون النافذة في الطابق الأرضي ويبدأون في الحديث وهذا كل خميس. لم أكن أتدخل في محادثاتهم فقط أجلس أستمع .أفرد جسدي الملعون حامل الفناء والزوال وعليه القماش المهترىء الذي أخذه من القمامات وأسند ظهري ومعي السجائر المتنوعة الأجناس من كل العابرين ومن يرضى أن يعطيني واحدة.
وكان يوم الخميس الذي لا يجلسون فيه يكون جحيما باقي الاسبوع بالنسبة لي، وتشتد علي الهلاوس كأنها تكثر مع حالة اللاشعرية بجنس البشاعة هل توجد يوتوبيا سوداء؟ إنها التي أحياها.
تكون وطأة السخرية أشد حينها من الناس ،هل أعود بعقلي بهذا الذي يحدث؟ جنني الشعر والآن يُعقلنني ،لا.. لا.. كنت أفكر في كلامهم كثيرا وأرد عليه في رأسي وأناقشهم ولكني ولا مرة تحدثت بشيء، لا أتذكر أني تحدثت منذ شهر ولا كلمة.
وقد عرفته من خلال حمله ديوانا لبودلير وكان وجه بودلير يظهر حتى تحول الشارع كله إلى وجهه في عيني ولكني لم أستغرب من ذلك فقد كنت أرى أن الأبعاد النفسية موجودة في كل الناس وممكن تكون متحققة ولكن بدون أن يعبر عنها.
كان يقول قصائد له وكنت أنتشي ولاإراديا كنت أتماوج برأسي وأصرخ حتى عرفوا من صرختي مرة وهو يقول "الله جَرح التصور بالأنثوي".
وصديقه يقول: العالم بلا أنثوية بلا ألوهة مكشوفة أو منطوية ،الله خلق الأنثوي ليشف ألوهيته وذكوريته.
الشوارع مليئة وأفكر كم من المنشيات توجد خارج الغرفة التي عشت فيها الكثير من عمري .الجنون وآفاقه اللانهائية تريحني أكثر من المعارف والمنظومة والعلاقات.
لقد اكتفيت بالوحدة والجنون، كل مجنون وحيد هذه الوحدة التي لا يمكن أن تنحل لأي شيء. بعد أن سمعوا صراخي ظنوا أنها من آثار جنوني لا من آثار دلال الكلمة وحزنها لذلك لم ينتبهوا وكان ذلك قاسيا جدا. وتحدثوا بعدها على أنه يريد مدققا لغويا للديوان فقال له صديقه ليأتي به وسيبحث عن مدقق له.
انتظرت حتى الأسبوع القادم حتى أسمع هذا الديوان بالتأكيد سيقرأ له منه وبالتأكيد سأسمع عسلا جميلا على الأذن الضوضائية.
ذهبت لهم في الأسبوع الذي يليه كالعادة حتى قالوا لبعضهم أنهم سيخرجون ويأتون وسمعت أنه أعطاه الديوان، المخطوطة التي لديه وتركوا الشباك الذي أجلس تحته مواربا.
قلقت جدا من شريتي ورغبتي في سرقته وأخذه لأقرأه ولكني خفت من اضطرابي وجنوني أن أفعل به شيئا كأن أقطعه أو أرميه بدون أن أدري وكانت هذه أول مرة أخاف منذ مدة كبيرة ،هل يخاف من يجن؟
أخذته في النهاية وقرأته على مهل بمعن كبير وجلست أدققه لغويا وكنت أتذكر قليلا قليلا القواعد اللغوية والنحوية التي كانت من جملة القواعد والتنظيمات التي نسيتها. لم أكن استخدمت قلما منذ سنوات كثيرة، يدي كانت ترتعش عليه. ووضعت له ملاحظات على القصائد ووضعته في النهاية مكانه. ولم أعد ثانية للمكان هذا أبدا لا لشيء بل لأني قرأت في إحدى القصائد جملة كنت كتبتها بالضبط أول ما تركت عقلي وهي " تتسع الهوة بيني وبيني ويملأها المتخيل".

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير