الحديقة في المنفى

راتب شعبو
2021 / 9 / 4

حين تخرج كي تتنزه في الحديقة المجاورة لمنزلك في شمال فرنسا، لا تقول لك الأشجار إنك غريب، والنباتات العطرية سوف تعطيك عطرها كما تعطيه لابن هذه الأرض، لا فرق. لن تهرب الحمامات الوديعة من خطواتك المقتربة، فأنت لست غريباً عنها، وكذلك الكلاب النظيفة المدللة، سوف تقترب منك طمعاً بملاعبة ولو بلمسة على الرأس.
أنت من ترى الأشجار بعيدة وقليلة الألفة، وترى عطر النباتات منحرفاً عن عطر النباتات. أنت من تبدو لك وداعة الحمام هنا بليدة، وتودد الكلاب بارداً.
لا بأس، تحاول أن تعالج الأمر، تحاول أن تخرج من ذائقتك الذاتية إلى ذائقة عامة أو أعم، لعلها تحررك من تلكؤ الشعور وبروده. تقول لنفسك: الأشجار هنا جميلة متسقة وكأنها مرسومة في لوحة، عالية ومغزلية الشكل، أو عشوائية ومتداخلة ولكنها متسقة مع ذلك. الأوراق اليابسة تحت الأشجار ناشفة دون تعفن، فهي تعود إلى الخريف الأخير فقط. هنا لا يُسمح للأوراق اليابسة بالتراكم عبر السنين فلا تتعفن. الممرات التي ابتكرتها الأقدام، تشق طريقها بين الأشجار محفوفة بالعشب. ألا ينبغي لهذا أن يكون جميلاً؟ هل يمكن للجمال أن يكون غريباً؟
وتتابع في دخيلتك: النباتات في الحديقة العامة تبدو كأنها مرسومة في دفتر واسع، أوراق خضراء لامعة وممتلئة بقوة الحياة. أشكال متعددة وألوان لا تنتهي من بينها الأصفر الصريح الذي يبهج روحك. لماذا تفشل مراراً في إدخال هذا الجمال إلى ذلك المكان "الخاص"، لماذا يبقى هذا الجمال بارداً ويفشل في اختراق الغلاف والوصول إلى العصب الذي يوحدك مع ما تراه وتذوب فيه إلى حدود التماهي؟
هنا شجر الدلب جميل، ولكن جماله متعثر، فأوراقه بلا وبر وجذوعه بلا خرائط وثماره الكروية المشوكة أصغر من ثماره هناك. شجر الحور هنا طويل ويتجه صوب السماء مثل سهم، لا يشتت مساره "السماوي" أي تفرع، أغصانه مضبوبة على الجذع بانضباط صاحب الحلم البعيد، وأوراقه لامعة وتعطي، مع هبوب الريح، صوت الحفيف الذي تألفه أنت، ما الذي يدفعك إذن إلى أن تجعل المنظر مجرد مدخل إلى منظر آخر تنظر فيه إلى أشجار الحور التي في ذاكرتك وتصغي منه إلى صوت الحفيف البعيد؟ هذا الصف الطويل من الحور يشبه كثيراً ذاك الصف الذي كانت تتباهى به قريتك كما تتباهى امرأة بعقد ثمين. الحور هنا يشبه الحور هناك. إنه يقترب من تخوم قلبك ولكن النفس، دون إرادة منك، تصده، بحجة إنه لا يتاخم ساقية "عين الجديدة" ولا يشرف على حقول "المرجة". حقاً، كيف يمكن أن يكتمل جمال الحور بعيداً عن تلك الأرض؟ وكيف للحور أن يكتمل دون أن تلتمع بين أوراقه التي تستعد للخريف، عناقيد عنب صفراء عالية؟
شجيرات الورد الجوري تشكل في الحديقة العامة، دوائر ومثلثات وصلبان مرسومة وملونة، وتصطف بنظام دقيق. على اليمين تحيط الورود الحمر بتجمع صغير من ورود بيض، وعلى اليسار يصبح الورد الأحمر في الوسط. وفي مكان آخر تنتصب شجيرات ورد حمراء عالية وسط مرج خفيض من الورد الزهري. ولكن حين يشدك هذا الجمال وتقترب لاستنشاق عطره، تعود خائباً لأنه لا يفوح بتلك الرائحة.
لا يوجد ما يذيب هذه الغلالة اللامرئية بينك وبين كل جمال خارج أرض مولدك، ولا حتى الزمن. هذه الحديقة جميلة وغنية، مع ذلك فإنها ليست أكثر من نافذة إلى تلك البيئة الأقل جمالاً وغنى، ولكنها الأكثر تمكناً من النفس والأكثر إثارة للشعور بانتماء مشترك أو بولادة مشتركة. كل جمال هنا هو مجرد طريق إلى جمال هناك. "حلب قصدنا وأنت السبيل".
الأقحوان وحده يذيب غشاء الغربة. الأقحوان لا يكون إلا هو، هنا وهناك. بساطته وعفويته وبياضه الناصع وهذا اللب الأصفر الذي يجعل الأقحوانة شمساً بأشعة بيضاء، هو القاسم المشترك للعالم النباتي في كل البلدان. إذا طلبت من طفل في أي مكان في العالم أن يرسم لك زهره، سوف يرسم أقحوانة. قد يخطئ في التلوين، ولكنه لن يخطئ في الشكل.
الأقحوان قريب إلى الأرض، سهل النمو، لا يطلب عناية من أحد، لا يغيب عن الأرض. حتى في أشد الأيام برودة سوف تجد زهرة اقحوان ما في زاوية ما من الحديقة. الأقحوان لا يتخلى عن الأرض، هو زهرة الفصول والابتسامة التي لا تفارق الأرض.
لا يخترق الغلاف الشفاف لغربة المنفى سوى الأقحوان وابتسامات العابرين بك في الطريق.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا