قصة قصيرة_الهوس بسطح البيت في الفجر_

السعيد عبدالغني
2021 / 9 / 3

كنت أرقص على سطح بيتنا القديم كنوع من التداخل في الفجر مع الانسحار اللوني والتزامن مع جمالية العالم في هذا الزمن على أنغام أوبرائية خفيضة لكي لا أوقظ أحدا وأتلاشى وأتلاشى عاريا بعد خلع كل ملابسي والتمتع ببرودة غير منظمة تؤثر على جسدي فيما بعد ولكني كنت أكرر ذلك دوما .لم أعد أكترث بالنعت بالجنون من الأشخاص حولي،بل شجعني ذلك وأعطاني حرية أكبر للأفعال.
بيتنا القديم في منطقة شعبية في جوانية مصر وبعد انتقالنا من القرية إليه لم يكن هناك متسعا مكانيا يسهو فيه الآخرين عني إلا في سطح البيت والمقهى الذي كان مكتظا دوما.
لم يكن هناك ضوء إلا ضوء شفيف للقمر وضوء المصباح الاصفر المقزز الذي كان هو الشيء اللاشاعري الوحيد في الحدث في الشارع.وقلة الضوء ذاك كانت تصنع هالة من الغموض رب الولادات النادرة، وظل بسيط لجسدي الحزين وهو يرقص ويفي بنذوره الشعرية.
كانت هي امرأة بسيطة الملامح على قدر أكلي المسافة بيننا بعيوني،تمسح وجهها بعيدا في البيت القريب،والقمر يحرر عتمة الأرض وجسدها.لم أكن أكترث إلى نهاية التأمل في وجوه بعضنا وعيوننا ولا الهدوء العميق والطمأنينة إليها.لم أراها ولا مرة خارج الفجر وخارج زمنية رقصي رغم مروري من نفس الشارع الطويل لبيتها كثيرا حتى ظننت أنها صنيعة مخيلتي البائسة ورؤى الدراويش الملعونة.
كانت بسيطة فيما يبدو لا تفعل شيئا في حياتها أكبر من التمتع بجماليات الفجر ولكني لا أعرف شيئا عنها باطنيا،فكل إنسان مهما كان عاديا في الظاهر ممكن أن تكون لديه عوالم عظيمة في الداخل.فجدب الواقع ترويه حلوى المخيلة.
كنت أراها من سطح بيتنا،بيتها كان بعيدا قليلا في الخلف أمام المسجد الرئيسي في المنطقة بينما كنت أرقص خلسة قبل الشروق ولا أعلم هل كانت تراني وأنا أرقص أم لا أو تلاحظني وأنا أراقبها.
ولكني بعد عدة مرات وجدتها تنظر بوضوح إلى رقصي العاري ليس بتلصص حتى مما شجعني للتعري مبكرا كنوع من الهوس بالتخلي عن غشاوة الحداثة.
كنت أكبت وأكبت بلا حد هويتي ولكنها تخرج كشطحات في السكر أو في التحشيش لذلك كنت أتحاشى الشرب مع أحد ،رغم أن بعض المسكرات تحتاج المشاركة وبعضها الآخر لا ولكني لم أكن أشرب في هذه الأوقات لأن جماليات الالوان كانت تعادل نشوة أكبر مُنشي لدي.
التخبط اللوني والشكلي دوما كان يصنع مثل تلك الأشكال الهندسية وغير الهندسية في مرآي بلا أسباب سوى إمتاعي واستهلاك وقتي لقلة المثير حولي.
هاجسي كان فضاء لتلاشي أي حد وأي ثنائية، كان تطاحن من العوالم،عالما من عوالم المجانين وعالما من عوالم المرضى العقليين،وعالما من عوالم الالهه..شبكة كاملة من الممكنات المفتوحة بلا نهاية.
دوما نحتاج إلى طيوف بعيدة حتى لو كانت تهمل وجودنا درأا لعدم الثقة في الممكن أو في الجماليات غير المنظورة.
كنت منفلتا من كل الحدود الأخلاقية ولا حد لدي لتذوق جمالية أي شيء فكل شيء يمكن استخراج منه عالم مجنون.
لم أكن مهتما بالدين ولا بما يشرعه فقد كنت لاأدريا أعتبره إنتاجا بشريا سلطويا ولكني لم أكن أقول ذلك أمام أحد إلا نادرا ليس لخوف بل لعدم أمل في تغيير أي شيء بالمجتمع.
لم تكن لدي ثوابت مرجعية أعود إليها دينية أو غيرها وسبب ذلك أزمة طويلة بالنسبة لي،لأن تلاشي المتن جعلني تائها.
لذلك كنت أبتعد عن تأويلها بجنية أو حورية ملغومة بالألوهي.ولم أكن أستطيع الذهاب إلى المسجد لأراها في الفجر عن قرب حتى لو لم أصلي بكلمات وأتفوه بشيء لأنه بالرغم من ذلك وضدته لما أعتقد كان البيت عاليا بقدر لا يمكن فيه رؤية من على سطحه.
أبي يريد هدم البيت لأنه لم يعد يصلح للسكن وأنا أرفض ذلك وكان هو لا يفهم سبب رفضي .كنت نوستاليجيا جدا أتذكر الأشخاص والأحداث برائحتها حتى.
أصر أبي على هدم البيت وعنفني حتى ذهبنا لبيت في منطقة أخرى،كنت في بداية العشيرينيات ولم يكن لدي معارف كثيرة حتى يتسنى لي معرفة من هي والسؤال عن هويتها.
حتى بعد أقل من شهر سمعنا خبرا بشعا بانتحار امرأة من سطح بيت في منطقتنا القديمة عارية وهي تلبس خلخالا رميا بعد الفجر أمام باب المسجد.وهرعت إلى منطقتنا القديمة مليئا بالتساؤلات هل يا ترى هي من كنت أرى؟ تلبس خلخالا وعارية بالتأكيد هي.وتداولت الأقاويل والثرثرات حول هويتها أنها كانت خرساء تسكن آخر طابق وقد أتت منذ مدة بسيطة للمنطقة وآخر يقول أنها كانت عاهرة رغم أن ولا مرة شُوهد أحدا معها.ولكني لم أكن أصدق كل ذلك حتى قات الشرطة أنها مصابة بلوثة لما وجدوه من أدوية نفسية.
لم أرها ثانية إلا في حلم ولم أرقص من حينها إلا وتذكرتها وصنعت بعد تتبع قبرها مكان الشاهدة فتاة ترقص.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير