رواية مقصلة الحالم و اللجوء ومحاكمة زليخة و هل يشفى الحب ارواح القتلى

هاله ابوليل
2021 / 9 / 2

مقصلة الحالم يوسف والحبيبة (زليخة) التي رمته في غياهب السجن
الحديث في هذه الرواية عن لاجئة فلسطينية تحمل قلب زليخة المحب وقسوة وتدمير من يرفض حبها بوشاية ترمي بالبطل في غياهب السجن
ولكن هل يخرجه تفسير الحلم من مقصلة الذئب الذي ينوح بداخله ويحاول تدميره !
تظهر اللاجئة الفلسطينية في روايته ليست بالمحبة العذراء النقية التي تتلقى عزوفه عن حبها بصدر رحب بل تقوم بدور المنتقم والواشي لكل من يعاني من حب لا آمل فيه .
تبدو سعاد هي نفسها زليخة التي اتهمت يوسف زورا وبهتانا وقد جاءت من بلاد بعيدة لتكفر ذنبها في سرير البطل
التي تبحث عن مساحات رحبة من الحرية تجسدها في سرير البطل
اتهام صريح أو بالتضمين أو الإيحاء ,أو التلميح الخفي قد تكون هي نفسها الواشية التي رمته في السجن عشرين عاما لرفضه حبها, ثم جاءت بعد عشرين عاما لتكفر عن ذنبا بتقديم جسدها تعويضا عن سنوات الحرمان التي أهدرتها وشايتها بحرمانه من الحياة فهي زليخة العصر كما يبدو
هي نفسها العاشقة القادمة من بعيد وهي نفسها المرأة - التي كشفت تاريخ المدينة المنسي في اختلاق أكاذيب متداولة عن فتيات اللجوء في كل دولة تستضيف اللاجئين .
الرواية تكشف واقعا نجسا لتكبير خطايا هؤلاء المشردين وجعلها تحت عدسة مكبرة متناسين أن الناس يتشابهون حتى في اختلاق الأوهام .فلسنا في مدينة فاضلة لنعتبر أن سيدات أي ارض عفيفات وشريفات حد القداسة حتى لو ثبت العكس الذي سيكون انعكاسا رحبا لواقع مدينة اقتاتت في نهوضها العمراني على الآخرين وقد تكون العاصمة عمان احدى تلك المدن .
فهل أعادت له تلك اللاجئة المتمردة التي تشرب الخمر أعادت لروحه المعتقلة بعضا من الحب الذي قد يكون سكنا بعد جوع المعتقل
وهل هناك اجمل من جسد أنثوي يقدم رخيصا باسم الحب اللاذع .
أقول : اسعدني وقوفهم الشجي (اردني ولاجئة على اعلى جبل نيبو) يوجد بمدينة السلط المجاورة لعمان
حيث تطل ارض الحبيبة المسلوبة من قبل عدو قادم من مجاهيل الأرض , فتتحدث بتعاسة عن وطن مفقود وعن غربة مفروضة وعن جسد مأسور بزواج عادي يخلو من ترنيمات الحب المتسكعة في دهاليز وجوارب الذاكرة التي تبحث عن تصورات وهمية قد توقع الحالم في حبل المقصلة
تتحدث زليخة عن حب مشروط بدون أن تخسر حياتها القائمة هناك لتبدو الرواية ماهي إلا لسد جوع مشتهى قديم
فأين نهاية الحب الذي يكسر العراقيل !!
تتلخص الرواية بمقولة قالها البطل على لسان فرويد أن الحب هو الجنس و ما عداه هو الوهم وكان له أن يظل في حيّز الوهم لولا أن جاءته قادمة من بلاد بعيدة بكل زخمها الأنثوي الجذاب لتقدمه على سريرها الباذخ باسم الحب المزعوم .
واسعدني اكثر انه تحدث عن فلسطين من خلال لسان البطلة التي فضحت عوالمها السرية ومستوى الحياة المتدني في مخيمات اللجوء حيث كان البطل حاضرا في سرد ما تحفل به مخيمات اللجوء, وكأنه رجل مخابرات عريق يفهم التركيبة لهؤلاء المشردين القابعين في الأحياء الشعبية حيث اللواط والتخطيط لكل أنواع السرقات في حين قدمت اللاجئة جسدها للبطل لتختصر صفحات عريقة من روايات مبتذلة بهذا الخصوص باتهام اللاجئات بالرخص وعدم العفة والشرف باسم الحب والخلجات للمحبين .
فكل لاجىء في دول الاستضافة مجبرا أن يسمع ما لا يشبه من اختلاقات وأكاذيب ووشايات مغرضة هدفها معروف , ويبقى صامتا من باب يا غريب كن أديب كما تعلمون .
لن أتحدث عن الرواية بلغتها الشاعرية التي يشتهر بها الكاتب بعد أن اصبح صائدا للجوائز وآخرها جائزة البوكر التي لم تمنعه توجهاته الإنسانية لرفضها كما فعل الكاتب الألماني العريق ( يورغن هابرماس) عندما رفض جوائزهم المغمسة بدم اليمنيين ومؤامراتهم على دول منطقتنا
ولكن من قال أنه ينبغي على الشاعر القروي الفقير , أن يرفض خمسين الف دولار من اجل قضية خاسرة لم يعد أهلها يعتنون بها .
أن الخمسين الف دولار مبلغ لا يستهان به لكاتب كان مغمورا واصبح مشهورا فجأة!
فأين كان يختبأ ذلك الكاتب المسكون بالزخرفة اللفظية كل تلك السنوات !
في دهاليز المخابرات يتسمع لمكالمات اللاجئين لذويهم أم أنه كان يتتبع مسارات الحياة ليكشفها مرة واحدة كما قال هو في الرواية نفسه أن تصبح كاتبا لامعا لآبد أن وراءك قصة مخفيّة لن نبحث عنها بالتأكيد فكل رواية هي سرد حياتي لمرحلة ما تجاوزها الكاتب لغيرها فأي ارض الآن يسكن لا أحد يعرف !
ستكون سندا لروائي كي يظل مبدعا وأما زمرة الكتاب الذين رفضوا جوائزهم فهم إما بلغوا من العمر عتيّا ولم يعد المال يشكل لهم هاجسا ,فهم شبعانين بالمعنى الحرفي للشبع, بمعنى لم يعودوا يحتاجون للمال لكي يقفوا على أرجلهم
لماذا لم تكن البطلة احدى القرويات المهاجرات للغرب والتي انفتحت على ثقافاتهم بحيث اصبحت خائنة للزوج وجسدا مشتهى للشاعر وفي حالة نشوى بعد أول كاس للخمر
هذا يحيلنا إلى المسرود الثقافي الذي كان شائعا في تلك الأيام لقد كنا نسمع ما يتهموننا به ونحن منه براء
فاللاجئات يفتحن أرجلهن لكل قادم و بقليل من المال
اللاجئات خائنات لرجالهم الذاهبين للعمل
اللاجئات في حالة استعداد تام لإقامة أي علاقة محرمة مع أي قروي هارب من سطوة قبيلته, ليمتع جسده بجسد أنثوي رخيص لا تقدمه فتياتهم القرويات لأنهن شريفات ومحصنات وعفيفات.
وتتجلى هذه الرسائل الخفيّة والضمنية في مخيلة رجالهم في حادثة مشهودة على قناة دويتشه فيله. فمن فاته لقاء جعفر مع دكتور قروي قادم من الأرياف, يحمل شهادة الدكتوراة التي لم تغيّر من تفكيره المتردي وبحصانته وراء انساب القبائل المزيفة بأن يقيم محاكمة للبنت قائلا لها : عمرك عشرين وطلع منك كل هذا!
أحنا بناتنا ما بطلع منهم هيك حكي !في رسالة عالمية أن بناتهن , هن العفيفات الشريفات النظيفات ذوات الخدور وما نراه ونسمع عنه من قصص يشيب لها الوالدان من رمي أطفال- رضع , انجبن من خارج العلاقة الزوجية وتم رميهن خلف حاويات الزبالة في أماكن تواجد اللاجئين, لاتهام بناتهن أنهن من ارتكبن هذا الفعل القبيح رغم أن الحمل بحد ذاته لا يمكن اخفاءه بمثل تلك الازدحامات البشرية ,و ليتضح بالنهاية أنه ثمرة من رحم موبوء من بناتهن الشريفات العفيفات العابثات .
ربما يشعر القارىء بلسعة سخرية من هذا الواقع المسكوت عنه إما خجلا أو ترفعا أو ربما مهادنة ,فحوار البطل مع جدته باللهجة البدوية شكل منعطفا لقراءة واقع البطل المغرر به من فتاة قادمة من المخيمات تمتهن الوشاية والرخص .
هذا النقيض الذي لم يلتفت له أحد ممن قرأ الرواية لا يعفي عن مسؤولية الكاتب في ارسال رسائل خفيّة لن يقرأها سوى لاجىء تم سلقه على نار الطائفية الهادىء والمتسم بالصمت إما خجلا أو خوفا من اتخاذ مواقف عدائية من قبل اهل تلك البلاد التي تشعر بالفخر المبالغ به لاستضافة مثل هذه المجموعات البشرية المشردة , ولكنه واقع موجود ولا يمكن نكرانه فهو واقع عشناه واترعنا من كأسه المشكوكة فينا أصلا .ولكن كان لأحدهم أن يتحدث عنه . وأتذكر بهذه المناسبة أثناء جلوسي في مقاعد ( الفيرست الكلاس) في احد الطائرات أن جلس بجانبي ضابط ارتباط من هؤلاء الذين مهمتهم حماية الطائرة من الإرهابيين )فقد ترك ذلك الرجل كل المقاعد الفارغة في المقصورة الأنيقة وجلس بجانبي ليدعي انه تاجر مواشي وهو يكذب, فترحيب المضيفات به لم يكن لمجرد تاجر مواشي حتى وأن كان قادرا على ركوب الدرجة الأولى بالطائرة , تفاجأ عندما أخبرته أنني من بنات اللجوء , فاذا به بكل صلافة ووقاحة يقول
ما قالته رواية جلال برجس عن اتهامنا بكل العيوب المفتراة بامتهان الجنس الرخيص , لدرجة أنني خسرت وقاري وقلت له :يبدو أن مراقبتك للعملية الجنسية للمواشي باستمرار ,جعلتك تعتقد أن اللاجئين يركبون فوق بعضهم البعض كالحيوانات التي تملكها .
وهذا ليس افتراء على تلك العقليات المتحجرة , بقدر ما هو حقيقة يراد لها التغاضي , فهي تروى في الجلسات السرية وكل دول اللجوء تسعى لتشويه سمعة اللاجئات بقرار ممنهج من مخابرات الدولة المستضيفة لتنفير الزواج منهم أولا ولتحميلهم كل أسباب ومسببات الفساد والجريمة بالبلاد لكي يقبضوا عن كل رأس مزيدا من الملايين والمنح والقروض ,فصهر الرئيس اللبناني ميشيل عون المدعو جبران باسيل والتي تنحصر مواهبه الوحيدة انه صهر الرئيسه فهذا الباسيل لم يترك مؤتمرا أو جلسة دولية أو اجتماعا أمميا ولا منظمة ولا دولة جوار ولا دولة مانحة إلا ويشكو فيها ما فعله اللاجئين السوريين ببيروت؛ فهم حسب معتقده الطائفي الكريه , سبب كل المصائب, فهم من ثقبوا الاوزون وكانوا سببا في رفع درجات الحرارة والاحتباس الحراري ,وهم السبب في المزابل المتراكمة والتي لا يعرفون طريقة لتصريفها لأنهم لبنانيون وهم باعتقادهم اعلى مرتبة من المسلمين بل ربما كانوا هم من فجروا ميناء بيروت بشحنة تترات الامونيوم - التي كان على علم مسبق بها الرئيس عون وصهره عالي المقام !! جبران باسيل الذي لم يفعل شيئا في حياته المهنية سوى رشق اللاجئين بكل التهم والمصائب التي تحدث ببيروت
حتى أن نصب حريصة سيدة لبنان - السيدة العذراء المطل على لبنان يزعجه ارتياد السوريين لأعلى قامته لأنهم يسببون لإزعاج لها باصواتهم المرتفعة!!
ففي ايام اللجوء العراقي تم تحميل الماجدات العراقيات فتح ابواب الدعارة في البلاد وينطبق نفس القول على اللاجئات الليبيات ايضا فهي رسالة ممنهجة بتشويه تلك الفئة المضطهدة من النساء وتحميلها وزر كل المصائب التي تحدث في دول الاستضافة .

نجد في الرواية أن البطل لم يختار سعاد , بل هي من اختارته وما رسائلها إلآ اثبات صريح لتلك الجرأة
البطلة سعاد تحن إلى حبها القديم الذي رتبه لها رداد لكي ينسيه أيام المعتقل فتأتيه من بلاد بعيدة بحثا عن حب قديم . و سماء حرية أوسع من سجن رجل تزوجته ثم اكتشفت انه لا شيء أمام هذا القروي, هو من تعشقه .
سعاد بطلة نادرة ,لأنها كسرت التابوهات واستضافت البطل في بيتها الراقي ,بعد أن اغتنت من زوجها وفتحت بيتها للمتسكعين القرويين الباحثين عن سعادة مؤقتة فهل هم هكذا اللاجئات !!
يقول جلال برجس في أول الرواية انه لا يؤمن بالحب المثالي بل يؤمن بفرويد اليهودي صاحب فلسفة الجنس الأولى, فالجنس هو أساس الحب وبدونه هو الوهم ذاته .فلا علاقة بريئة خارج منظومة الجسد فلا تقل حبا عذريا ولا حبا مثاليا لأنك تقتات على الوهم والوهم لا يشبع احتياجا حيوانيا فهل هذه هي الرسالة الضمنية للرواية !
الرواية فضحت الواقع المعاش في بلاد اللجوء وكشفت أصابع المخابرات المغمسة بأكاذيبهم التسويقية ونشرها الممنهج في الترويج للأكاذيب لوصم هؤلاء بكل التهم ومنها على سبيل المثال ؛ اخفاء شفرات حلاقة في الفم حتى أن جيمس بوند نفسه لم يقدر على اختلاق مثل هذه الأكاذيب الغارقة في الدهاء والمكر .
كان جلال يكتب سيرة يوميات الواقع المعاش بكل حذافيره من وصفه للحواري التي يقطنها ابناء اللجوء والتشرد ولكن على لسان البطلة الخارجة من واقع التهميش إلى التجسيد الحي لحالة من حالات الانفلات لفئة محرومة من الوطن
وتبحث عن وطن بديل لكي تخربه ( صفحة 132),
لم يتحدث البطل كثيرا عن الواقع السياسي المزري الذي جعله لعشرين سنة لاجئا في سجون بلده بتهمة فضفاضة لا علاقة له فيها فهو غير معني بكشف تلك التشوهات الوظيفية و الاخلاقية في بلده بل لم يكشف زيف ذلك الواقع ولكنه كان معني اكثر بكشف الواقع المعيشي لهؤلاء الذين استوطنوا وطنه بعد طردهم من قبل اليهود وما فعلوه من وشايات وخراب على حد عقليتهم المغلقة بنظرية المؤامرة على الوطن الجميل .
اعتقد أن الرواية غير بريئة وكان الكاتب متعمدا إظهار اللاجئين بكل هذا القرف من اجل رسالة غير بريئة بما فعله هؤلاء بوطنه , فقد سجنوه بالمعتقل وحرموه من الوطن بل كانوا بؤرة للفساد والتخريب في البلاد حتى لو كانت ادعاءات باطلة , وهذا يشكل هاجسا في راس قرويّ تلك البلاد لا يمكن إغفالها .
فكان الراوي مخلصا لانفلاتها وفضح تركيبتها النفسية وهو ما يشكر عليه لأنه أتاح لنا فرصة جر كل تلك الأكاذيب الملفقة في المزبلة لتضاف غلى مزابل بيروت الافتراضية والسماح لنا بمحاكمة تاريخ سردي طويل من الاتهامات المجرورة فيها أعناقنا العارية من الأكاذيب الملفقة إلى مقصلة للحالم بعالم افضل
فقد رحلت البطلة والان سيكون وطنه نظيفا منها ولكن مقصلة الوطن هل ماتزال نظيفة
من سيجهز المقاصل للحالمين الآخرين بوطن نظيف متناسين انه لا يوجد وطن نظيف لأن البشر انفسهم خلاصة علاقة قذرة لا يمكن أن ترقى للنظافة إلا إذا أبيد التزاوج منها واصبح الجنس محرما ,واصبحنا معتقلين بالمدينة الفاضلة كرهبان ونساك منسيين .
المقاصل ماتزال وستظل مرفوعة وسأحاكم بطريقتهم على هذه المقاربة التي تغاضى عنها الجميع وتحدثوا عن الرواية عن السرد والذائقة الجمالية والزخرفة اللفظية وتحدثوا عن الفلاش باك وضمير التداعي , متناسين الرسالة الخفيّة في صلب العمل الروائي والتي لن يكتشفها إلا خبير النفسيات التي يضرب بها على الوجع .
بصراحة كان على أحد أن يقولها
وقد قلتها بملء السخرية .




تنويه:
**الفيلسوف الألماني هابرماس يرفض جائزة الشيخ زايد للكتاب
كشف موقع "شبيغل أونلاين" أن الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس رفض الحصول على جائزة الشيخ زايد للكتاب بقيمة ربع مليون يورو تقريبا. هابرماس قال إن قبوله التكريم في البداية كان "قرارا خاطئا، تم تصحيحه الآن".
وفي توضيح مقتضب، ذكر هابرماس أنه اتخذ "قرارًا خاطئًا" عندما قبل في البداية بـ"جائزة الشيخ زايد للكتاب" وأضاف الفيلسوف البالغ من العمر 91 عاما: "لم أفهم بشكل كافٍ الصلة الوثيقة جدًا بين المؤسسة التي تمنح هذه الجوائز في أبو ظبي والنظام السياسي القائم هناك."
وأضاف الموقع أن "النظام في الإمارات يقوم على انعدام الحرية وعلى قمع منهجي للمطالب الديمقراطية. المعارضون ينتهي بهم الأمر بسهولة في السجن. لا توجد انتخابات جديرة بهذا الاسم. تعيش النخبة الحاكمة في عالم من الامتيازات والحقوق الخاصة".

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير