قصص وحواديت من العالم القديم (11)

محمد زكريا توفيق
2021 / 9 / 1

فيليب ملك مقدونيا، عرافة دلفي:

كانت مملكة مقدونيا تقع شمالا في مكان غير بعيد عن أثينا والدول الاغريقية الأخرى. كانت إديسا عاصمتها، إلى أن جعل فيليب وابنه الاسكندر، بيلا، التي ولدا فيها، هي العاصمة.

عاش فيليب تسع سنوات في طيبة، تحت رعاية بيلوبيداس، حيث كان على اتصال دائم ب إيبامينونداس، لكي يتتلمذ ويكتسب الحكمة والمعرفة على يدي هذا الرجل العظيم.

كان الابن الثالث، وبعد وفاة شقيقيه، عاد سرا إلى مقدونيا، وانتخب ملكا من قبل الشعب. بمجرد أن اعتلى فيليب العرش، فعل كل ما في وسعه لخدمة وحماية شعبه كحاكم جيد.

اهتم أكثر بالجيش، وأنشأ الكتائب المقدونية الشهيرة. كانت هذا الكتائب تستخدم طريقة معينة لوضع الجنود، حتى يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم على أفضل وجه. أخذ الفكرة من مقطع في هوميروس. وهكذا، فإن الحكماء يستفيدون من كل ما يقرأونه ويرونه.

عندما ولد ابنه الإسكندر الأكبر، فرح جدا، وكتب إلى الفيلسوف أرسطو، وهو مواطن من ستاجيرا، ميناء في الساحل الشرقي لمقدونيا، يخبره أنه ينبغي أن يكون معلم ابنه الإسكندر: "بقدر سعادتي بأنني رزقت بولد، بقدر اغتباطي لأنه جاء في الوقت الذي يعيش فيه أرسطو."

كان فيليب ملكا قويا غازيا لبلدان كثيرة. من بينها، أتيكا في اليونان. لكن اليونانيين قاوموه ببسالة وحماس، أزكتهما الخطب الحماسية، لرجال مثل ديموسثينيس، التي كانت تثير دائما الأثينيين ضد فيليب، وتسخر منه. الخطابة في ذلك الوقت، كان تأثيرها مثل الصحافة والإعلام في وقتنا الحاضر.

كان ديموسثينيس واحدا من أعظم الخطباء الذين عاشوا في أي وقت من الأوقات. كان يدين بقدرته بالكامل لمثابرته وإصراره على أن يكون خطيبا مفوها.

يقال إنه ولد بعاهة تعوقه من الكلام ونطق الحروف بوضوح. وبدت الخطابة هي آخر موهبة يمكن أن يتفوق فيها. لكن بالتدريب والصبر، تغلب ديموسثينيس على عيبه الخلقي، وصار من عظماء الخطابة في عصره.

رأى أن أثينا تحتاج إلى مستشارين أكفاء. وكان يعلم أن الأثينيين يستمعون فقط إلى المتحدثين الجيدين. لذا سعى بجدية لكي يعد نفسه لكي يكون قادرا على خدمة المستشارين، وتقديم المشورة لهم.

اعتاد أن يخطب وهو واقفا على ساحل البحر. لأن هدير الأمواج العالي، يجعله يتعود على الخطابة في مواجهة هدير الجماهير المحتشدة. وتجعله يكتسب عادة التحدث بصوت عال. يقول بعض الكتاب، إنه كان يضع الحصى في فمه عندما يتحدث، لعلاج التلعثم في الكلام.

فقد ديموسثينيس والده عندما كان طفلا. كان ضعيفا مريضا، تلقى تعليمه بشكل سيء للغاية على يدي مدرس خصوصي، وبالرغم من ذلك، أصبح خطيبا عظيما.

عندما واجه الجماهير أول مرة، كانت كارثة. فهو يتكلم بصعوبة وتهتهة، جعلت المستمعين يطالبونه بالسكوت من حين لآخر. لكنه لم ييأس، وقام بمواصلة التدريب والتمرين. وبالتدريج، بدأ ينال إعجاب المستمعين.

كان ينهض في وقت مبكر جدا من الصباح، ويظل يتدرب على الخطابة حتى منتصف الليل. وكان يحلق نصف وجهه حتى لا يفكر في الخروج من داره.

ولعلاج عيب هز هتفيه عندما يتحدث، وقف تحت سن رمح مدبب، بحث يشعر بوخز الرمح عندما يهز كتفيه. وعندما كتب كتابا ضخما في التاريخ، أعاد كتابته ثماني مرات، حتى يتقن أسلوب الكتابة.

لا توجد في معارك وانتصارات فيليب المقدوني الحربية ما يثير الاهتمام، مثل ما يوجد في حياة ديموسثينيس الاكثر تواضعا. لأن الحكمة والفضيلة لها سحرها الخاص، الذي يفوق سحر الطموح والعظمة.

كل ذهب وأموال فيليب لم تستطع شراء اسكات ديموسثينيس عن الحق. لكن، عندما قتل فيليب، ابتهج ديموسثينيس. ولم يكن هذا يليق برجل عظيم مثله. فلا شماتة في موت أي إنسان، حتى لو كان عدوا.

كان يجب أن يتعلم من سلوك منافس له في الفضيلة وخطيب بارع أيضا، هو ايسخينيس، ولكنه كان أقل عداء لفيليب وابنه الإسكندر.

كان ديموسثينيس مناهضا للإسكندر كما كان مع والده. يقول بعض الأشخاص إنه قد فسد بذهب هاربالوس، جنرال صديق الإسكندر الأكبر، لكن هناك شك في ذلك.

لهذا السبب أو لغيره، نفي من أثينا. وبالرغم من السماح له بالعودة، لم يجد نفسه آمنا تماما في مدينته الأصلية. وظل يتنقل من مكان إلى مكان، وعاش زمن فيليب وابنه الإسكندر. وأخيرا، وضع حدا لمتاعبه بتناول السم في جزيرة كالأوريا، إحدى جزر اليونان.

كان فوسيون، من عظماء الرجال الذين أنجبتهم اليونان على الإطلاق. هو جنرال للقوات الأثينية، هزم جيش فيليب أكثر من مرة. كان يزدري عروض هاربالوس القائد المقدوني. وعندما كان ديموسثينيس بخطبه يحرض أثينا على مواصلة الحرب ضد مقدونيا، عارضه فوسيون، ودعا للسلام، وصوت إلى جانب نفي ديموسثينيس.

فيسيون، كرجل صادق وبسيط، لم يكن يشك في مكر فيليب. لكن ديموسثينيس، كان يعرف شخصية هذا الملك بشكل أفضل، ويعتقد، إن اتبعت نصيحته، لنجت اليونان من سيطرة المقدونيين.

فوسيون، بعد أن تم اختياره جنرالا خمس وأربعين مرة، وبعد أن أدى أعظم الخدمات لبلاده، حكم عليه بالموت من قبل ابنه الأثيني الجاحد. عندما كان على وشك شرب السم، سئل عما إذا كان يرغب في توجيه رسالة لابنه، أجاب: "قولوا له، كم أود أن ينسى ظلم الأثينيين." ثم تجرع السم القاتل، ومات بهدوء.

كانت توجد مدينة تسمى دلفي، يوجد بها معبد للإله أبولو. في هذا المعبد، كانت تقيم كاهنة بصفة دائمة، تتنبأ بالمستقبل، وتعمل كوسيطة بين الإله وبين مريديه. وكان كلامها من الباطن، في شكل ألغاز وأحاجي تسمى أوراكل، وهي نفسها كانت تحظى باحترام كبير.

حدث أن بخارا بدأ يتصاعد من هوة في جبل. لوحظ أن هذا البخار يسكر الحيوانات التي تتنفسه. كان هناك راع، لاحظ أن الماعز تقفز بنشاط زائد كلما اقتربت من بقعة معينة.

فحص الراعي هذه البقعة، فوجد أنها يخرج منها بخار غاز، هو سبب النشاط الزائد للماعز. تم بعد ذلك بناء معبد فوق هذا المكان. وعندما كان يريد شخص استشارة الكاهنة، لمعرفة ما ينبئه له المستقبل، أو ما تريده الآلهة، تقف المرأة فوق حامل بثلاث أرجل، لتستنشق هذا الغاز.

بعد ذلك، تصاب المرأة بالهياج العصبي، وتبدأ في النطق بجمل غير كاملة وتعبيرات غريبة غير منطقية. كل ما تقوله المرأة، يسجل بعناية كرسالة من الإله أبولو، أو من الإله المطلوب استشارته.

هذه الرسالة المقدسة، يتم تفسيرها وفك رموزها عن طريق السائل نفسه أو الكاهنة. المرأة الكاهنة كانت تسمى بيثيا، لأن أبولو كان يعبد تحت اسم بيثيون، لقتله الثعبان بيثون.

الفوسينيس، هم شعب يوناني، حرث حقلا، من أملاك وأوقاف معبد أبولو. اعترضت جميع الدول اليونانية بصوت عال ضد هذا الفعل الشنيع، الذي يعتبر تدنيسا للمقدسات. كثيرون منهم حملوا السلاح ضد الفوسينيس، أما اسبرطة وأثينا، فقد وقفا إلى جانبهم.

في المجلس العام الكبير لدول اليونان، تم توقيع عقوبة في شكل غرامة مالية، بسبب تدنيس المقدسات، الأمر الذي رفضه الفوسينيس. تلت ذلك الحرب، التي استمرت ثماني سنوات، والتي تعرف بالحرب المقدسة.

فيليب المقدوني، والد الاسكندر الأكبر، طلب منه الاشتراك في هذه الحرب، لكنه تراجع. لقد كان يسره أن يرى الدول اليونانية الصغيرة تتشاجر مع بعضها البعض. تماما كما يحدث بين الدول العربية حاليا.

حينما ضعفت ووهنت هذه الدول اليونانية بما فيه الكفاية، دخل فيليب بجيشه الجرار تحت ذريعة أنه يحارب الفوسينيس. لكن شهيته في التوسع لم تقف عند هذا الحد. وظل يتوسع ويمد سيطرته حتى جعل نفسه سيد اليونان برمتها. بعد ذلك، كان يستعد لغزو بلاد فارس، لكنه قتل على يدي بوسانياس أثناء مهرجان كبير، عام 336 ق م.

أفلاطون، ديونيسيوس، طاغية سيراكيوز، تيموليون:

أفلاطون، الفيلسوف الأثيني، وتلميذ سقراط الشهيرة، مات 12 سنة قبل مقتل فيليب المقدوني. كان الصديق الحميم لديون، أفضل وأحكم رجل في سيراكيوز.

ذهب أفلاطون إلى سيراكيوز، وهي مدينة في جزيرة صقلية، لزيارة ديون. عندما لاحظ أن سلوك ديون كان صارما قاسيا، نصحه كصديق قديم بعيبه، وذكّره بأن عربة الغطرسة، تبعد الناس عن بعضها البعض، وتجعل الرجل يقضي حياته في عزلة."

ولأن ديون كان رجلا حكيما، فلا شك أنه قد استفاد من هذه النصيحة الجيدة؛ لأنه من الحكمة أن تستمع لمن يرشدك إلى عيوبك، ومن الحكمة العليا أن تقوم بتصحيحها.

ديونيسيوس الأصغر، الذي أصبح فيما بعد طاغية سيراكيوز، كان صهر ديون، وأمير شاب واعد له مستقبل كبير. والده، ديونيسيوس الأكبر، كان قد أهمل تعليمه للأسف، مما دفع أفلاطون إلى القول، بأن كل أخطائه كانت بسبب جهله وعدم تعليمه. هذا جعل الفيلسوف العظيم يبذل جهدا كبيرا في إرشاده وتقويمه. لكن، تعمل إيه الماشطة في الوجه العكر.

أثبت ديونيسيوس أنه لا يزال يحمل داخله بعض الصفات الحسنة الموروثة. لأنه كان يحترم أستاذه أفلاطون وينصت له. فقد تخلى عن عاداته في الخمول وتبديد الوقت، وكرس نفسه للدراسة الجادة والهوايات الرصينة.

لولا تملق حاشية القصر ونفاقهم، لأضحي هذا الأمير الشاب رجلا صالحا عظيما.

حدث أن النبلاء، بدافع الغيرة من تأثير ديون على ديونيسيوس، أساءوا تمثيله، وتحدثوا عنه بسوء، مما تسبب في النهاية في نفيه من سيراكيوز. أفلاطون، بعد أن رأى ما حدث لصديقه ديون، وبعد أن فقد الأمل في تلميذه ديونيسيوس الأصغر، ترك البلاد وهو سعيد بالنجاة من عرين الطاغية.

بعد ذلك بعامين، عند تلقيه وعدا من ديونيسيوس، أنه سيعيد ديون من منفاه، قام أفلاطون برحلة أخرى إلى صقلية. خرج ديونيسيوس، حين سماعه بوصول أفلاطون، لمقابلته في عربة رائعة، تجرها أربعة خيول بيضاء مطهمة. وضع فيها الفيلسوف، وقام بقيادتها بنفسه.

فرح الصقليون بعودة الفيلسوف، وبات كل شيء على ما يرام لفترة من الوقت. كبرهان آخر على حب ديونيسيوس لمعلمه الفيلسوف، منحه ثمانين قطعة ذهبية تمثل ثروة كبيرة في ذلك الوقت.

أضحى أفلاطون الأكثر نفوذا وتأثيرا على ديونيسيوس. وبات الأخير يعيش حياة كريمة، هي فخر لأصدقائه، ومدعاة للقلق من أعدائه.

لكن أفلاطون لم يستطع التأثير على ديونيسيوس وحثه على إعادة ديون، وكان قد وعد بإعادته من قبل. تبع ذلك، عدم ثقة متبادلة بين أفلاطون وديونيسيوس، مما تسبب في عودة أفلاطون إلى أثينا.

ديونيسيوس، تحت تأثير السلطة المطلقة، ترك نفسه لإغراءات المنافقين والفاسدين حوله، ونسي كل التعاليم وحب الخير والامتثال بالفضيلة التي علمها له أفلاطون من قبل. فهو لم ينكث بالوعد الذي قطعه على نفسه بالعمل على عودة صهره ديون فحسب، بل زوج زوجة ديون من أحد أفراد حاشيته.

استفز هذا الفعل الحقير ديون، ولكي يثأر لشرفه، قاد جيشا لسيراكيوز، وقام بطرد الطاغية من عرشه، واستعاد زوجته. ثم حكم سيراكيوز بالعدل والاقتدار. لكن في النهاية، قتل للأسف بقسوة.

بعد وفاته، عاد ديونيسيوس إلى العرش مرة أخرى، ثم طرد منه للمرة الثانية. وانتهى به الأمر بعد كل هذا الثراء والسلطة، إلى أن يكون مدير مدرسة في كورنث، وهي بلد في اليونان.

عندما لامه صديق على عدم استفادته من تعاليم أفلاطون، أجابه: ""كيف يمكنك أن تقول إنني لم أستفد من تعاليم أفلاطون، وأنت تراني أتحمل المحن والمصائب ولا أشتكي؟"

كان تيموليون، وهو مواطن من كورنث، جنديا ممتازا. هو شجاع، إنساني، وحازم. كان لديه أخ، تيموفانيس، نصب نفسه طاغية لكورينث. كان تيموليون يحب شقيقه، لكن حبه لبلده كان أكثر من ذلك. عندما وجد أنه لا يستطيع إقناعه بإعطاء الحرية ل كورينث، وافق على اغتياله.

بالرغم من أن الناس أشادوا بما فعله، إلا أن قلب تيموليون وبخه على هذا الفعل. فقرر معاقبة نفسه بالموت، لولا مناشدة أصدقائه. فقرر أن يعيش. لكنها حياة، لم يكن يعرف خلالها أبدا راحة الضمير.

أرسل القرطاجيون، الذين كانوا دائما في حالة حرب مع سيراكيوز، جيشا لحربهم. وهم في محنتهم، طلبوا الغوث من كورينث. فتم إرسال تيموليون مع بعض القوات لمساعدتهم. فتفوق على القرطاجيين، ودخل سيراكيوز منتصرا. ثم أخضع جميع أعداء سيراكيوز، وأعاد تلك المدينة إلى الحرية، وسن قوانينها.

بعد كل الأمجاد التي حققها لجزيرة صقلية، تنازل تيموليون عن سلطته، وعاش بقية أيامه في تقاعد مشرف وحياة هادئة. تبعته زوجته وأطفاله من كورنث. وحتى آخر ساعة من حياته، كان أهل سيراكيوز يعملون بنصائحه في جميع المسائل الهامة.

عندما كانوا يحتاجون إلى سماع رأيه، كانوا يأخذونه في عربة إلى مكان الاجتماع، وكل ما يوصي به، يتم تنفيذه. توفي عام 337 ق م. أما أفلاطون، فقد توفي عام 348 ق م، عن عمر 81 عاما. قبل أن يستعيد الطاغي ديونيسيوس عرش سيراكيوز بعام واحد.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي