قراءة في رواية -هناك في شيكاغو-

رفيقة عثمان
2021 / 8 / 31

صدرت عام 2020 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان رواية هناك في شيكاغو، للكاتبة المقدسيّة هناء عبيد، المغتربة منذ سنوات في نفس المدينة.
سردت الكاتبة رواية منسوجة بأحاسيس شفّافة، وصفت فيها حياة المغتربين، اللذين ظنّا منهم أن الحياة الرّغيدة تكمن في الغُربة عن الوطن. وصفت الكاتبة المشاعر التي تختلج صدر النساء اللّواتي اضطّررن لمغادرة الوطن، مع أزواجهن، طلبًا لتحسين معيشتهن الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
اختارت الكاتبة عددًا محدودًا من الشخصيّات النسائيّة؛ للتعبير عن أرائهن ومشاعرهن حول الغربة عن الوطن. تمحورت الشخصيّات بالرواية من عائلة الراوية نسرين وهي بطلة الرّواية، ووالديها وأختها نور، وصديقتها وداد، كذلك الصديقة حنين في شيكاغو، بالإضافة لشخصيّات ثانويّة أخرى معظمها من النساء الفلسطينيّات المغتربات، مثل: فاتن وزوجها ونساء مغتربات من دول العالم المختلفة؛ مثل مادلين وماريا وهيما الهنديّة وسووك الكوريّة وغيرهن.
سردت الراوية نسرين عشقها للسفر إلى شيكاغو، بلاد الأحلام والسعادة المفقودة في بلادنا، هذه الرغبة باتت حلمًا يرافقها ويرافق الشّباب في عمرها؛ طلبًا للحصول على ظروف معيشيّة تليق بهم كبشر، وغير آبهين بالانفصال عن الوطن الأم. ما دفع نسرين للالتحاق بحلمها، بعد أن رفض والدها تزويجها من حبيبها ثائر المناضل خلال فترة الانتفاضة، وبتر اصبعه إثر هذا النضال، ومن ثمّ فقدت نسرين والديها واحدًا تلو الآخر، ورفضها للقبول بالزّواج من أحد المغتربين، حيث لم تخدع نفسها بالقبول بالزواج؛ طلبًا للتأشيرة، ومن ثمّ لم تجد مبرّرًا لبقائها في الوطن الأردن.
سافرت نسرين لبلاد الأحلام والسّعادة، عند دار عمّها وزوجته، اللذين استقبلاها بحفاوة كبرى. من هنا بدأت نسرين في تطوير علاقاتها الاجتماعيّة، بالتعرّف على صديقات زوجة عمّها من النساء الفلسطينيّات المغتربات، من هنا بدأت الصراعات الشخصيّة للبطلة بالمعاناة من الغربة التي استوطنت روحها، وافتقادها لأرض الوطن، والأهل في فلسطين، والشعور بالندم بالهجرة الى شيكاغو.
نجحت الكاتبة في تصوير خلجات المشاعر، وبث الأحزان من الغربة التي حلمت بها وظنّتها الجنّة المفقودة. ظهر هذا الصراع في الحوارات الذّاتيّة المتعددّة التي أجرتها الراوية مع نفسها، كما ورد صفحة 173 " لا نعرف قيمة الأشياء، إلا حين نفتقدها، هناك دومًا مغرية لنا، حين نفترق منها نبحث عن هناك أخرى".
يبدو أنّ الصراع الدّاخلي مداهمًا بشكل دائم لنفس الراوية نسرين، " تيقّن أنّ الأحلام تموت في بلاد الغربة، كنت في صراع عنيف" صفحة 60، هنالك نماذج عديدة للحوار الذّاتي الذي أغنى الرواية من حيث المعاناة.
لم تكتفِ الكاتبة بوصف المعاناة من الغربة، بل تطرّقت بوصفها حول فقدان الهويّة والانتماء للوطن، في بلاد الأحلام، كما ذكرت "دايمًا بشعر بالغربة وين ما رحنا" أشعر كأنّني سجنًا مفروشًا بأثاث فاخر" صفحة 174. كذلك أوردت حوارًا ذاتيًّا حول الانتماء للوطن وفقدان الهويّة من صفحة 11-113. " مش سهل الاحتفاظ بالهويّة واللّغة في بلد ثاني بيختلف في عاداته وتقاليده ودينه وأخلاقياته" صفحة 172.
استقت الكاتبة عنوان الرواية " هناك في شيكاغو" باختيارها الموَفّق، عندما ذكرت "هروب إلى هناك" قصدت بكلمة هناك بلاد الغرب شيكاغو كما ورد صفحة 96. كذلك لكل اللذين يحلمون في الهجرة لوطن غير موطنه، الحلم نحو هناك.
من الممكن الاستدلال الزّمنكيّة: من خلال وصف الشّاب ثائر الذي جاهد أثناء الانتفاضة منذ عام 1995-2001. كذلك المكان تمركز ما بين الأردن وشيكاغو؛ كما ذكرت الكاتبة زمن انهيار مركز التجارة العالمي في نيويورك في الحادي عشر من أيلول، عام 2001.
تحلّت الكاتبة بلغة شاعريّة سلسة جدّا، بليغة مُطعّمة بالمُحسنات البديعيّة الجميلة، الصنعة اللّغويّة الطاغية في نصوص الرّواية، والتي أضفت رونقًا لها، وتسلسل السرد برتابة وتصوير الأحداث بشكل دقيق ومتسلسل، تجذب القارئ بالقراءة والتشويق للاستمراريّة ، وضعت القارئ أمام مشاهدة فلم سينمائي، بحيث كان سرد الأحداث بطرقة مُصوّرة ومُجسّدة من خيال الكاتبة.
مأخذي البسيط على هذا الاستخدام المبالغ فيه بالمصطلحات البديعيّة، مما أعاق على تطوّر الأحداث بوتيرة أسرع، استخدمت الكاتبة اللهجة العاميّة الفلسطينيّة، بطريقة محبّبة وتلقائيّة، دون التأثير على جماليّة السرد.
تبدو العاطفة طاغية جدًّا أثناء سرد الأحداث، فظهرت العواطف بكافّة المشاعر، منها مشاعر الفرح والحب الرومانسي، ومشاعر الامومة، ومشاعر الانتماء والحنين للوطن، كذلك مشاعر الحزن والاكتئاب، مشاعر الحزن من الفقدان، وفراق الأهل. أبدعت الكاتبة في تصوير المشاعر الجيّاشة، خاصّةًمشاعر الراوية نسرين أثناء سرد الحوار الذّاتي، بالإضافة لتصوير مشاعر الآخرين من أبطال الرّواية. كما ورد صفحة 209 "كنت أتحدّث بهستيريا غريبة، أضحك بشدّة بلا سبب كأنّ الجنون أصابني".
تمثّلت العاطفة بين نسرين وثائر، بعاطفة رزينة، تخلو من الألفاظ النابية، والصور غير اللّائقة؛ بل ظهرت العاطفة الرومانسيّة الراقية، فيها الالتزام والتحفّظ؛ برأيي هذا يضفي من مصداقيّة السّرد، ويُحسب لصالح الكاتبة.
استطاعت الكاتبة هناء عبيد من وصف المعاناة التي تواجه النساء العربيّات المغتربات؛ لكونها امرأة نجحت في الغوص بأعماقهن ومعرفة خلجات مشاعرهن، نظرًا لأنّها امرأة فلسطينيّة مغتربة، خاضت تجارب الحياة في الغربة (شيكاغو).
تظهر الرّواية قدرات المرأة العربيّة، بالتكيّف والنجاح، رغم الصّعوبات والتحديّات في بلاد الغربة؛ لأنّها تمتلك الدوافع الدّاخليّة؛ للنجاح والتّفوّق بحياتها، ومواجهة العقبات بحكمة ودراية، والعتماد على النّفس في تحقيق أحلامها، تعتبر بطلة الرّواية نموذجًا يُحتذى به، للفتيات في مجتمعنا العربي.
استخدمت الكاتبة سرد الرواية بضمير الأنا، على لسان البطلة نسرين؛ ممّا يضع القارئ في شك من أمره، بتصنيف الجنس الأدبي للرّواية تحت مسمّى السّيرة الذّاتيّة. برأيي هذا الاستخدام أضاف مصداقيّة لسرد الأحداث؛ كما استخدمت الكاتبة السرد على لسان النساء وكذلك على لسان ثائر، وكان تدخّل الروائيّة أحيانًا، لكن الغالب كان صوت نسرين بطلة الرّواية كما ذكرت سالفًا.
من الممكن تصنيف الرّواية أيضًا تحت مسمّى "أدب الرّحلات" نظرًا لوصف الكاتبة للأماكن السياحيّة بدقّة ووصف جميل، خصوصًا للأماكن التي زارتها في شيكاغو؛ مثل: ديربورن التي شبّهتها الكاتبة بمدينة عربيّة بكل مواصفاتها، وغيرها من الأماكن التي زارتها البطلة نسرين خلال مكوثها في شيكاغو. هذا الوصف أضاف معلومات سياحيّة عن الأماكن الجذّابة للسائحين. تبدو الرّواية كأنّها واقعيّة لدرجة كبيرة، لافتقارها للخيال الجامه.

جسّدت الكاتبة الانتماء للوطن، والحفاظ على رموزه وتقاليده وعاداته، كما حافظت على التّراث الفلسطيني، والدّفاع عن مبادئه وقيمه، وتقديس البطولة والتضحيات من أجل الوطن.
وصفت الكاتبة الصّراعات الدّاخليّة، بطريقة محكمة، بإبراز الصّراعات النفسيّة الدينيّة، والأخلاقيّة، والسّياسيّة، والاجتماعيّة؛ حقّقت بذلك الولوج في النفس البشريّة، وتحليل مكنوناتها، بالفكر والعاطفة.
نهاية الرّواية بدت نهاية مفتوحة؛ لكي يتخيّل القارئ نهايتها كما يشاء، عادت نسرين البطلة لوطنها بعد اجتيازها وحصولها على الماجستير، وفي المطار شاهدت حبيبها ثائر، يرفع لها يده من بعيد، ربّما تخيّلت بأنه قادم لاستقبالها.
برأيي لو كانت النهاية كما قرّرتها البطلة؛ كنهاية الالتقاء بالحبيب ثائر؛ لتظهر براءته من تهمة أبيه النحّاس المُتّهم بالعمالة للأعداء؛ عِلمًا بأنّ ( ثائر) شاب مناضل، ودفع ثمن نضاله خسارة عضو من جسده عندما تمّ بتر اصبعه.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية