قصص وحواديت من العالم القديم (10)

محمد زكريا توفيق
2021 / 8 / 30

بيلوبيداس، إيبامينونداس:

حينما كانت روما فريسة للأعداء الأجانب، وتكافح بشجاعة لاستعادة حريتها، كانت اليونان أيضا مسرحا للحرب والقلاقل. فقد حقق أجيسيلاوس، ملك اسبرطة، انتصارا كبيرا على الأثينيين.

الأثينيون، بمساعدة مالية من بلاد فارس، نجحوا بعض الشيء في المقاومة. كانت جميع الدول الصغيرة في اليونان متحاربة مع بعضها، مثل الدول العربية حاليا. تضعف بعضها البعض.

القوة العظمى لبلاد فارس، استغلت المشاجرات وضعف اليونانيين، لكي تحصل على معاهدة سلام دائم، لكنها معاهدة كانت ظالمة وسلام غير مشرف. مما جعل اسبرطة تصفه بأنه: "عار وخراب اليونان."

اسبرطة كانت في ذلك الوقت أمة من الجنود. القتال كان حرفتهم الوحيدة وهوايتهم المفضلة. عندما تخلصوا من الفرس، بدأوا في مناوشات مع جيرانهم.

كان سكان طيبة، وهي أيضا مدينة يونانية، تختلف عن مدينة طيبة في مصر، يتشاجرون مع بعضهم البعض. فجاء الاسبرطيون، تحت ذريعة تسوية الخلافات، وأخرجوا حامية طيبة من القلعة، ووضعوا حامية اسبرطية بدلا منها. يعني احتلوا البلد ومسكوا القط مفتاح الكرار.

ظلت اسبرطة بعد ذلك كابسة على أنفاس أهل طيبة لمدة أربع سنوات كاملة، ولا تريد مغادرة المدينة. لكن أهل طيبة الغاضبين، قاموا بالانتقام. جاءت مجموعة منهم، لبسوا ملابس النساء، وتسللوا أثناء وليمة كبيرة كانت معدة لكبار ضباط اسبرطة، ثم قاموا بتقطيعهم إربا إربا.

كان أرشياس، قائد اسبرطي، قد تلقى في ذلك اليوم رسالة من أثينا، تبلغه بالمؤامرة برمتها. لكنه ألقى بالرسالة جانبا، دون النظر في مضمونها، قائلا: "دع الأعمال إلى الغد!". لسان حاله يقول، "اليوم خمر وغدا أمر". كان أول اسبرطي يقتل. لقد قتله الاهمال، ولا شيء غير الاهمال.

بيلوبيداس، بسبب مهارته وشجاعته، وبمساعدة جنود من أثينا، كان له دور كبير في طرد جنود العدو من القلعة وتحرير طيبة من قبضة اسبرطة.

بعد ذلك، دعي إيبامينونداس، وهو صديق ل بيلوبيداس، لكي يتقلد منصب قائد الجيش. إيبامينونداس، كان مشهورا بحكمته وفضيلته. لكن أهم ما كان يميزه، هو حبه للحقيقة. لم يعرف عنه أبدا الكذب. لو كانت هذه هي فضيلته الوحيدة، لاستحق حب واحترام البشرية.

في الواقع عندما تحترم الحقيقة، تختفي الرزيلة. لأن الحقيقة هي أم الفضائل، والكذب هو أصل كل الرذائل.

أرسل إيبامينونداس رجلا فقيرا إلى صديق له ثري جدا، يطلب منه إحسانا للفقير، ألف قطعة نقود ذهبية. وقال له: إيبامينونداس هو من بعتني.

اندهش الثري من الرسالة، وسأل إيبامينونداس، عندما رآه بعد ذلك، ماذا كان يقصد بذلك. ابتسم إيبامينونداس وقال له: "لقد أرسلته إليك لكي تعطيه المال، ببساطة، لأنك غني وهو فقير". هذا كل ما في الأمر.

لكن إيبامينونداس كان جنرالا عظيما، فضلا عن كونه مواطنا صالحا. تسبب في شهرة بلد صغير، ليوكترا، عندما انتصر هناك على اسبرطة بقيادة كليوميروتوس.

كان جيش طيبة أصغر بكثير من جيش اسبرطة، ولكن مهارة إيبامينونداس، كانت عوضا عن النقص في العدة والعتاد. أضف إلى ذلك، بسالة جنود وضباط طيبة، الذين كانوا يقاتلون من أجل الحرية والاستقلال، بعكس الاسبرطيون الذين كان يقاتلون من أجل الغزو والسيطرة. فلا غرو أن تفوز طيبة على اسبرطة في هذه الحرب.

أخبر بعض السفهاء إيبامينونداس أن هناك العديد من النذر السيئة قد بدت تلوح في الأفق ضده. فأجاب يردد مقولة هوميروس: "لا توجد نذر سيئة، بل نذير خير واحد، وهو أن تقاتل من أجل بلدك."

ساعد إيبامينونداس أيضا أركاديا، وهي جزء من اليونان حاليا، لكي تنال حريتها. وقام بالعديد من الأعمال النبيلة، لدرجة أن إيزميلوس، ملك اسبرطة، أطلق عليه لقب "الرجل العجيب".

بيلوبيداس، لم يكن يقل أهمية أو مجدا عن صديقه إيبامينونداس. ومع هذا، عندما عادا إلى طيبة، تم استدعاؤهما أمام محكمة العدل، بتهمة الحفاظ على مناصبهما القيادية مددا أطول مما يسمح به القانون.

لم يدافع بيلوبيداس عن نفسه باقتدار، لأنه عاطفي المزاج رقيق الشعور. بعكس إيبامينونداس، الذي كان حازما ومتملكا لنفسه. فقد قام باقتدار وبحجج دامغة، أثبت بها براءة كليهما.

إلا أن أعداء إيبامينونداس لم ييأسوا من عقابه. فعملوا على انتخابه زبالا للمدينة، بعد أن كان البطل الهمام. وهذا عن قصد حتى يلحقوا العار باسمه. إلا أنه قبل الوظيفة الجديدة بصدر رحب قائلا: "إن لم تمنحني الوظيفة الشرف، فسأقوم أنا بمنحها الشرف."

فقد بيلوبيداس حياته، عندما كان يقاتل بشجاعة لإنقاذ شعب فيراي، وهي مدينة قديمة من مدن اليونان، من غزو طاغية يدعى ألكسندر. ليس هو الاسكندر الأكبر، ولا يمت له بصلة. طريقة حياة هذا البائس تعطي صورة مروعة عن الحالة التي يعيشها الطغاة.

كان ألكسندر الطاغية، يشك في كل من حوله. لأنه كان قد اقترف الكثير من الجرائم والموبقات، التي يندى لها الجبين، والتي تجعل الجميع حريصين على قتله. فكان ينام في غرفة، لا يمكن الوصول إليها إلا بصعود سلم طويل خارجي. وعند بداية السلم، وضع كلبا ضخما شرسا من كلاب الحراسة. وإن كنت شاطر، اطلع لي.

لكن في ليلة ظلماء غاب فيها القمر، أخذت زوجته التي تزوجها بالعافية، الكلب بعيدا، وغطت درجات السلم بالصوف، حتى لا يصدر أي صوت. وصعد إخوتها، ثم قاموا بقتل الطاغية المغتصب أثناء نومه. فنال ما يستحقه كل مجرم طاغ جبار. الكلاب لا تحمي الطغاة، وإنما الذي يحمي، هو الالتزام بالحق والعدل والقانون.

اختتم إيبامينونداس حياته المجيدة في ميدان المعركة، وفي لحظة نصر مبين. في معركة هائلة، خاضتها طيبة ضد اسبرطة والقوى اليونانية الأخرى. تلقى هذا الجنرال اللامع، جرحا قاتلا، أثناء هجمة جريئة وسط أعدائه. اخترق الرمح صدره، فسقط على الفور. ثم قامت منازعة شرسة بين خصومه وأصدقائه لحيازة جسده.

لكن جنود طيبة، نجحوا في حمله من الميدان، بينما كان يعاني من ألم شديد بسبب جرحه الغائر. إلا أنه لم يكن لديه أفكار أخرى غير النصر لجيشه. وعندما علم أن جيشه هو الفائز، قال: "إذن، كل شيء على ما يرام."

قال الأطباء أنه سيموت إذا نزع الرمح من جسده. ولم يكن أحد لديه الرغبة في نزع الرمح ووضع نهاية لمعاناة هذا القائد الباسل. إلا أنه قام بهذا الفعل بنفسه. نزع الرمح من صدره، ثم أخذ نفسه الأخير وهو في أحضان أصدقائه. هكذا مات إيبامينونداس عام 363 ق م.

ديونيسيوس الأكبر، طاغية سيراكيوز، توفي قبل إيبامينونداس بخمس سنوات. كان قمعيا وقاسيا، وبالتالي بائسا، مثل ألكسندر، طاغية فيراي. كان يرتدي درعا تحت ملابسه، لأنه كان يخشى، بسبب قسوته، خيانة من حوله.

هناك عدة روايات عن سبب وفاته. أحدها، أن الأطباء وضعوا له السم بتحريض من ابنه ديونيسيوس الأصغر الذي تبعه في ولاية سيراكيوز (سرقوسة).

إن بؤس هذين الرجلين يظهر بقوة، من سوء استخدامها للسلطة. لأن سوء استخدام السلطة، يلحق الضرر لمن يسئ استعمالها أولا، مهما كان حريصا. فالسلطة مفسدة بطبعها للكل، وبالأخص الرجل الضعيف، الذي لا يستطيع التحكم في رغباته، والسلطة المطلقة، فساد مطلق وأم الشرور.

تيتوس، مانليوس، كورتيوس:

الغيرة والطموح من امرأة شابة أنتجت تغييرا كبيرا في حكومة روما. كانت هناك طبقتان. الأشراف أو النبلاء (باتريشيان)، وعامة الشعب أو الطبقة الدنيا (باليبيان).

ضباط الدولة كانوا دائما يختارون من النبلاء. منهم كان هناك الأرستقراطي، فابيوس أمبوستوس، الذي كان لديه ابنتان. تزوجت واحدة منهما من رجل من عامة الشعب، باليبيان. الأخرى تزوجت من نبيل أرستوقراطي، باتريشيان.

الزوجة الأولى التي تزوجت الرجل العادي، لم تكن سعيدة في حياتها المتواضعة، وكانت دائمة الحسد والندم عندما كانت تقارن حياتها بحياة أختها المتزوجة من النبيل الأرستقراطي.

كان زوجها ووالدها غير سعداء لرؤيتها حزينة مريضة وسماع تنهداتها التي تنم عن عدم الرضا. وعندما عرفا سبب شقائها وتعاستها، وعداها، الأب والزوج، بالعمل سويا على تغيير هذا الوضع، بحيث يسمح لعامة الشعب تقلد المناصب الرفيعة أسوة بطبقة النبلاء.

أخيرا نجحا في ذلك، وكان زوجها، ليسينيوس ستتولون، بعد وقت قصير، هو ثاني رجل من عامة الشعب يتقلد منصب القنصل بالانتخاب. أول منصب رفيع، كان من نصيب صديقه، سيكستيوس.

بعد عامين من انتخاب ليسينيوس قنصلا، حدث زلزال في روما، هز الأرض بعنف، مما تسبب في حدوث حفرة كبيرة أو شرخ في الأرض مكان الاجتماع العام. الحفرة كانت واسعة وعميقة، حاولت الناس ردمها بالأتربة والحجارة دون فائدة.

قيل إن العرافة ادعت بأن الحفرة لا يمكن ملؤها أبدا، إن لم يلق فيها بأثمن شيء في روما. ماركوس كورتيوس، وهو شاب شجاع، سمع بهذه النبوءة، فقرر أن يفعل شيئا يخدم به مدينه.

حمل سيفه، وارتدى درعه ثم وثب على حصانه، وقفز به في الحفرة وهو يقول: "ليس هناك أثمن من الشجاعة في روما." الناس، وفقا لخرافات تلك الأوقات، بدأوا يلقون بالقرابين فوق الفارس الشجاع. ويقال إن الحفرة قد أغلقت بعد ذلك على الفور.

تم اختيار روماني من طبقة النبلاء، لوسيوس مانليوس، ديكتاتورا، لرئاسة احتفال ديني مقدس. لقد احتدم المرض في المدينة، وقال بعض كبار السن، إن الطاعون قد أوقفه ديكتاتور البلاد ذات مرة، بأن دق مسمارا في معبد الإله جوبيتر (زيوس).

وهذا ما فعله مانليوس. بعد ذلك، رغب في حشد شعبه وتعبئة جيشه للحرب ضد الهيرنيسي، وهم قبائل إيطالية قديمة. لهذه الأسباب، تم استدعائه أمام القناصل لمحاكمته.

من بين الاتهامات الأخرى الموجهة إلى مانليوس، هي أنه قام بسوء معاملة ابنه الشاب تيتوس، لأنه نفاه من البلاد بسبب بطيء الكلام.

عندما سمع الابن تيتوس هذا الاتهام الأخير، شعر بحجم الخطر الذي يتعرض له والده. ودون الكشف عن نيته لأي شخص، أخفى خنجرا في ملابسه، وذهب إلى منزل بومبونيوس، وهو الرجل الذي أقام الدعوة على والده مانليوس.

طلب مقابلته وباقي القناصل في اجتماع خاص، وحصل على الموافقة بسهولة. كان الاعتقاد بأن الابن لديه ما يوقع بوالده ويجرمه أكثر من الأدلة الموجودة.

لكن بمجرد أن اختلا تيتوس به داخل المجلس، قام دون أن يقول كلمة واحدة ضد والده، بإشهار خنجره، واقترب من بومبونيوس، وأقسم أنه سيطعنه في قلبه إذا لم يقسم على الفور بإسقاط الدعوة ضد والده.

أدى بومبونيوس القسم المطلوب، وهو يرتجف في حالة رعب شديدة، عندما رأى حياته في خطر. بذلك، نجا مانليوس من المحاكمة، واكتسب ابنه شرف الشجاعة. وتمت مكافأته بعد فترة وجيزة، بأن تم الحاقه بالجيش الروماني.

تيتوس الابن، بعد فترة وجيزة، رافق الجيش ضد الغال. وعندما التقت القوات، جاء مقاتل من الغال، طويل عريض مفتول العضلات ذو قوة جسدية ملحوظة، يطلب النزال حتى الموت مع أي روماني يخرج ضده، قائلا: " دعونا نر من هي الأمة الاكثر شجاعة “.

كان جميع الرومان غاضبين ومرعوبين من زهو وتباهي هذا العدو. أما تيتوس، فقد ذهب على الفور إلى قائد الجيش طالبا منازلة هذا المختال الفخور بنفسه. قال له القائد: " اذهب يا تيتوس، إذا كنت قد أظهرت من قبل إخلاصك لأبيك، فاثبت الآن إخلاصك لوطنك."

تقدم تيتوس بسلاح بسيط، وبجو متواضع، إلى ملاقاة رجل الغال، الذي جاء مبتهجا، يختال فخرا، يجر أسلحته الثقيلة المتلألئة إلى الأمام. لكن سرعان ما خبا كبرياؤه ثم تلاشى، عندما عالجه تيتوس بضربة أردته قتيلا.

كان العرف آنذاك، أن المنتصر يقوم بتجريد عدوه المهزوم من كل شيء معه، لكن تيتوس لم يأخذ من عدوه الملقى أمامه سوى طوق ذهبي كان يلتف حول عنق القتيل، كشاهد على فوزه.

ركض الرومان في حشود للتهنئة والتصفيق لبطلهم الشباب. وقام قائد الجيش، بعد أن أثنى عليه أمام الجميع، بمنحه تاجا من الذهب، مكافأة لبراعته.

كان هذا هو تيتوس. بعد ذلك أصبح دكتاتورا مرة، وثلاث مرات القنصل. وأعتقد أنه هو الذي أعطى مثالا رائعا لمقولة، الخطأ الجسيم مع حسن القصد. منصب الدكتاتور، هو منصب مؤقت لمدة قصيرة وقت الأزمات فقط. لكن الحاكم الحقيقي هم القناصل (مجلس الشيوخ).

عندما كان يشغل تيتوس منصب القنصل للمرة الثالثة، أثناء الحرب ضد اللاتينيين، الذين كانوا في ذلك الوقت أمة متميزة، قرر والده مانليوس وباقي القناصل، الرجوع إلى الانضباط العسكري القديم، وعدم السماح لأي جندي بترك مكانه تحت أي ظرف، والموت لمن يخالف هذا القانون.

لكن تيتوس، رأى فرصة جديدة لتحقيق مجد شخصي، فنسي أو تجاهل هذه الأوامر، وترك منصبه لأصدقائه، لكي يقوم بعدة مناوشات هزم فيها اللاتينيين، وجلبت له العديد من الغنائم. ثم، جمع أسلحة العدو وركض بفرح إلى خيمة والده، وألقى بها عند قدميه.

لكن الأب قابل ابنه بالغضب والشعور بالعار. ثم أمر بحضور القوات وخاطب ابنه قائلا: "تيتوس مانليوس! لقد تجرأت على عصيان أمر قناصلك، وأوامر والدك: لقد قمت بالتالي بضرر بالغ للانضباط والحكومة العسكرية.

لذلك، يجب أن تكفر عن جريمتك بالموت. إنني أقدر شجاعتك، لكن حبي للانضباط والقانون أكثر وأجل. وإذا كانت لديك قطرة من دمي تجري في عروقك، فلن ترفض الموت. عندما تناديك العدالة، لبي النداء."

حدث هذا الحدث المثير للاهتمام عام 340 ق م. ويبقى السؤال، هل ما فعله الأب هو الصواب؟ وهل الرحمة تقل عظمة وروعة عن الواجب وتطبيق العدالة بحزم؟

هناك قصة قرأتها في أحد جرائد مدينة نيويورك في أوائل السبعينات. القصة تقول بأن أحد ملاك العقارات قد رفع دعوة لطرد أمه وأبيه من الشقة التي يستأجرانها منه، لعدم سدادهما للإيجار.

الغريب، أن القاضي أمر بطرد الأب والأم من الشقة السكنية وتسليمها للابن. ثم قال في حيثيات الحكم، يجب أن نفرق بين الرحمة والعدل. مع اعتقادي بأن الرحمة فوق العدل، إلا أنني هنا ليس من سلطتي إلا تطبيق القانون.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية