ذكريات في تقاطع الألوان

فيصل طه
2021 / 8 / 29

"ذكريات في تقاطع الألوان" ..باكورة أدبية واعدة

منذ البداية تعلن الكاتبة ناهد زعبي عن احتراسين أساسيين لمنتوجها الأدبي, للاشارة الى نهجها الخاص في سرد " ذكريات في تقاطع الألوان" الاحتراس الأول, قول غسان كنفاني: " ...أن تقول الشيء العميق ببساطه", الاحتراس الثاني : "نصوص لوحة تشكيلية .. تساعدني أن أتجاوز الخطوط والحدود وقواعد الرسم وثوابته.. هي ألواني انا.. متمردة مثلي تماما".
تنحصر رؤيتنا للألوان ضمن مجال فيزيائي محدود, وبهذا, تتجاوز الألوان دلالاتها عند المبدعين الى افاق لا يحدها الخيال. بل الى تفاصيل لا يضيق بها الواقع. الكاتبة ناهد تعيد صياغة تجاربها الحياتية وتبدع في نسج دقائقها المتواصلة، المتباعدة بالوان متداخلة لترسم لوحة صادقة ما زالت تتشكل وتتقاطع عليها وفيها الالوان، الوانها، فتقاطع الالوان لا يرتكز على نقطة بعينها، بل تتجاوز حيّزَها الى كل الاتجاهات وكل الأبعاد في هذا الفضاء, لتنتج حالة واقعية تقارب الذكريات، وتتفاعل واياها, لتتجلّى حضورا هادئا, صاخبا يشدنا الى الوان الكاتبة المائلة الى الواننا، الى مأساتنا التي تتلاشى امام هولها كل تراجيديات التاريخ. من هذا الواقع المُغتصب تنبعث الحكايا الملونة، وبعضها تجاوز الأبيض والأسود. كالنكبة والنكسة والترحيل والنزوح ورحيل عبد الناصر والوالدين، وبقاء يافا تنتظر يافا، تنتظر ذاتها على ساحل الأمل، وما زالت ترسم حالها بألوان مائلة الى تقاطع كل الألوان المرئية وغير المرئية، وما زالت يافا تنظر دامعة الى جهاز عرسها الذي ارتحل عن الصندوق الخشبي البني المائل الى الأسود، ليبقى حاضرا في آفاق يافا حتى العودة. غادر الصندوق واصحابه البيت وحواضره مُحَمَّلا بأشياء لا تمت لجهاز العروس بصلة. مأساة تتمشّى على الأزمان قاطعةٓ لتقاطع الألوان الى رحاب الأبيض، فالأبيض مبعث الألوان, كل الألوان, أما الأسود فلا لون له، ولن يكون. تقرأ ناهد الفاتحة وتطلب بصلاتها أن يأتي الرجل الأحمر لزيارتها, وأن يكون عندها شجرة ميلاد مزركشة بكل الألوان وتنشغل بزينتها واضاءتها, فينقذها الوالد كعادته بإضاءة شجرة الميلاد باللون البرتقالي المائل الى الأصفر, وتضيف الكاتبة موقفا نصراويا انسانيا يهز الأعماق، "هذا الضوء لم يضيء شجرتي فقط, بل أضاء طريقنا وفكرنا وايماننا, ومشوار عمرنا. وتأبى الكاتبة الا أن تُبرز الأبيض والأزرق في لوعة المشهد التناقضي المُذِل، بأن تحول يوم النكبة, نكبتنا الى يوم احتفالات وفرح وزينة وأغنية "عيد استقلال بلادي غرّد الطير الشادي, عمَت الفرحة البلدان حتّى السهل والوادي", لكنها لا تترك المشهد قاسيا, بل تتجاوزه بروح الوانها التفاؤلية, وبصداح صاخب صريح, دون تأتأة, "سماؤنا تعرفنا جيدا, لا تحجبها عنا غيمة . . ولا حتى الغيمة بلونها الأبيض المائل الى الأزرق. تأثرت شخصيا من التواصل الحارق مع الأقارب في الخيام, خارج الوطن عبر البرنامج الإذاعي "سلاما وتحية"، والمقابلات اللاذعة, القاهرة, الخائبة أحيانا كثيرة, النازفة لدموع الشوق والحنين في بوابة "مندلباوم" في القدس, كما حرقت انفاسي من جملة صادمة عالقة وما زالت في مفترق الأمل الفلسطيني, وفي تقاطع الوان يافا, وفي بسط بساطة الأهل, أصحاب الأرض, "ما تخافوا ولا تقلقوا.. كلها كم يوم ...محنا راجعين". استطاعت ناهد بسهولة, وبساطة ان تلمس العصب الاساسي لتاريخنا, وتلتقط صورا حية, يجب الامساك بها, وحفظها, هي حكاياتنا, وان كانت الوانها متقاربة, فهي بمجموعها تشكل حالة تحدي والهام لصنع الأفضل, وقهر الوهم والخوف, هذا التقاطع يعمق التواصل والمحبة والإنسانية, وضد الظلم, كل ظلم. ناهد اعتنت في ايقاظ لوحات عناية من غفوة هدير يافا لتلتقط الوانها وتشدها ربطا الى تقاطعها الحاضر منتصرة على الغياب, ساخرة منه, لترسم لوحات متواصلة لم تكتمل الوانها, ولم يكتمل الأمل, بل الى افاقه يسعى, والى يافا يعود. رائع هذا التقاطع غير المنقطع, هذه الذكريات المتداخلة, هذه الجرأة الخجولة, وهذه الباكورة الواعدة .
صفورية- الناصرة

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية