أفغانستان وظاهرة التنكر الوطني

راتب شعبو
2021 / 8 / 29

لا يخرج ما حدث ويحدث في أفغانستان في الفترة الأخيرة، عن المشاهد المتكررة التي يواظب تاريخ منطقتنا خلال العقدين المنصرمين على عرضها، في انزياح عما نحمله في رؤوسنا من تصورات عن حركات التحرر الوطني. يقول هذا التاريخ، على نحو ثابت، إن القضايا الوطنية المحقة سياسياً وقانونياً، تتولاها في بلداننا المتعثرة وطنياً، قوى غير وطنية، أي قوى تقوم على عصبيات غير وطنية، ما يزري بها (القضية الوطنية) ويحطها إلى مستوى ذريعة أو وسيلة لقوى تعمل في المحصلة على إفساد الوطنية إلى حدود الدمار الوطني.
تحوز سيطرة طالبان على افغانستان اليوم، على ملمح وطني لم يكن له حين سيطرت طالبان على كابول في 1996. حينها لم تجد طالبان قبولاً حتى على المستوى الإسلامي، وقد علقت عضويتها في منظمة المؤتمر الإسلامي حينها، ولم نجد من يتهم الفارين من حكم طالبان بأنهم بائعو أوطان كما نسمع اليوم. والسبب هو أن في الموضوع، هذه المرة، قوة خارجية عظمى يشكل انسحابها بتأثير الأعمال القتالية لطالبان مسوغاً كافياً لقبول هذه الأخيرة والاحتفاء بسيطرتها.
عندما نقول قضية وطنية نشمل في قولنا النضال ضد الوجود الاستعماري الخارجي، الوجود الأجنبي على شكل سيطرة عسكرية، أو الاستعمار الداخلي، على شكل سلطات مستبدة تحيل أبناء الوطن إلى غرباء ناقصي حقوق، أو قل إلى "أجانب" في بلدهم. أو بقول آخر، القضية الوطنية هي قضية تحرير من احتلال أو من استبداد. ندع جانباً مفهوم الوطنية بمعنى التحرر الاقتصادي أو التحرر من التبعية، المفهوم الذي كان دائماً محط جدال، وبات اليوم ضعيف المعنى أو شبه خاو.
انقسام العالم إلى دول بحدود سياسية متوافق عليها، هو الذي جاء بهذا الاسم "الوطن" الذي ينطوي على معنى حقوقي وسياسي وينطوي أيضاً على بعد هوياتي بكل ما يحوي هذا البعد من شحنات معنوية تتجسد في الاعتبار العالي للنشيد الوطني والعلم الوطني ... الخ. ومن هذا الاسم تكتسب "الوطنية" صفةً لا تعلوها صفة في المضمار السياسي، من حيث التقدير والاعتبار والأثر النفسي. غير أن الحدود السياسية، أي الاطار "الرسمي"، عنصر حديث قياساً على العناصر الانتمائية التي انغلق عليها هذا الإطار، واحتواها داخله بصورة اعتباطية، غالباً، ناتجة عن صراعات قوى وتوافقات ومؤامرات ... الخ. الحدود السياسية فرضت على عناصر الانتماء القديمة (أديان وطوائف وقوميات وأعراق وقبائل ...) تقسيمات حادة، فوجدت جماعات الانتماء هذه نفسها موزعة بين دول، وبات على أفراد هذه الجماعات أن يجعلوا انتماءهم إلى هذه الحدود السياسية المستجدة (الوطن)، أقوى من انتماءهم إلى جماعاتهم سواء منها من بقي ضمن الحدود أو من رمته "الأقدار" خارجها. وكان على "الدولة الوطنية" أن تمشي بهذه العملية "الانتمائية" الجديدة إلى حدود صياغة هوية وطنية مغروسة في الوجدان ومحترمة في العقل ومحمية بالمصلحة الفردية والجماعية، إلى درجة منافسة الانتماءات الأخرى والتفوق عليها. ولكن الدولة الوطنية فشلت في هذا، لأسباب باتت موضوعاً لدراسات غزيرة.
الانتماءات والجوانب المتعلقة بالهوية معقدة بطبيعتها، والدولة الوطنية المستجدة في بلداننا وُلدت مأزومة وغريبة عن المجتمع وتحت ضغط استعماري دائم. وإذا كانت هذه الدول قد نجحت في فرض نفسها على المجتمع وفي الاستمرار كهياكل سياسية، فإنها فشلت في صناعة انتماء وطني يتفوق في المصلحة والوجدان على الانتماءات القديمة، الأمر الذي حول "الوطن"، في الواقع، إلى محل لصراع مخفي أو معلن بين الهويات القديمة داخل وخارج مؤسسات الدولة. الانتماءات المدنية الحديثة (أحزاب، نقابات، جمعيات) أو المؤسسات الحديثة (المدارس، الجامعات، الدولة)، لم تستطع تجاوز الانتماءات القديمة. وكان من الملامح البارزة في سياق الصراع السياسي في هذه البلدان سعي التشكيلات السياسية التي تقوم، رغم حداثتها الصورية، على عصبيات قديمة، وبقدر ما تسمح الظروف، إلى تمثيل "الوطنية" العامة بوصفها بوابة عبور إلى سيطرة شرعية، مضمونها سيطرة هوية قديمة على بقية الهويات تحت ستار وطني. وأكثر الظروف ملاءمة لمثل هذا التنكر الوطني (بمعنى التمويه والنكران في الوقت نفسه)، هو الاحتلال الأجنبي المباشر. كما كان الحال في جنوب لبنان قبل العام 2000، أو في أفغانستان بعد 2001، أو في العراق بعد 2003.
في هذه الأمثلة، تنكرت عصبية لا وطنية في إهاب عصبية وطنية ثم تولت المهمة الوطنية، التي هي النضال ضد الوجود الأجنبي العسكري المباشر. وبما أن رفض الاستعمار هو عنصر مشترك في الثقافة العامة إلى اليوم، رغم الفشل الموصوف لحركات التحرر الوطني في مرحلة ما بعد التحرير، ورغم التجارب التي بينت أن أداء مهمة التحرير لم تكن سوى بوابة لسيطرة جماعات غير وطنية، فقد حازت القوى المضادة للأجنبي أو للمحتل (حزب الله في لبنان، طالبان في أفغانستان، قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين) على اعتبار عام جرى استثماره في فرض سيطرة فئة عضوية من المجتمع، أي فرض سيطرة "لا وطنية". فكان أن استخدمت الوطنية لقتل الوطنية.
على أن الموقف شبه الغريزي من الأجنبي أو الوطنية بالتضاد مع الآخر الأجنبي، بدأ يشهد تحولاً ملحوظاً عقب الثورات العربية التي كانت خالية من هذا الملمح "الوطني"، لصالح حضور البعد الديموقراطي، غير أن هذا البعد كان بدوره عرضة للمرض نفسه. فقد تكررت آلية اشتغال الهويات القديمة في سياق التصدي لسيطرة طغمة على جهاز الدولة (المهمة الديموقراطية)، كما شهدنا في الثورات العربية بعد 2011، ولاسيما الموجة الأولى، وفي سوريا واليمن وليبيا، بوجه خاص. هنا أيضاً برزت أكثر من غيرها، ومع الوقت، الهويات القديمة للتصدي للمهمة مستفيدة من الطاقة الكامنة فيها. ولكن هنا، على خلاف النضال ضد آخر أجنبي، حشدت الهويات القديمة في المجتمع على الجبهتين، وتنافست على الرداء الوطني (تمثيل المصلحة الوطنية)، كما تنافست في ساحات القتال، وانتهت إلى تمزيق هذا الرداء.
الحضور الفاعل للهويات القديمة يحيل المهمة الوطنية (العدو الخارجي) من فرصة لتحقيق المزيد من الاندماج الوطني، إلى فرصة لإنعاش الهويات القديمة وخلخلة الحياة الوطنية. ولم تكن المهمة الديموقراطية (العدو الداخلي) في منأى عن هذه العلة التي قادت إلى تشديد الاستبداد وتزويده بأسباب البقاء.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية