حروب العقيدة

عباس علي العلي
2021 / 8 / 27

هل حقا أننا نعي وجود الله في حياتنا اليومية وتأثيرا هذا الوعي على مختلف إراداتنا وسلوكياتنا وقراراتنا التفصيلية ومنها أيضا ما يتصل بتكوين وبلورة الرؤية الكلية لكل فرد مؤمن بوجود علاقة ما بينه وبين الله ,أيضا من المؤكد كل منا سيدافع وبشدة عن فهمه لهذا الوجود وعن شكل الفهم إن كان الأغلب يرتبطون بقواسم مشتركة مثلا أن الله قوة فوقية لا تدرك بالحدود ولا تعرف بالوصف الشخصي مثلا, وأيضا يشتركون بأن هذا الوجود له دور حساس ومفصلي بل وأحيانا كلي في تيسير خياراتنا ,في حين أن هناك فئة تختلف وتبتعد بخطوة أو خطوات عن هذا الفهم لحدود إنكار ما يمكن أن ينسب لهذا الوجود من خوارق بل يؤمنون أن وجود الله هو فقط عند نقطة البداية وسنلتقي به أخيرا في نقطة لا نهائية الزمن أو مؤجلة في أحسن تقدير ,وهناك من يرى وجود الله مجرد خدعة بشريه يحاول البعض ترويجها أو روج وسوق لها البعض لترتيب معادلات لا تتصل بما هو منكر منطقيا وماديا ولكن تتصل من حيث النتيجة بالمسير والمسير له أي المسوق والمتلقي فقط .
مع أنني أؤمن تماما أن مسألة كيف نعي وجود الله ليس لها ضابط محدد ولا قانون يجب أن يتبع حقيقة لأن أداة والوعي والإدراك عند الجميع أساسا متفاوتة ومتباينة في القدرة وفي الوسائل وحتى في الكيفيات , لذا لا أعول على الحصول على إجابة قاطعة بقدر ما يمكنني التنبؤ بمساحة واسعة من الاختلاف والتباين التي يصل مداها لحد التناقض والتضاد , المهم من محاولة السؤال هو أعادة صياغة فهم متقارب أو لنقل أعادة بناء قاسم مشترك لهذا الوعي العقلي على مستوى منطقي نعرف من خلاله أهمية أن على استعداد أن نزيل الأحتقان السلوكي الناتج عن التناقض ومن ثم الوصول إلى درجة أبعد من التسامح الذي على منح الحياة فرصة للتجدد بمفاهيم مرنة ومتقبله وتساعد على السلام .
قد يرى البعض أن هذه المباحث المثالية ليست ذات أهمية بالقدر الذي يجب أن تتناوله أبحاث أخرى تساعد على تثبيت علاقات إنسانية أكثر نضجا وأكبر استيعابا لإشكاليات الإنسان مثل الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والأعتراف بدور القيم العليا المؤسسة لعلاقات وأطر قانونية ملزمة لمجتمع عالمي خالي من العنف والجريمة والفقر, قد نحتاج لهذا بالتأكيد ولكن من خلال السيرة التأريخية للإنسان نرى أن الجريمة التي أرتكبها الإنسان الأول ولليوم هي جريمة دينية بمعنى أنها جرت بباعث ديني والسبب في اختلاف طريقة معرفة وجود الله ووعي هذا الوجود , قابيل عندما قتل شقيقه لم يكن هناك صراع أقتصادي ولا حرب بسبب فتاة أو نزاع على فكرة دنيوية ولكن السبب كان أن الله تقبل من أحدهم ولم يتقبل من الأخر .
لليوم ما زال الصراع الأكبر بسبب الاختلاف في هذه الناحية برغم جهود الإنسان العاقل المنفردة أو التي تنطوي تحت حث سماوي غيبي ولكن الجريمة الدينية الناشئة من فهم أو سبب أو دافع متعلق أو ناشئ أو مبرر باسم الدين ,ما زالت هي الجريمة الأكبر في ضحاياها والأكثر تأثيرا في إفساد حياة البشر وتحويلهم إلى وحوش ضارية ,الأديان بريئة من هذا الميل الحيواني للتنازع والتصارع ,ولكن تقصير الإنسان ككائن واع ومدرك لحدود وشكليات وتجسيدات هذا الوعي ,وعدم محاولته الجادة لدراسة القضية بأسبابها وعلاتها والخروج بقاسم مشترك قد يقلل من فرص تكرار التجارب المأساوية ,يعد عاملا خطيرا ومقلقا لليوم ,مع ما نراه من حروب دينية طاحنة بين أتباع الديانات والمذاهب والقراءات الذاتية ,وكلها تعود لعدم وجود رؤية متقاربة تسمح للجميع أن ينظموا لهدف واحد ,هو أن يجعلوا من الدين مصدر تشارك وائتلاف وتعايش بدل أن يكون مصدر شقاء وعذابات لا تنتهي .
في حياة المجتمعات الإنسانية حركتان تتحكمان في التبدلات والتحولات الوجودية المؤثرة في الصيرورة التاريخية لها وفي تحديد مسارات الحركة وتوجهاتها التي تعيد صياغة مركز ودور الإنسان في هذا الوجود ,وهما الصراع الديني والتنازع الطبقي المرتبط والناشئ من الصراع الأول في حقيقته الجذرية المرتبطة برؤية الأنا المتضخمة الذاتية المنشأ الموضوعية في الحركة .
الفرق بين الصراع الأزلي الأولي الذي تبناه الإنسان وبقوة إنه حراك إقصائي إلغائي متطرف دوما وعنيف لا يتوانى أن يستخدم كل الممكنات في هذا الصراع وفي افتراضاته المسبقة التي لا تقبل الحوار أو المناقشة فيها ’ لأنه تبناها هكذا وبهذه الحولية والشمولية التي تمنعه حتى التفكر بفرض لماذا الصراع ؟, ومن السهل الوصول به للنهايات الحرجة في الخيارات وهو الهلاك والفناء لطرفي الصراع , فكل منهم يعتمد على فكرة الحق في خوض الصراع ,وكل منهم متمسك بنهاية لا بد من أن تتحقق ,وهي أنهم يدافعون ويدفعون خطر عن قوة منحتهم الحق هذا, وبالتالي فهم مندفعين لأجل غايات مقدسة وعليهم واجب الإخلاص لهذه القدسية .
في النوع الثاني من الحراك وهو التنازعات الطبقية نجد أن دائرة الحراك وشكله والمجالات التي يجري خوض الحراك فيها لا تستدعي حتما وبالضرورة ما وجدناه في الصراع الديني , هنا تتحكم المصالح بدل المقدسات ويلجأ العقل دائما لابتكار شروط وقوانين للتنازع تجعل منه ساحة سلوكية تنتج في النهاية فرضيات وحلول تتجه نحو المصلحة الشخصية لطرفي التنازع دون أن تفترض ابتدأ الوصول للنهايات الحرجة التي يتجنبها طرفي النزاع لأنها تشكل خسارة للغاية من الوجود والغاية من النزاع لذا فهما أذكى بكثير من المتصارع الديني .
الصراع الديني صراع مميت من أجل الأفكار والرؤى بالضرورة أن تكون مثالية, والنزاع الطبقي حراك من اجل مصالح وغايات مادية ,هذا هو الإعلان الأساسي الذي يتبناه عادة المتصارعين والمتنازعين ولكن الحقيقة المادية التي لمسها الدارس لهذين الحراكين لا تقتضي بالضرورة أن يكون الدافع الحقيقي هو الشعار المعلن , فقط الذي ينخرط بهما وكأنه يتبنى الشعار كما هو يمكن أن نجد له حق التمسك بما يعتقد أنه ينخرط لأجله لأنه مدفوع ومستثار لأجل مقدس يعتقد أن يحقق بانتصار هذا المعتقد أنتصار شخصي له وسيتلقى الجزاء منه على إخلاصه ووفاؤه لهذا الذي يقاتل له وعليه .
علينا التفرقة في دراسة الصراعات والنزاعات الإنسانية الوجودية بين قادة ومحركي ومتبني ومسوقي الصراع أو النزاع وبين الأدوات التي ستسخر فيهما وهما عادة الشعوب وأفراد المجتمعات الذين يستثارون فقط لينخرطوا دفاعا عن حركة لا تخدمهم ولا تراع إنسانيتهم ومع ذلك نراهم هم الأكثر حماسا والأكثر تضحية وإن خرجوا دائما بلا نتائج مهمة, الرؤوس الدينية والطبقية هي التي تسخر الصراع الديني لغايات تخدم متطلبات الأنا الخاصة والذاتية لهم , وفهمهم لكيفية إدارة شؤون الكون وقد يحتال البعض منهم ليس في طرح شكلية الحراك بل بتوجيهها وصناعة الرمز الذي يتصارعان من أجله وهذا ما يحدث غالبا في الصراعات التي تنطلق من قاعدة واحدة ولكن الرمز فيها مختلف .
أحيانا يتداخل الصراع مع النزاع وتتبادل المسميات وتتنوع الوسائل لكن في النهاية تفوز قيم ونتائج التنازع في المحصلات والمخارج وإن كانت طرائق التصارع والكيفيات هي التي يدار بها هذا الحراك المختلط , في مكة تحول الصراع بين قريش وساداتها وبين الرسول والفقراء إلى مثل هذا النوع من الخلط , الرسول ومن معه خاضوا صراعا فكريا حضاريا على قاعدة دينية , قريش دافعت عن دينها ليس بعنوان أنها تعتقد الإخلاص للعقيدة ولكن بمعنى أنها تدافع عن المصالح التي تضمنها العقيدة , نتائج الصراع التنازعي بقيت رؤوس قريش المصلحية وذهبت عقيدتهم , لكن المسلمين قدموا الكثير من التضحيات لجل أنتصار عقيدتهم فقط , الحال اليوم يشير لنفس العنوان في صراع تأريخي أخر شكله صراع ديني ومحتواه تنازع مصالح طبقية أرضه وواقعه فلسطين وأبطاله مؤسسات ومصالح واستراتيجيات جبارة .
هذا الخلط لا يخرج صورة التنازع من محتواها الديني ولا يسقط فرضية أن التنازع اختفى لمصلحة الصراع , لكن يبقى هناك عنوان وهناك مضمون , ودائما العناوين هي التي تحرك الناس وتدفع بهم للوجهة التي يشير لها العنوان , في صراع داعش مع المجتمع الأخر المماثل والمناقض والمضاد نجد أن ما دفع الحواضن والشباب للانخراط به ومع هذه القسوة والتطرف اللا معهود كان السبب الأول عنوان الصراع "دولة على منهج الخلافة" هذا ما يدفع الكثير للانتحار في صراع عبثي سينتهي حتما في لحظة مقدرة, ليس لأن أعداءها أكثر وأكبر قوة , ولكن لأن التجربة السابقة أثبتت أن الصراعات الدينية غالبا ما تنتهي أما للتشتت والموت أو للتدجين بعد أن تلعب المصالح الطبقية لقادة الصراع دورا محوريا في توجيه بؤرة الصراع للداخل لتتفجر قوة الصراع الذاتية على نفسها .
المتتبع لحركة الصراع الحضاري بين الشعوب والأمم المختلفة على وجه الأرض وابتدأ من الأحداث الأولى التي دونها التاريخ وأحتفظ بسجلاته مرقومة أو مدونة, ومن خلال عزل التبريرات والتأويلات عن الحدث ووجهات النظر التي يعتمدها عادة المؤرخين قراء أو مدونين , نجد أن العوامل التحفيزية للصراعات دائما هي عوامل التنافس الديني دفع خطر أو اندفاع تبشيري لا عوامل سجلها المؤرخ غير ذلك أولا لكون الطبيعية السياسية لأنظمة الحك كانت تعتمد فكرة الابن الإله أو الملك الإله وتطوراتها فهي قائمة على أس ديني والتنازع الذي يحصل بسبب هذا الأس , من غير المعقول أن تكون النزاعات الناشئة في منظومة دينية متحكمة بكل خيوط ومسارات الحياة الطبيعية للناس أن تنصاع في صراعها لعناصر خارجها ولا تنتمي لها , لا يمكن مثلا لنوع الحضارة بالوجه المادي وأسس قيامها من الناحية المادية أن تصارع فكرة الدين أو قوة الدين في مثل هكذا أنظمة ومنها مثلا العامل الاقتصادي بالشكل الذي تعتمده بعض النظريات المادية .
مثلا في العراق القديم كل الحضارات التي قامت ونشأت وترعرعت كانت تدور في فلك ديني محض ,من القاعدة العقائدية تنتج أفكار ورؤى حضارية متنوعة تبنت خيرات متنوعة واتجاهات متعددة كل منها أنتج شكلية تعبيرية مدنية ما تمثل وجهة قرائية للدين المعتمد لفكرة الحياة اليومية, مثل الثقافة والفن وطرق ممارسة الحياة والعمارة والقانون وحتى في مجالات التعامل البيني اليومي بين الأفراد نجد للدين حضور واقعي ومؤثر وحاسم وضروري أيضا, هذا الواقع منح الدين خصوصية تترافق مع اعتزاز الأنا الذاتية بوجودها الذي يدفعها دفعا لأن تتضخم تجاه الأخر المنافس الأخر الذي تستشعر معه بالتحدي وتستثار للإجابة والتصدي فيصبح النزاع الفكري متأهلا بالدوافع الدينية وإن كانت شعار ليتحول إلى صراع تقوده القوى المتنازعة ولكنه يأخذ شكل صراع عنيف دامي مهلك ومكلف وقطعي .
الصراع أذن ترافق مع تعدد الأديان وتعدد القراءات وتعدد النظر لتصور الإنسان لوجود الرب الإله الخالق ومن ثم مع حضور الأديان الإبراهيمية تحولت الصورة لمعنى الله , من هو وكيف هو ولماذا هذه الخيارات التي يعتمدها مع وجود نصوص مكتوبة ومتعمدة؟ لكنها تعط في كل مرة وحسب القراءات الفردية أجوبة مختلفة تراوحت بين الرب الجميل اللطيف الذي يحب الناس ويريد أن يساعدهم لاجتياز فترة الامتحان الوجودي إلى صورة الرب المتكبر المتجبر العنصري الجلاد المتهستر ,الذي لا يرى في الإنسان إلا كائن لا بد أن يقهر ويذل ويستعبد كي يثبت لنفسه أنه جبار, الغريب أن كلا القراءتين موجودة في نص واحد قابل للتنوع في استخراج النتائج وبناء النظرية التي ستستولد جوهر الصراع وترتكز به وله .
هل هذا يعني حتما وبالضرورة أن وجود الدين في حياة الإنسان من حيث هو وجود فقط سبب كافي ومبرر للتنبؤ بالصراعات بل ولنقل كلام أكثر وضوحا أن الدين هو مصدر الشرور البشرية ومصدر العذابات وهو المسئول الأول عن مأساة الإنسان الوجودية وكلما أبتعد عن التقيد بعقيدة أو دين أو منهج يتبنى نظرية الحق المطلق سيلاقي نفسه في خضم صراع ما ,صراع من أجل هذا المطلق ومفاهيمه أو من أجل أن يستجيب لما هذا الحق المطلق من أوامر وتوجهات .
الكثير من الناس يقول نعم والكثير ينفي أصلا علاقة الأول بالثاني ويعيد القضية أصلا لطبيعة الإنسان الشرير , الإنسان القاصر الأناني الذي لا يريد للحياة أن تستمر طبيعيا مدفوعا من شياطين تعمل كل ما يمكنها لتخريب العلاقة الفوقية التحتية التي بسببها تتخرب العلاقة الأفقية بين الإنسان والإنسان , الصحيح أن كلا الإجابتين تملك شيئا من الواقعية ولكنهما لا يملكان الحقيقة التي يقر بها التأريخ الإنساني ويستبعدان من النظر قضية أهم وهي قضية الميل الإنساني الطبيعي للتفلت من الأطر المنظمة واختياره الحرية خارج قواعد الطبيعة لتحل محل قوانين سيرورة الوجود اللازمة للانتظام , ليس لأنه يختارها في كل مرة وهو مدرك أنما يختار ما يناسب , بل لأنه يستدرج باللا وعي لخيارات الأنا ومذهبها القائل "أنا وبعدي الطوفان : أو "أنا وغيري الشيطان ".
الدين سواء أكان منزلا على قول أنصاره أو متجسدا لرؤية من بشر به ما هو إلا طرح معرفي فكري يتناول جانب أو أكثر من جوانب الحياة كي تسير وفق رؤية يراد لها أن تدفع العقل البشري ليتبنى خيارات وأفعال وممارسات تجسد هذه الرؤية , ومن هنا ومن حيث شكلية الدين لا يمكن أن تدفع الإنسان لأن يتصارع من اجل نظرية لم تثبت لا البراهين والوقائع أنها نجحت تماما في التغلب على الإشكالية المستهدفة والدليل أن الإنسان وبعد أكثر من سبعة ألاف سنه من التدين ما زال في نفس الإشكالية الأولى ولم يتزحزح عن معتقده وسؤالاته الكونية الأولى .
فمن باب أولى أن يغير من منهجية البحث وطريقة الرسم التي فشل فيه للوصول لنتائج حاسمة سواء من الدين أو من غير مصدر ,أذن الدين مستغلا من قبل الإنسان فشل في طرح نموذجه المثالي في إشكاليات تعارض الحرية مع الطاعة الواجبة ,وفشل أيضا أن يغير من قناعات البشر فيما يقوله مستندا للغيب ورب لا يراه , وفشل في دفع المتدين أن يقول ويقر بفشله من أن الأجوبة غير مقنعة في كل مرة ,والسبب الكبير والعظيم الذي يمنع الإنسان من ذلك أنه غطاء القدسية الذي يوحي له في كل مرة أن الإقرار بالفشل الديني يعني إقرار بفشل الديان صاحب الدين المتحكم الخفي الذي سينتقم من أي محاولة لعزله أو تحييده أو إلقاء اللوم عليه , وهنا يصبح الإنسان متخبطا بخياراته بين القبول على أعادة التجربة في كل مرة على أمل أن يقف الرب في هذه المحاولة معه وينصره تجاه الرب الأخر والدين الأخر وهو غير واثق أصلا من قدرة القراءة التي يتبناه أن تنتج نصرا حاسما وبينا .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية