قصص وحواديت من العالم القديم (09)

محمد زكريا توفيق
2021 / 8 / 27

تراجع العشرة آلاف يوناني، زينوفون:

لقد مر بنا قورش واحد، لكن هناك آخر. بعد حوالي مائة وثلاثين عاما من وفاة العظيم قورش الأكبر، ابن قمبيز، ملك بلاد فارس، عاش قورش آخر في بلاد فارس، ولكن لم يكن بنفس العظمة.

كان قورش الأخير ابن داريوس، وكان غيورا لأن شقيقه الأكبر، أرتاكسيركس، اعتلى العرش بدلا منه. حتى أنه حاول منع ذلك. لكن تم اكتشاف مؤامراته. ورغم ذلك، عفا عنه الملك، وأعطاه مقاطعة بعيدة.

عندما بلغ قورش من العمر 23 سنة، بدأ يتآمر ضد شقيقه الأكبر، أرتاكسيركس، واستنجد باليونانيين طالبا مساعدته في خلعه. لجأ كليرخوس، القائد الاسبرطي والمطرود من اسبرطة، إلى قورش للمساعدة. جنوده لم يكونوا يدرون من يحاربون. وعندما علموا أنها حرب، يقوم بها أخ ضد أخيه، بدأوا يتململون، ثم صاروا يحتجون بصوت عال.

ثم اشتعلت الحرب، وقامت معركة كبيرة بين الأخوين، في كوناكسا، وهي بلدة تقع على بعد 25 فرسخا من بابل، والفرسخ يعادل ثلاثة أميال بالتقريب.

كان لدى قورش 113 ألف جندي، أما أرتاكسيركس، فقد كان لديه مليون ومائتي ألف جندي. كل جيش منهما، مصمم على ذبح جنود الجيش الآخر.

كلا الجيشين كان لديهما عربات مسلحة بالمناجل (جمع منجل). المناجل كانت مثبته بالعربات في وضع منخفض، لكي تمزق، وهي تتقدم، كل من يعترض طريقها شر ممزق.

في البداية، فاز قورش واعتقد أن الأمر قد دان له، وأن الملك أصبح قاب قوسين أو أدنى. لكن أرتاكسيركس يعاود الهجوم، ويلتقي الأخان وجها لوجه. وبعد قتال شرس، قُتل قورش، وفر جيشه. كان ذلك عام 401 ق م.

بعد مقتل قورش، أرسل أرتاكسيركس إلى الإغريق يطلب منهم الاستسلام، لكنهم رفضوا طلبه، وأكدوا له أن هذا لن يحدث بأي حال من الأحوال. نجوم السماء أقرب لك.

كليرخوس، القائد الاسبرطي، والذي كان يقاتل مع قورش، دعاه أحد قواد أرتاكسيركس، إلى مأدبة عشاء للصلح، هو وباقي الضباط اليونانيين الذين كانوا يقاتلون معه. ثم أمر بالقبض عليهم وقتلهم جميعا أثناء تناولهم الطعام، ولم تفلح وساطة والدة الملك وطبيبه الخاص في العفو عنه. مذبحة المماليك التي قام بها محمد علي باشا في أوائل القرن التاسع عشر، لم تكن الأولى في التاريخ.

بعد مقتل قورش وقادة جيشه، كان الجنود في حالة ذعر شديدة. لكن بناء على نصيحة زينوفون، تم اختيار قادة جدد للجيش من الأثينيين الشباب، وكان زينوفون واحدا منهم.

انسحاب هذا الجيش، الذي كان يتألف من عشرة آلاف رجل، هو حدث يعتبر واحدا من أكثر الأحداث إثارة في التاريخ. بالنظر إلى خريطة بابل واليونان، سنلاحظ كم من الصحاري والتلال والأنهار تقع بين المكانين. حتى البحر يجب عبوره للانتقال من بقعة إلى أخرى.

كل هذه العقبات والمساحات من أراضي العدو، قد اجتازتها هذه الفرقة الصغيرة الشجاعة من اليونانيين. وقد كتب زينوفون وصفا ساحرا لهذ الانسحاب المعجزة. الذي لا يقل عظمة عن انسحاب روميل، القائد الألماني، في الحرب العالمية الثانية.

عادة، يكتسب العديد من الرجال شهرة عالية من خلال الانتصارات في المعارك، لكن الطريقة الشجاعة والمهارة الفائقة، التي انسحب بها هذا الجيش المهزوم، وعودته إلى الوطن سالما في أمان، تمنح المزيد من الشرف والفخار لقواده، أكثر من أي شرف يمكن الحصول عليه بالغزو والنصر على الإطلاق.

استغرقت رحلة الذهاب والعودة من بلاد فارس خمسة عشر شهرا. كانت تتحرك بمعدل 18 ميلا في اليوم للذهاب، و15 ميلا في العودة.

أم أرتاكسيركس وقورش، باريساتيس، كانت أكثر النساء قسوة وسوءا. لقد فعلت أشياء شريرة كثيرة. منها أنها قتلت جميع أولاد الملك هيدارنيس، ولم تبق إلا على ستاتيرا، حتى تبقي تاج الحكم الفارسي لأولادها هي.

وعندما تزوجت ستاتيرا من ابنها، أرتاكسيركس، وأصبحت قريبة من قلبه، قتلتها هي الأخرى. تظاهرت بحبها، وبينت لها علامات الود. ثم دعتها لتناول العشاء معها.

أعدت باريساتيس عشاء فاخرا، ووضعت نصف طائر مشوي في طبق ستاتيرا، والنصف الآخر وضعته للتمويه في طبقها هي. نصف طائر ستاتيرا كان مسموما. نصف طائرها هي لم يكن. بعد العشاء، شعرت ستاتيرا بآلام عنيفة وتشنجات رهيبة، ثم توفيت بعد ذلك بساعات قليلة. آدي الحموات وإلا فلا.

ذعر أرتاكسيركس لوفاة زوجته الحبيبة بهذه الطريقة الغادرة. لكنه كان يعرف قسوة أمه وجبروتها. لذلك أمر بتعذيب جميع خدمها، فاعترف أحدهم بالمؤامرة الشائنة بأكملها وبتفاصيلها.

كانت باريساتيس الشريرة، قد أعدت مسبقا سكينا، وعالجت جانبا منه بالسم، والجانب الآخر كان نظيفا خاليا من السم. ثم قامت وهي تبدي كرم الضيافة بقطع الطائر المشوي نصفين بنفسها.

كانت حريصة ألا ترتكب أي خطأ قد يودي بحياتها هي. بذلك، لن يشك أحد في فعلها. فهي قد أكلت من نفس الأكل الذي أكلت منه المسكينة. ولنا أن نتخيل كمية الشر التي وضعت في قلب إنسانة بشر، غير عادية. ولم يشفع لها كونها ملكة، أو امرأة، أو أم.

ماذا يفعل أرتاكسيركس بأمه التي ولدته؟ لم يستطع سوى نفيها في بابل، وتركها تقضي بقية عمرها وحيدة بعيدة عن حياة القصور ودسائسها.

الغال، تحت قيادة برينوس، 385 ق م:

فرنسا، في الزمن القديم، كانت تسمى بلاد الغال. تفصلها عن إيطاليا سلسلة طويلة من التلال العالية، تسمى جبال الألب. يقال إن بعض سكان الغال، مروا بالصدفة فوق هذه الجبال. ففتنوا بجمالها وسحرها.

وجدوا على الجانب الآخر، كروم العنب والفاكهة والزهور تكثر وتنتشر في كل مكان. عندما عادوا إلى بلدهم، لم يفعلوا شيئا سوى الحديث عن كل ما قد شاهدوه.

بعض مواطنيهم، أرادوا رؤية هذا المكان الجميل. بعد فترة وجيزة، عبروا جبال الألب، واقاموا مدنا صغيرة، استقروا فيها عند سفح هذه التلال الهائلة. كان الغال في ذلك الوقت شعبا بربريا، خشنا في أخلاقهم، همجيا في لباسهم، شرسا، لكن شجاع شديد المراس.

بعد حوالي خمسة عشر عاما من انسحاب اليونانيين الشهير من بلاد فارس، وحوالي مائتي عام بعد زيارتهم الأولى إلى إيطاليا، سار سكان الغال، تحت قيادة ملكهم برينوس، وقاموا بحصار بلدة تسمى كلوسيوم.

كان سكان البلدة مذعورين جدا من الجيش الكبير الذي جلبه برينوس معه. إنهم يعرفون شراسة جنود هذا الجيش. لذلك، التجأوا إلى روما، يستنجدون ويستجدون المساعدة. لكنهم خاب أملهم، ولم يحصلوا منها على شيء. وبعد فترة وجيزة، كان الرومان أنفسهم منزعجين جدا من اقتراب الغال من مدينتهم، روما.

كان هؤلاء البرابرة، قويو العزيمة كثيرو العدد. سرعان ما هجموا على روما. غالبية السكان، فروا إلى المدن والقرى المجاورة طلبا للأمان.

الشباب ومن بقي من الرجال القادرين على حمل السلاح، لجأوا إلى مبنى الكابيتول، وهو مكان كبير مثل القلعة، فوق تلة عالية. عقدوا العزم والنية على الصمود إلى آخر رجل ضد العدو. كبار السن من الرجال اجتمعوا في مجلس الشيوخ، لبحث مصيرهم وما يمكن عمله.

كان الغال سعداء لدخول المدينة دون مقاومة. ركضوا ورقصوا في الشوارع وهم يتساءلون، أين اختبأ السكان؟ أخيرا، ذهب برينوس وبعض جنوده إلى مجلس الشيوخ.

هناك، رأى أعضاء مجلس الشيوخ المسنين يجلسون هادئين وغير متأثرين. المظهر الموقر لهؤلاء الرجال المسنين النبلاء، جعل الغال يخافون من الاقتراب منهم، وغير راغبين في إلحاق الأذى بهم.

لكن جندي غبي قام يهز بلطف لحية أحد الشيوخ الرومان، الذي شعر بالإهانة من هذا الفعل، لدرجة أنه ضرب الجندي على رأسه بعصاه، التي كانت في يده: أثارت هذه الضربة غضب البرابرة على الفور. فقاموا بذبح جميع أعضاء مجلس الشيوخ، وإحراق منازلهم.

كم كان مروعا حالة الرومان الفقراء! الرجال القليلون الذين بقوا في المدينة، كانوا يقتلون بطريقة بربرية. النساء يصرخن طالبات الغوث، والأطفال يبكون، والنار مشتعلة في كل مكان، والجدران والمنازل تتهاوى في كل لحظة.

في وقت الشدة هذا، لم يستسلم الرومان جميعا للغاصب. فقد بذل رجالهم الشجعان، ما في وسعهم لطرد العدو، واستعادة مدينتهم الحبيب. الفرقة الصغيرة التي بقيت في الكابيتول، صمدت وقامت بكل الترتيبات الممكنة للدفاع.

كان هناك روماني، يدعى كاميلوس، كان ذات مرة ديكتاتورا. وهو منصب مؤقت يعطيه الرومان لبعض القادة وقت الشدة. عندما كان كاميلوس يهاجم مدينة فاليري، أخبره مدير مدرسة، بأنه لديه أولاد المدير، وهو مستعد لتسليم المدينة، في نظير استعادة أولاده.

لكن الروماني النبيل، الذي صدم من هذا العمل الغادر، أعاد الأولاد سالمين إلى ذويهم، وأعطى كل واحد منهم عصا، لكي يضرب بها كل خائن لوطنه.

أرسل كاميلوس، بعد أن تصرف بنبل وقاتل من أجل روما، إلى المنفى في أرديا، دون أن يبكي عليه أحد. عندما جاء برينوس ينهب تلك المدينة، نسي كامليوس ما حدث له، وبدأ يحث أهل أرديا على إرسال متطوعين لإنقاذ روما وتحريرها من الطغاة.

وقعت حادثتان أو ثلاثة أثناء حصار روما. كان الكابيتول على وشك الاقتحام على حين غرة. بعض جنود الغال، تسلقوا الصخرة شديدة الانحدار، والتي بني فوقها الكابيتول، وكانوا على وشك قتل الحراس، والاعلان عن سيادتهم للمكان.

هنا جاءت مجموعة من الأوز البري، قد أيقظتها الضوضاء، وأخذت ترفرف بأجنحتها، وتصيح بصوت عال. مما أيقظ الحراس، اللذين سارعوا بالقبض على المتسللين.

وقع الاختيار على كاميلوس لكي ينصب دكتاتورا مؤقتا. لكن كاميلوس كان قد نفي من قبل الرومان، ولن يتمكن من العودة قبل أن يتم إلغاء الحكم الصادر بحقه.

وكان من الضروري إرسال رسالة إلى مبنى الكابيتول لهذا الغرض؛ لكن، الكابيتول المبني فوق صخرة عالية، كان محاصرا من قبل معسكر العدو. وصول الرسالة إلى مجلس الشيوخ في الكابيتول، كان أمرا خطيرا جدا.

شاب شجاع، يدعى كومينيوس، تطوع للقيام بهذه المهمة. غطى جسمه بلحاء الشجر. ثم طفق يطفو فوقت نهر التيبر، إلى أن وصل أسفل الصخرة.

ثم تسلق الصخرة بذكاء شديد، وسلم رسالته، وتلقى أوامر مجلس الشيوخ للرومان، بأن كاميلوس يجب أن يعود من المنفى وينصب دكتاتورا. ثم عاد الصبي بنفس الطريقة التي جاء بها. لقد خاطر كومينيوس بهذا الفعل البطولي من أجل قضية نبيلة، وبالتالي يستحق التمجيد.

روماني آخر أظهر بطولة مشابهة. كانت تقام مراسم دينية معينة في مكان معين من قبل أحد أفراد من عائلة معينة. فابيوس دورسو، هو أحد أفراد هذه العائلة، وبدونه، لن يقام الاحتفال الديني.

ارتدى فابيوس الزي المناسب، ونزل من مبنى الكابيتول، ومر من خلال حراس العدو. ثم سار بحزم إلى مكان الاحتفال الديني. بعد انتهاء الشعائر المطلوبة، وبوتيرة رصينة، عاد مرة أخرى إلى مبنى الكابيتول.

الغال، إما بسبب الإعجاب بشجاعته، أو لاحترام الواجب المقدس الذي كان يؤديه، سمحوا له بالمرور سالما.

هكذا سقطت روما من قبل الغال البربرية، ثم تحررت وتعافت من كبوتها ببسالة وفضيلة مواطنيها. الرومان في وقت ما، فكروا في شراء سلامتهم بالذهب، لكن كاميلوس، وصل تماما في الوقت المناسب. لكي يأمر بإرجاع كل الأموال إلى خزانة الدولة. ثم قال: "لقد اعتاد الرومان على شراء سلامتهم، لا بالذهب، ولكن بسيوفهم."

تصرف كامليوس، بحكمة وشجاعة، جعلت المقاومة تنتصر، وبعد وقت قصير، تمكنت من تقطيع جنود الغار إلى أشلاء، ولم يترك أحد منهم لكي يعود سالما إلى بلده.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية