الإرهاب الديني والإرهاب الأجتماعي

عباس علي العلي
2021 / 8 / 24

الإرهاب الأجتماعي

واحدة من الصور المسكوت عنها والتي قد يعتبرها البعض من نتائج تركيبية المجتمع وأرتباط صور التركيبي بما في الواقع من أعراف وقيم وتقاليد حاكمة تفرض نفسها على أنها تحصيل حاصل لذلك ,هي قضية الإرهاب الأجتماعي أو القوة الأجتماعية الغاشمة عندما تكون سطوتها وتأثيراتها خارج ما هو طبيعي ,في المجتمع الريفي القروي ومن قبله المجتمع البدوي المتنقل أو المتحكم للعقلية الفردية التي يمثلها زعيم القبيلة أو العشيرة هذا المجتمع وإن كان يحتكم لمبادئ عامة أحيانا ولكن ليس بالإمكان أن يتسلح الفرد بهذه المبادئ قبال القبيلة أو القرية وما تمثلهما من سلطة الشيخ أو الزعيم وإن كانت مقره وموجودة وعاملة لأن المرجعية الأجتماعية تفرض على الفرد الخضوع لمنطق أخر هو منطق القوة وإن تجاوز العرف والقانون الأجتماعي .
بمعنى أخر أن الفرد الأجتماعي لو كان على الحق ومنطلق من فرضية أنه يتبع القانون الأجتماعي قبال خطأ في التطبيق أو وجود حاجة لتصحيح موقف أجتماعي تتخذه القوة المسيطرة أجتماعيا إن تلاقي أستحسان الزعامة والرأي العام الأجتماعي سيتم التضحية بالقانون والفرد لأن الزعيم والشيخ وممثلي السلطة لا يمكنهم القبول بذلك لأن هذا القبول سوف يهز من القيمة المعنوية والاعتبارية للسلطة, وبالتالي هذا القمع الأجتماعي يمثل واحدة من صور الإرهاب الممارس ضد الفرد على مستوى مجتمع ضيق ,في المدينة وحيث تكون القوانين والقيم تتشارك بهما سلطتان سلطة الأعراف والقوانين الأجتماعية التي غالبا ما تكون عرفية عامة ضبابية وبين سلطة المجتمع الرسمية المقننة والمشرعة , نجد لظاهرة الإرهاب الأجتماعي حضورا قويا أيضا لا يقل سطوة عن مثيلها في المجتمع الريفي والبدوي .
المجتمع المدني في تحوله من مجتمع قيم وأعراف إلى مجتمع قوانين ومؤسسات ثابتة وعلنية ومشخصة يمر حتما بأزمة هوية ,هذه الأزمة تنشأ نتيجة تناقضات مرحلة التحول وما يرافقها من إفرازات مهمة من نضح الحركة نحو الأمام ,تتخلص الأزمة في شعور الفرد أنه في حالة مواجهة مع القانون الذي يريد تبديل شكل العلاقة البينية بين أفراده مستخدما سلطة قد تكون عصية أو غير قابلة للتحاور مع رغباته التي أعتاد على تسويقها أو ممارستها بالشكل الذي يطمئنه بشكل أو أخر أنه سيحصل على أفضل النتائج , مثلا في سبعينات أو بداية ثمانينيات القرن الماضي قررت الحكمة العمل بنظامي التوقيت الصيفي والشتوي والذي هو في النهاية ترتيب تقني لا علاقة له بالقيم أو أخلاقيات المجتمع ,شهدت هذه الفترة جملة من التشكيكات والتقولات التي وصلت حد أن البعض تصور أن القرار إنما يستهدف الصلاة من خلال إخراج المصلي عن التوقيت الطبيعي وبالتالي إبطال الصلاة تمهيدا لموضوع أكبر .
مثل هذه الحالات إن لم يترافق معها توعية وتعريف وشرح للمؤديات والنتائج ستولد شعور لدى الفرد الذي يعيش جملة التحولات أن يواجه إرهابا سلطويا أجتماعيا , وعليه أن أما أن يقاوم أو يرضخ مجبرا متذمرا مهيأ للتعبئة بكراهية للتحول وكراهية للسلطة إن كانت دفينة ,من هنا الكثير من حالات العداء التي تنشأ بين المواطن والسلطة الممثلة لقانون المجتمع أساس هذا التناقض والعداء شعور داخلي لدى الفرد أن السلطة تستهدفه في قيمه ,الحقيقة الكثير من أشكال السلطة تمارس إرهابا أجتماعيا ضد مواطنيها وخاصة السلطات التي تكون خاضعة بإرادتها أما لتكون ممثل أو نائب لسلطة أخرى أو مدعومة من سلطة أقوى لها ,لتفرض على الفرد مجموعة من المحددات والقوانين والقيم ليس للفرد مصلحة ولا للمجتمع مصلحة في تطبيقها وعندما يعترض المواطن على هذه الممارسات أو الفروض سيواجه بقسوة وعنف وإقصاء وللحد الذي يصل فيه الفعل السلطوي إلى القمع المميت .
هذا النوع من الإرهاب السلطوي لا علاقة له بالدين مثلا ولا بالسياسات الأقتصادية أو الأجتماعية وإنما يمثل انحراف حقيقي للقانون وللنظرية السياسية التي يجب أن يقوم عليها مفهوم السلطة في مجتمعات التحول أو لنقل الحقيقة في المجتمعات التي تخلو من قوة القانون لصالح قوة السلطة ,المواطن الفرد بشعوره أن السلطة خصمه الأساسي والتي لم تحترم وجوده الطبيعي ولا حقه في التعبير إنما تمارس إرهابا منظما وتحت رعاية قانون مجحف وإرهابي تدفعه لكراهية المجتمع أولا وكراهية الذات مما يؤدي به للتفريط بوجوده وإنهاء أما حياته الخاصة أو الأعتداء على المجتمع بضرب قيم ومصالح عامة ظنا منه أنه يحارب ويقاوم السلطة , وهذا المشهد حصل كثيرا في مقدمات ما يسمى بالربيع العربي عندما توجه الكثير للإنتقام من رموز السلطة عبر التخريب والحرق وحتى العمل ضد مصلحة الوطن بمسمى الثورة الأجتماعية والتغيير .
عادة المجتمعات التي تمنح الفرد حصانة ضد الإرهاب الأجتماعي عندما يجد نفسه أمام قانون عادل بمعنى أنه لا يفرق بين فرد وفرد لأسباب خاصة ولا يطبق إلا كنموذج عام ومجرد ,ويجد أن هذا القانون وعبر ممارسة السلطة لقضية تطبيقه تمنحه الفرصة بشعور أنه جزء مهم ومحترم مصان من العبث بحريته وخياراته ووجوده ويعترف له القانون بحق المواطنة تحت سقف واحد سينشأ على أحترام وحرص ذاتي على سلامة القانون وسلامة السلطة المشرعة والمطبقة له لأنه بذلك يدافع بإيجابية عن وجوده الطبيعي , وأيضا عندما تشيع ثقافة المواطنة بين أفراد المجتمع على قاعدة أن الوطن واحد والمواطن واحد وأن لا سلطة تعلو سلطة القانون وأن لا مصلحة تعلو مصلحة المجتمع ستكون أجهزة السلطة حريصة على أن تحمي أفراد المجتمع من الملوثات الأخلاقية كالكراهية والجهل والعنف والتمييز الأجتماعي والأقتصادي , هنا لا يمكن أن تنمو فكرة الإرهاب الأجتماعي ولا يتصور أن تنمو بذور العنف لأن المجتمع حريص على الحصانة الفردية ضد الإرهاب .
في المجتمعات الأخرى التي لا تقيم وزن لمفهوم المواطنة وتعتمد الخصيصة والتميز والتفرد والتمايز الأجتماعي بين أفراد الشعب ,ستكون عرضة وبيئة حاضنة ومفرخة لكل أسباب التناقضات والتمرد على المجتمع وإن لم تكن هناك عناوين خاصة وعامة سيخترع الأفراد عناوين خاصة وعامة لهم ليتمردوا , الشعور بالظلم سبب رئيسي في التمرد والشعور بالغربة الأجتماعية سبب رئيسي في التمرد , والشعور بهامشية الأنتماء سبب مباشر وحاسم لكي يخرج الفرد شاهرا سلاحه ضد المجتمع ظنا من أنه يحارب السلطة , في أحداث عام 1991 بعد هزيمة العراق في حرب الكويت شهد المجتمع العراقي ما يسمى في حينه فترة الغوغاء والبعض يسميها الانتفاضة ,خرجت الكثير من المجموعات الشعبية التي تستشعر الظلم والتهميش والإقصاء لتهجم على مؤسسات الدولة ومن ضمنها المدارس التيس تمثل قدسية أجتماعية خاصة لتنهب محتوياتها وتحرق البنايات ,لم يكن هذا التصرف وفقا للمقياس العقلي سليم لأن المدرسة والجامعة والمستوصف ملك المجتمع ولا يجب المساس به ولكن من الناحية السيكولوجية تمثل ردة فعل كارهة للسلطة وأنتقام فردي ناتج عن كبت وقمع متراكم داخل الشعور الجمعي للطبقات المسحوقة والمعدمة والمهمشة .
في مرحلة لاحقة وبعد سقوط نظام البعث وما يمثله من نظرية شمولية فئوية تحت عناوين جامعة ولكنها غير حقيقية ظهرت نفس الطبقات لتعبر عن مظلوميتها وبنفس الطريقة , وظهرت ثقافة جديدة أسمها ثقافة الحواسم ومعها منظومة من التعاريف والاصطلاحات والمسميات والسلوكيات التي تمثل تراجعا حقيقيا عن قيم المجتمع المتحول من نظام شمولي إقصائي قصري إلى نظام أو عد بنظام ديمقراطي تعددي تمثيلي ينشد العدالة , هذا التحول غير مستغرب بل متوقع ولكن ما هو غريب وغير متوقع أن السلطة التي قادت المجتمع أستجابت هي الأخرى لهذه الثقافة ومثلتها بأفضل تمثيل بدل أن تعمل على تصحيح وتصويب السلوك الجمعي نحو الديمقراطية والمدنية وحقوق الإنسان , هنا ولد الفساد المالي والإداري والسياسي بأبشع الصور عندما تحول الحاكم إلى غوغائي يريد أن ينتقم من المجتمع الذي يقوده وسمح للآخرين بممارسة هذا الدور .
قد يعترض البعض على هذا الكلام وأن ما أشرت له هي محاولات فردية تمثل انحراف شخصي ولا يمثل السلطة وأن الموضوع فيه من المبالغة ما لا يمكن القبول به , الحقيقة لو كانت هذه المحاولات فردية وتمثل أشخاصا معدودين لكان القانون وتجربة أربعة عشر علاما من التحول قادرة على أن تلجم وتصحح الوضع ولكن مجتمع وصل الحال فيه أن الكل يتهم الكل والكل يعمل ضد الكل والكل يتستر على الكل خوفا من الانتقام والأنتقام المتبادل ,ووجود قائمة كبيرة من شخصيات وقوى سياسية متهمة بالفساد وعلى مستويات عليا جدا في النظام السياسي وأختفاء المليارات من أموال الشعب وتحطيم كل البنى الأساسية في البلد وضياع مستقبل ووحدة العراق وإصابته بالتمزق والتشرذم الذي أوصل عدة مئات من العناصر الإرهابية بإسقاط ثلث العراق في ساعات وبدون مقاومة ولا فعل إيجابي يؤشر مدى ممارسة السلطة وقواها السياسية للحوسمة وأنتمائها لها .
أقول وبكل جدية وعن قناعة علمية أن المجتمع العراقي الذي يعاني من شتى أنواع الإرهاب ( الفساد والإفساد ) الطبيعي يتحول سريعا وبقوة نحو ما يسمى بالمجتمع الفاشل المجتمع الذي لا يستطيع أن يدافع عن رمزية القانون ورمزية وجوده ,والسبب يعود لفشله في معالجة الإرهاب السلطوي الأجتماعي وأستبداله بنظام التسامح وقبول الأخر وإشاعة المصالحة والسلام ومحاولة إعادة فرمتة الواقع وتدوير الزوايا الحادة , مجتمع فشل في إنهاء المظلومية لفئة من فئاته وزاد في مظلومية آخرين وأصبح الجميع يشعر أنه مستهدف بكل إجراءات النظام السياسي الجديد , السلطة التي لا تحترم القانون والقضاء وتحاول تسخيرهما لما في جعبتها من أهداف عندما تضع قواعد المحاصصة وتتفاوض على الصغيرة والكبيرة بقانون الفئة والحصة إنما تمارس سياسة إشعار الشعب أنها عصابة تقاسم غنائم وليس إدارة مجتمع يحاول تقاسم العمل من أجل الوطن والشعب , هنا تبرز رؤوس الإرهاب لتقود المظلوم تحت شعارات النصرة والمساعدة لتحول المجتمع إلى قنابل إنفلاقية من صنع السلطة وقوى الظلام والتطرف .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي