قصص وحواديت من العالم القديم (08)

محمد زكريا توفيق
2021 / 8 / 24

بريكليس، الحرب البيلوبونيزية:

كان بريكليس أصغر سنا من سيمون، عندما قسموا السلطة في أثينا بينهما. وكان بريكليس مشهورا بكرم أخلاقه وفصاحة خطابه. عصره كان يعرف بعصر بريكليس. لأنه كان مليئا بالرجال الأفذاذ والمثقفين الأذكياء، والعديد من العمائر والمعابد والحدائق والتماثيل الجميلة في أثينا.

عندما اشتكى بعض الناس من أن بريكليس قد أنفق الكثير من المال العام في تجميل المدينة، ذهب إلى جمعية الشعب، وتساءل عما إذا كانوا يعتقدون حقا أن ما يفعله هو إسرافا؟ فجاءه الجواب بنعم، هو الإسراف بعينه.

فقال بريكليس: "إذن، اجعلوا التكاليف على نفقتي الخاصة. في مقابل ذلك، ضعوا اسمي على المباني الجديدة." وكان الرد: "لا، لا. لا. أنفق ما شئت من المال العام أفضل." بالطبع الغيرة هي السبب.

يوريبيدس، الشاعر والكاتب المأساوي العظيم، وفيدياس، أعظم نحات عاش على الإطلاق، ازدهرا في هذا الوقت. لقد صادق بريكليس هؤلاء الرجال البارزين وحماهم وقربهم إليه.

وبالتأكيد لا شيء يمكن أن يكون أكرم ولا أعظم ولا أنبل لأي أمة، من عناية من بيدهم السلطة، بطبقة الفنانين والأدباء والفلاسفة والعلماء. لأن هؤلاء الموهوبين، لديهم ما هو أكثر شرفا وقيمة من الذهب والألقاب الاجتماعية.

لكن الظرف الذي أظهر عظمة بريكليس أكثر من غيره، جاء عندما كان يحتضر بين أصدقائه، الذين أحاطوا به. ظنا منهم أنه غائب عن الوعي وغير قادر على سماع ما يقولون. بدأوا يعددون أعماله وإنجازاته المجيدة، والصروح الجميلة التي أقامها ونمقها.

وإذا به يهمس بصوت خافت، لا يكاد يسمع، قائلا: " لقد أهملتم شيئا هاما، هو بالنسبة لي، أكثر شرفا من كل الأمجاد التي تحدثتم عنها. وهو أنني أثناء حكمي لأثينا، لم أظلم أو أستبد أو أسبب ألما لأحد."

دفع الأثينيون، بسبب الغيرة، ثوسيديس المؤرخ، ونسيب سيمون، للوقوف في وجه بريكليس، للتقليل من سلطته المتزايدة. لكن بريكليس، بادر بنفي ثوسيديس من المدينة. وبذلك، أصبح بريكليس أكثر هيبة في أثينا.

لمدة 40 عاما، كانت سلطة بريكليس غير محدودة. أثينا في هذا الوقت، تعتبر في أعلى مستوى من الأناقة والشياكة والمعرفة. هي واسبرطة، في المرتبة الأولى من بين مدن اليونان.

حدث خلاف بين مدينتي أثينا وكورينث. تطور هذا الخلاف فيما بعد إلى حرب في اليونان، معروفة في التاريخ باسم "الحرب البيلوبونيزية". استمرت لمدة ثمانية وعشرين عاما.

اسبرطة أخذت جانب كورينث، وكورسيرا أخذت جانب أثينا. وباقي المدن اليونانية، انحازت كل منها، إما لهذه أو لتلك. هذا الجزء من اليونان يسمى الآن المورة. اسمه السابق "بيلوبونيسوس".

بعد عدة انتصارات، فازت في النهاية اسبرطة. جنرالهم، ليساندر، أخضع الأثينيين، واحتل مدينتهم وحرقها.

السيبياديس، سقراط:

كان من المعتاد جدا، في أثينا، أن يتبع الشباب الحكماء والفلاسفة، كخدم وتلاميذ ومريدين وأتباع، للنهل من ينابيع الحكمة الصافية العذبة وخبرة العمر من مصادرها الأولى.

كان السيبياديس صبيا صغيرا، من مريدين الحكيم سقراط وخادما له. سقراط، هو واحد من أكثر الحكماء والفلاسفة شهرة في اليونان في ذلك الوقت. وبالرغم من أن السيبياديس لم يكن ملتزما بخدمة سيده بصفة منتظمة، وكثير الغياب، إلا أنه بعد ذلك، صار من مريديه، متعلقا به لا يفارقه.

هناك قصة طريفة تخص هذا الشاب. في ثورة غضب، لم يتملك السيبياديس أعصابه، وقام بضرب رجل عجوز محترم من أثينا. أعرب الحاضرون عن سخطهم من سلوك هذا الشاب الوقح غير الجدير بالاحترام.

إلا أن السيبياديس بعد ذلك، شعر بالخجل وتأنيب الضمير. فذهب إلى الرجل، وأعطاه عصا غليظة، ثم طلب منه عقابه بالطريقة التي يريدها. وكان الرجل العجوز مسرورا جدا بصراحة وروح الشاب، لدرجة أنه لم يعفو عنه فحسب، بل أعطاه يد ابنته بعد ذلك بوقت قصير كزوجة.

مع العديد من الفضائل الساطعة، كان السيبياديس لديه أيضا العديد من العيوب الخطيرة. لقد كان مولعا بالسلطة، غيورا جدا من أي شخص يحصل على التصفيق والاهتمام العام.

نيكياس، جنرال قدير جدا، هو الذي وقع السلام مع اسبرطة، الذي لم يدم مدة طويلة، والذي يعرف بسلام نيكياس. كان السيبياديس يكرهه، لأنه كان محبوبا من قبل الأثينيين. بعد ذلك، جددت الحرب بين المدينتين.

أقنع السيبياديس الأثينيين بمحاولة غزو صقلية. فأرسلته أثينا قائدا للقوات. أخذ معه نيكياس. عندما رحلوا، اتهم السيبياديس في قضية، دبرها له أعداؤه، وطلب منه العودة فورا.

لكنه خاف من الأثينيين، وهرب سرا. وعندما قيل له أنه بسبب عصيانه صودرت كل ممتلكاته، وأنه حكم عليه بالإعدام، هتف قائلا: "سأريهم من أنا، وأنني لا زلت على قيد الحياة!"

أدار نيكياس الأمور بمهارة، لدرجة أنه كان على وشك أخذ سيراكيوز في صقلية، لولا مقاومة أهلها بشدة.

بعد وصول قوات اسبرطة لنجدة سيراكيوز، حاول نيكياس الهرب بأسطوله إلى أثينا، لكنه هزم بقوات سيراكيوز. جنوده تم أسرهم. هو نفسه، قطعت رأسه.

أما السيبياديس، فقد هرب في أول الأمر إلى أرجوس، ثم اسبرطة، حيث نال العطف والاحترام من العامة، لالتزامه بزيهم العادي وطعامهم البسيط. لكن أجيس، ملك اسبرطة، لم يكن يثق به. رأى أن السيبياديس، كان يظهر غير ما يبطن، ولم يكن صادقا في سلوكه.

عندما علم السيبياديس بذلك، ترك اسبرطة، وطلب الحماية من تيسافيرنس، حاكم ليديا الفارسي بآسيا الصغرى. هناك، من خلال أناقة أخلاقه وسحر حديثه، حصل على إعجاب وشهرة كبيرين.

أثينا الآن يحكمها مجلس من أربعمائة عضو. وكان طغيان هذا المجلس كبيرا جدا، لدرجة أن الأثينيين استعانوا ب السيبياديس للمساعدة في استرجاع حرية الشعب.

السفن الاسبرطية كانت تراقب المدينة لانتهاز أية فرصة أثناء الارتباك التي تمر به. لكن السيبياديس مع أسطول صغير، كان قد تجمع في ساموس، هاجم الاسبرطيين، ودمر سفنهم، وبعد وقت قصير دخل أثينا منتصرا.

استاء الأثينيون مرة أخرى من السيبياديس. مما جعله يغادر المدينة لكي يتجنب غضبهم. وعندما سمع أن ليسندر، الجنرال الإسبرطي، كان يخطط ببراعة لغزو الأثينيين، عاد لإخبار قادة أثينا بما كان يجري ضدهم. لكنهم تعاملوا معه بازدراء، وطردوه من المخيم.

الأثينيون كانوا كل صباح ينزلون بأسطولهم في البحر في وضع استعداد، ويتظاهرون بتهديد الاسبرطيين بمعركة وشيكة. لكن أثناء الليل، كانوا يعودون إلى مراسيهم الخاصة. وتتفرق جنودهم وبحارتهم لكي تقضي المساء في طرب ولهو وأحضان النساء.

سمح لهم ليسندر بالقيام بذلك عدة مرات، بدون أن يهاجمهم، حتى يجعل الأثينيين يعتقدون أنه يخشاهم. لكن، في ليلة ظلماء، عندما ترك الأثينيون سفنهم كالعادة، وذهبوا بعيدا للهو والطرب، هاجم ليسندر بأسطوله الأثينيين ودمر سفنهم، وأخذ ثلاثة آلاف أسير منهم.

ثم دخل أثينا، واستولى عليها، وأحرق منازلها، وهدم جدرانها. يقال إن ليسندر الاسبرطي كان قاسيا ساديا، لدرجة أنه كان يطلب عزف الموسيقى أثناء هدم المنازل. بينما نيرون برئ من العزف على القيثارة، بينما كانت روما تحترق. هي مجرد إشاعة.

تقاعد السيبياديس في قرية صغيرة في فريجيا، بآسية الصغرى، وعاش مع امرأة تدعى تيماندرا. لكن الإسبرطيين، أقنعوا الفرس بقتله. فتم إرسال مجموعة من الجنود إلى منزله لهذا الغرض. لكن خوفا من شجاعته المعروفة، لم يجرؤ أحد على الدخول، ولكن أضرموا النار في البيت.

هرع السيبياديس بالخروج من البيت لتجنب النار والدخان، فرماه الجبناء من مسافة بعيدة بالسهام والحراب، التي أردته قتيلا. دفنت زوجته جثته بشكل لائق، وكانت هي الوحيد التي بقيت معه. هذا الرجل الأسطوري، الذي كانت له سلطة ونفوذ كبيرين.

لم يمض وقت طويل بعد مقتل السيبياديس، لكي يتم إعدام سقراط، صديقه ومعلمه. لقد كان سقراط مواطنا عاديا. لكنه في نفس الوقت، فنان ماهر، جندي شجاع، قاض عدول، وفيلسوف عميق. كانت له مكانة مرموقة في أثينا.

خلال حياته الطويلة، كان يُكرم ويُبجل من جميع الرجال. لكن في شيخوخته، كان هناك من يغارون من شهرته، متحمسون للإيقاع به. فتم القبض عليه، بتهمة ازدراء الأديان وإفساد الشباب. وحكم عليه بالإعدام، لأنه مجرم وبذيء.

ولد سقراط من والدين فقيرين. لكنه لم يخجل أبدا من أصله. تربى على مهنة والده من صنع التماثيل. بالرغم من أنه كان يكره التجارة، إلا أنه كان صاحب أعمال وفضائل. كانت موضع إعجاب عالمي. وضعته في مكان مرموق مع عظماء المفكرين في أكروبوليس أثينا.

الفلسفة كانت بالنسبة لسقراط، أهم أعماله وسبب شهرته. بعد بضع سنوات من الأعمال التجارية المختلفة والعمل كمدرس خصوصي بعض الوقت، بدأ أثرياء أثينا يثقوا به لتعليم أولادهم. مما جعله يترك متجره ويتفرغ لتعليم الأولاد.

هذا التغيير، قد مكن سقراط من حضور المحاضرات العامة لأكثر الفلاسفة شهرة في ذلك الوقت، مما أغراه بطلب المزيد من المعرفة. وبعد ذلك، أرسى أصول الأخلاق المثالية، التي أحبتها الأجيال التالية.

خلال الحرب البيلوبونيزية بين أثينا واسبرطة، اشترك سقراط، مثل بقية مواطنيه، في الحرب. وقاتل بجرأة وشجاعة. وبسبب شجاعته، اثنان من أصدقائه وتلاميذه، السيبياديس وسينوفان، مدينان له بالحفاظ على حياتهما.

في حصار بوتيدا، قد سقط السيبياديس مصابا بجروح خطيرة، وكان على وشك القتل من قبل العدو، هنا أسرع سقراط بالتدخل، وأنقزه هو وأسلحته، وحال بينه وبين الأعداء. كان يستحق سقراط نوط الشجاعة لهذا الفعل، لكنه تنازل عنه لصديقه الشاب السيبياديس، لرفع روحه المعنوية.

وعندما شارك سقراط في الحرب ضد بوتيان، أظهر شجاعة نادرة في العديد من المواقف. في إحدى المرات، عندما بدأ الأثينيون يتراجعون أمام أعدائهم، لاحظ سقراط تلميذه سينوفان ملقى على الأرض، مغطى بالجروح. على الفور، بدون الحرص على سلامته، حمل سقراط سينوفان مسافة كبيرة، وهو يحميه إلى أن أوصله إلى مكان آمن.

شخصية سقراط هي أكثر وضوحا كفيلسوف وأخلاقي، منها كمحارب أو قاض. وعندما كان في السلطة، مارس بطريقة عملية مبادئه. لكن الأمر كان على خلاف ذلك مع مواطنيه.

من المضحك أن سقراط كان يعترف بأنه لا يعلم شيئا. لهذا قالت كاهنة دلفي أن سقراط هو أحكم الناس. لأنه على الأقل يعلم أنه جاهل.

بينما الآخرون يعتقدون خطأ أنهم يعرفون كل شيء. وله القول المشهور: "أيها الإنسان، اعرف نفسك". ترى كم منا من يعرف أنه لا يعلم شيئا؟ وخصوصا حكامنا ومن بيدهم مصائرنا.

لم يكتب سقراط في حياته كتابا واحدا. لكن محادثاته قام بنشرها تلميذه النجيب أفلاطون تحت عنوان محاورات سقراط.

كانت فضيلته وعلمه مبهران، ينمان عن عقلية متألقة للغاية، بالنسبة لعقول مواطنيه المستعبدة والمتدنية في التفكير. عندما وجدوه يعارض أحكام الإعدام التي صدرت ظلما ضد بعض القادة، بدأوا يكرهونه.

كان أريستوفان، يسخر منه على المسرح، مما شجع أعداءه على تجريمه، واتهامهم بإفساد الشباب الأثيني، وبتكفير آلهة الدولة. وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو زيفا وبهتانا، فقد اعتمد المتهمون في نجاح قضيتهم على شهادات زور، قام بها شهود كاذبون، وقضاة جهلة تتملكهم الغيرة والحسد. وأخيرا، حكم على سقراط بالموت، وقيد بالسلاسل، وأودع ظلمات السجن.

بسبب التعاليم الدينية السائدة في ذلك الوقت، تم تأجيل تنفيذ حكم الإعدام لمدة ثلاثين يوما. خلال تلك الفترة، كان أصدقاء سقراط وتلاميذه مرافقين دائمين له. عندما بكى أحد هؤلاء بحسرة على مصير أستاذه، الذي سيموت بريئا، نهره سقراط قائلا: "وهل تريدني أن أموت مذنبا؟".

بسبب إحساس الأثينيين بالخزي لحكمهم بالإعدام على شخصية مرموقة مثل سقراط، كانوا على استعداد للسماح له بالهرب من السجن إذا أراد، بعد رشوة حراس السجن. لكنه لم يرد.

بالرغم من توسلات أصدقائه وتلاميذه، إلا أن سقراط رفض أن يهرب. قائلا إنه لو قام بانتهاك أحكام القانون بالهرب، سوف يعني هذا الفعل أنه ضد القانون. وفضل أن يموت على أن يخرج عن قانون الجماعة التي ينتمي إليها، حتى وإن كان الحكم جائرا.

حكم عليه بشرب عصير نبات الهيملوك (الشوكران)، وهو نبات سام جدا. بعد شربه السم، استمر بهدوء يتحدث مع أصدقائه المخلصين. وفي اللحظات الباقية له، منحهم نصيحته الأخيرة قائلا: "كما ترون، الموت ليس شيئا فظيعا للأبرياء الصادقين"

أريستيبوس:

بعد وفاة سقراط، تم تقسيم مدرسته إلى عدة فصول أو طوائف. أحدها المدرسة القورينية. أسسها أريستيبوس. وهو مواطن من قورينيا. ومنها أخذت الطائفة اسمها.

لا يعرف أحد الكثير عن حياة أريستيبوس في أيامه الأولى، غير أن والديه قد أرسلاه، أولا إلى الألعاب الأولمبية، وثانيا إلى أثينا لكي يصبح تلميذا لسقراط.

كان أريستيبوس يعتقد بأن الترف والمتعة هما طريقي السعادة، وهدف كل منا غير المعلن. الإنسان هدفه من حياته، الاستمتاع باللَّذَّة الحاضرة، واجتناب الندم على ما فات، والعناء في المستقبل.

بعكس سقراط الذي كان يؤمن بأن الفضيلة هي الطريق الوحيد للحصول على السعادة. السعادة كما يقول أريستيبوس، تنبع من أشياء خارج أنفسنا، أما سقراط، فيقول إن السعادة، تنبع من داخلنا.

هذه الأفكار غير العادية والانغماس في الملذات، أجج مشاعر الأثينيين ضد المدرسة برمتها. مما أجبر أريستيبوس على مغادرة أثينا إلى صقلية.

هناك، تملق أريستيبوس طاغية سيراكيوز، ديونيسيوس. وامتثل لجميع رغباته، وبرر له جميع أفعاله، وأي شيء يفعله الطاغية، هو الأفضل. أتباعه، هم من يبغون المتعة واللذة، دون النظر في العواقب.

ازدهرت هذه المدرسة عام 365 ق م. وكانت تهتم بالجمل التافهة، تزكي الذكاء وسرعة البديهة، أكثر من طلب الحكمة والبحث عن الحقيقة.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي