عن العلاقة -الحميمة- بين النفط العربي والدّولار

الطاهر المعز
2021 / 8 / 24

15 آب/أغسطس 1971/2021
نهاية قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، قرار اقتصادي استراتيجي
خدعة حَظْر النفط العربي سنة 1973
الطاهر المعز

اتخذ الرئيس الأمريكي "رتشارد نيكسون"، يوم 15 آب/أغسطس 1971، أحد أهم قرارات النظام النقدي الدّولي، الذي أصبح غير مناسب لأمريكا، ويتمثل القرار في فَصْلِ قيمة الدولار عن الذهب، ووضع حَدٍّ لقابلية تحويل الدولار إلى ذهب، وحافظت الولايات المتحدة على هيمنتها على الكوكب، عبر أدوات عديدة، أهمُّها الدّولار، لكن إلى متى؟
تمثل القرار في "تعليق" مؤقت، ولكن لفترة غير محددة، أحد بُنُود اتفاقيات "بريتونز وودز"، الموقعة سنة 1944، أثناء تأسيس البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي، وضمنت الإتفاقية لأي مصرف مركزي لدولة أخرى غير الولايات المتحدة حق تحويل الدولارات التي يمتلكها إلى ذهب، بسعر ثابت قدره 35 دولارًا للأوقية الواحدة من الذهب، ووضع قرار الرئيس الأمريكي حداً لهذه المعادلة الثابتة، عبر قرار "التّعليق" المُؤَقّت، الذي أصبح نهائيًا ، في الواقع.
كان النظام النقدي الدّولي مضمونًا باحتياطيات الذهب، منذ نهاية القرن التاسع عشر. أما الغرض من اتفاقيات بريتون وودز فهو وضع نظام نقدي ومالي مستقر بدرجة تسمح بإعادة هيكلة وبناء الاقتصادات التي دمّرتها الحرب العالمية الثانية، وتيْسِير التجارة الدولية ...
منذ الحرب العالمية الأولى، أصبح من العسير احترام معيار الذهب، الذي يربط كمية العملة المتداولة بكمية الذهب المحتفظ بها، إلى أن أعادت اتفاقيات بريتون وودز، بعد قُرابة ثلاثة عُقُود، إقرار نظام دولي لأسعار الصرف الثابتة، عمادها الدّولار، عُملة الدّولة التي خرجت قَوِيّة من الحرب العالمية الثانية التي دخلتها متأخرة، وتمتلك مُقومات الهيمنة على اقتصاد أوروبا الإستعمارية وعلى بقية الدّول المُسْتَعْمَرَة، واستمر هذا الشكل من الهيمنة إلى غاية سنة 1971، عندما حصل التّحوّل، وفك ارتباط الدولار بالذهب، تمكّنت الولايات المتحدة من فرض سياساتها الاقتصادية والنقدية على العالم بأسره وتجلّى ذلك بتقويم أسعار السلع الأولية والمحروقات (خاصة بعد حرب 1973) وقيمة الدُيُون، والتجارة العالمية والتّحويلات النقدية الدّولية، بالدّولار، الذي أصبحت قيمته غير ثابتة...
أصبحت بوادر ضُعف الإقتصاد الأمريكي ظاهرة، خلال سنوات العُدْوان على شعب وأرض فيتنام، وبلغت الأزمة العالمية ذروتها، أثناء انهيار 2008/2009، وأكّدت المُؤسسات الرسمية الأمريكية منذ تلك الأزمة، الحاجة إلى تحديث اتفاقية "بريتون وودز"، خاصة بعد تخفيض تصنيف الولايات المتحدة من قبل وكالة "ستاندرد آند بورز"، وطالبَ بعضُ الرأسماليين الأمريكيين بـ "إعادة هيكلة الديون على نطاق عالمي وبطريقة منسقة"، بعد سنوات قليلة من هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، التي شكّلت فرصة لسيطرة الولايات المتحدة على العالم وتأخير الانحدار الأمريكي، من خلال استخدام الحصار الاقتصادي والتهديد والإبتزاز، والقوة العسكرية، ضد المنافسين أو الخُصُوم أو الأعداء، وعرقلة مشاريع روسيا (مثل خطوط أنابيب نقل الغاز إلى شمال أوروبا "نورث ستريم 2") ومبادرة "الحزام والطّريق" التي أطلقتها الصين، سنة 2013، بعد تشديد الأعمال العدوانية الأمريكية...
وَرَدَ قرار الرئيس "رتشارد نيكسون" إلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب، ضمن مجموعة القرارات والتدابير الاقتصادية الأخرى، وهي لا تقل في أهمّيتها ونتائجها عن قرار الرئيس "فرانكلين روزفلت" انسحاب الولايات المتحدة، سنة 1933، من نظام "معايير الذّهب"، خلال الأزمة الكُبرى للنظام الإقتصادي الرأسمالي العالمي التي بدأت سنة 1929، ويندرج قرار "روزفلت" ضمن محاولات إنعاش النمو الاقتصادي، ثم عادت الولايات المتحدة، سنة 1944، للإنضمام من جديد إلى "معيار الذهب" كجزء من اتفاق "بريتون وودز".
استفاد الإقتصاد الأمريكي من انهيار الإقتصاد الأوروبي والياباني، خلال الحرب العالمية الثانية التي دارت معاركها، خارج أراضي الولايات المتحدة، فلم يلحقها الخراب والتّدمير، خلافًا لبلدان أوروبا واليابان وشمال إفريقيا والمشرق العربي، واستفادت الولايات المتحدة من ارتفاع الطلب الأوروبي على السلع الأمريكية وعلى الدّولار الذي كان مرتفعًا، وبلغ حجم احتياطي الولايات المتحدة حوالي 75% من إجمالي الإحتياطي العالمي للذهب، واستفاد الدولار (والإقتصاد الأمريكي وميزان التجارة الخارجية) من "معيار الذهب" (أو مُعادلة قيمة الدّولار بالذهب)، إلى أن عاد الإقتصاد الألماني والياباني للنّمو، خلال عقد الستينيات من القرن العشرين، بينما كانت الولايات المتحدة غارقة في الحُروب العدوانية بجنوب شرق آسيا (فيتنام وكمبوديا ولاوس...)، وفي تدبير الإنقلابات بأمريكا الجنوبية التي تعزّزت بها الحركات المناهضة لهيمنة الإمبريالية الأمريكية، ونشرت مؤسسة الإستشارات المالية الأمريكية ( The Motley Fool ) دراسة حلّلت عملية إغراق الدولارات الأمريكية الأسواق العالمية، خلال النصف الأول من سنة 1971، ما جعل العديد من الدّول تعمل على اكتناز الذّهب، بدل الدّولارات، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة، ما عَرّض الولايات المتحدة لخسارة كامل احتياطياتها من الذهب (لأن الدّولار كان مُقَوّمًا بالذهب)، بالتوازي مع العودة التدريجية للسلع الأوروبية واليابانية إلى الأسواق الدّولية بأسعار تُنافس الصادرات الأمريكية، فانخفضت حصّة الولايات المتحدة من المبادلات التجارية العالمية ومن الناتج الإجمالي العالمي، فضلاً عن تدهور ميزان المدفوعات الأمريكية، وكادت الولايات المتحدة تبلغ مرحلة العجز عن الوفاء بالتزاماتها المترتبة عن اتفاقيات "بريتن وودز" (توفير الذهب بما يعادل قيمة الدّولارات الموجودة بالعالم)، وبدأت الدّوائر المالية تفقد ثقتها بالدولار الأمريكي، كعملة احتياطية عالمية، ما دَفَع الرئيس "رتشارد نيكسون" لتنظيم لقاء حضره مُستشارو البيت الأبيض ورئيس الاحتياطي الفيدرالي (المصرف المركزي الأمريكي) "آرثر بيرنز" ووزير الخزانة "جونكونالي"، قبل يومَيْن من إعلان سلسلة من التدابير الاقتصادية، أهمها كان إلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب، يوم الخامس عشر من آب/أغسطس 1971، ولم يكن المواطنون الأمريكيون يُعيرون اهتمامًا لمثل هذه الأمور، بخلاف المُضاربين في سوق المال، حيث ارتفع مؤشر "داو جونز" الصناعي، على الفَوْر، بنحو 4 % لأول مرة في تاريخه، وسجل حجم التداولات بالبورصة الأمريكية رقماً قياساً بلغ 31,7 مليون سهم، واستمر ارتفاع سوق المال والأسهم، لمدة قاربت ثمانية عشر شهرًا، لكن المكاسب الناتجة عن القرارات التي سُمِّيَتْ "صدمة نيكسون"، لم تستطع تعويض الخسائر الناجمة عن الاضطرابات الاقتصادية التي تَلت تلك القرارات، ولو بشكل متأخر...
أدى انتهاء نظام "بريتون وودز" إلى تعزيز تطور رأس المال المالي، وإلى تعزيز غير مسبوق لسرعة حركة رأس المال (التمويل) عبر العالم وللمضاربة في أسواق المال، بالتوازي مع ضغوطات صندوق النقد الدّولي من أجل "استقلالية" المصارف المركزية، أي توسيع نُفُوذها، وعدم تمويل برامج التنمية الحكومية بقروض منخفضة الفائدة، وبالمُقابل أدّى قرار "استقلالية" المصارف المركزية إلى تحجيم سلطة الدّولة على حركة رأس المال، ما جعل الحكومات عاجزة عن مواجهة تقلبات أسعار العملات، وعاجزة عن تخطيط الإقتصاد وتمويل المشاريع الحكومية على مدى متوسط أو بعيد.
من جهته، فقد الدّولار، بعد إلغاء إمكانية تحويله إلى ذهب، سِعْرَهُ الثّابت، ودورَهُ كمحور لسوق الصرف الأجنبي، بصورة بطيئة وتدريجية، لكن باتجاه ثابت، واستفادت العملة الصينية، خصوصًا بعد أزمة 2008/2009، من تقهقر دور الدّولار، ولم يستفد الين الياباني واليورو الأوروبي، خلافًا لما كان متوقّعًا، بسبب ضُعْف أو انعدام الإرادة السياسية لدى اليابان، التي "تستضيف" بعض أضخم القواعد العسكرية الأمريكية، ولدى الإتحاد الأوروبي الذي لم يُحوّل أوروبا إلى ثاني أكبر قوة اقتصادية عالمية، كما لم يستطع منافسة الولايات المتحدة في مجال السياسات الدّولية، فضلا عن التبعية العسكرية، بواسطة حلف شمال الأطلسي والقواعد الأمريكية الضخمة ببريطانيا وألمانيا وإيطاليا وغيرها.
عمومًا، كانت عملية إنهاء تحويل الدولار إلى ذهب، بمثابة إعلان وفاة نسخة 1944 من اتفاقية (أو مُذّكرة) "بريتون وودز" (على إسم منطقة بولاية "نيو هامشير" الأمريكية)، التي أنجبت صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي (كان إسمُهُ البنك الدّولي للإنشاء والتّعمير)، وإعدام النظام النقدي المُعْتَمِد على "سعر الصرف الثابت" الذي تم تصميمه بنهاية الحرب العالمية الثانية، لمنع عودة أزمة ثلاثينيات القرن العشرين بالولايات المتحدة...

النفط العربي في خدمة الإمبريالية الأمريكية
بعد أشهر قليلة، ظهرت "التّأثيرات الجانبية" لقرار الولايات المتحدة، وتمثلت باضطراب حركة التجارة الدّولية، بعد سلسلة تخفيضات في قيمة العملات الرئيسية، ما رَفَعَ نسبة التّضخّم في أوروبا واليابان والولايات المتحدة التي خفضت قيمة الدّولار بنحو 8%، ثم وقّعت الولايات المتحدة (كانون الأول/ديسمبر 1971 ) مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية (الإتحاد الأوروبي لاحقًا) والسويد وكندا واليابان، اتفاقية "مواءمة التكافؤ" بين العُملات، بالتوازي مع خفض قيمة الدّولار، في محاولة لوقف المضاربة على الدولار، لكن ذلك لم يكن كافيًا...
عندما اتّضح أن قرار تعليق معيار الذهب ليس مؤقتًا بل دائما، قررت الدّول الرأسمالية المتقدّمة، بحلول سنة 1973، الرّد على قرارات الرئيس الأمريكي، بتحديد قيمة عملاتها بوسائل أخرى، خارج معيار الذهب، خصوصًا عندما اتّضحت عبثية تعويم العملات، في محاولة للسيطرة على التضخم الذي كان مرتفعًا في معظم بلدان العالم، بشكل أضرّ بمصالح الدول المُصدّرة للمواد الخام، وخصوصًا الدول المنضوية تحت لواء منظمة الدول المُصدّرة للنفط "أوبك".
بعد حرب تشرين الأول/اكتوبر 1973، كان التضخم السنوي مرتفعا إلى أعلى مستوى له منذ نهاية الحرب الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى انخفاض القيمة الحقيقية لصادرات النفط الخام وانخفاض إيرادات البلدان المُصَدِّرة للمحروقات، فتعللت السعودية بالدعم التي تُقدّمُه الإمبريالية الأمريكية للكيان الصهيوني، لتستخدم نفوذها بالمنظمة التي أقرّت "فرض حظر نفطي" على الولايات المتحدة وحلفائها، وأدّى هذا القرار إلى بعض الرّكود، وإلى خفض التضخم لفترة قصيرة نسبيًّا، بالتوازي مع ارتفاع سعر الذهب الذي وقع فَكُّ ارتباطه بالدّولار، وبعملات الدّول الإمبريالية، من 35 دولارا للأوقية الواحدة، سنة 1971، إلى تسعين دولارا، سنة 1981...

خِدْعَة أزمة النفط 1973/1974
كذبة "استخدام النفط كسلاح قَوْمِي"
اجتمعت مجموعة "بيلدربيرغ" (نادي مُغْلق لمجموعة أثرياء، ترفض حضور الصحافيين ولا تَنْشُرُ أي بيان صحفي بعد اجتماعاتها المغلقة) في شهر آذار/مارس 1973، أي قبل حرب اكتوبر 1973 بأكثر من ستة أشهر، لمناقشة حاضر ومستقبل الرأسمالية، طيلة ثلاثة أيام، وكانت نتائج قرار الرئيس "رتشارد نيكسون" فك ارتباط قيمة الدولار بالذهب، من مواضيع اللقاء، واستنتج أحد المُتحدّثين "عُزوف العديد من الدول عن شراء الدولار بعد قرارات نيكسون، واستعاضت عنه بالذّهب"، وتعرّض اللقاء إلى رُكود سوق النفط الأمريكي، بسبب ارتفاع ثمنه، مُقارنة بالنفط العربي الرخيص، واقترح وزير الخارجية الأمريكي "هنري كيسنغر"، خلال نفس اللقاء البحث عن صيغة مُلائمة، لرفع سعر النفط الخام، من ثلاثة دولارات للبرميل الواحد آنذاك، إلى نحو 12 دولارا، ليعادل سعر النفط الأمريكي، خلال فترة قصيرة، وإعداد خطّة تسعير النفط بالدّولار، ليرتفع بذلك الطّلب على الدّولار في الأسواق العالمية...
رفض النظام السعودي مقترح العراق رفع الأسعار أو تطبيق حَظْرٍ للنفط، بعد عدوان 1967، والدّعم الذي قدّمته دول أوروبا وأمريكا الشمالية للكيان الصهيوني، وأعلن الملك فيصل بن عبد العزيز آنذاك "ليس النّفط سلاحًا بل هو مورد اقتصادي يتعين استخدامه في حدود المصالح الاقتصادية والتجارية..."، وسجّلت الشعوب العربية وبعض المنظمات الفلسطينية هذا الموقف السعودي الرجعي...
بعد حرب السادس من تشرين الأول/اكتوبر 1973، اتفق هنري كيسنغر، وزير الخارجية الأمريكية، مع ملك السعودية "فيصل بن عبد العزيز" على زيادة أسعار النفط (عملاً بقرارات مجموعة بيلدربيرغ)، لكي يُصبح مُعادلا لسعر النفط الأمريكي (نفط تكساس) استجابةً لطلب منتجي النفط الأمريكيين الذين يتذمرون من انخفاض سعر النفط الخليجي، ومن منافسته النفط الأمريكي في السوق الدّاخلية الأمريكية، واشترط كيسنغر بيع النفط الخليجي بالدولار الأمريكي حَصْريًّا، وإيداع العائدات بالمصارف الأمريكية واستثمارها في سندات الخزانة الأمريكية، وبالمُقابل تتعهد الولايات المتحدة بحماية حكم أُسْرة آل سعود والأُسَر المُتحكّمة بالخليج.
أعلنت السعودية، منتصف شهر تشرين الأول/اكتوبر 1973، خفض الإنتاج بنسبة 15%، وقررت منظمة البلدان المُصدِّرَة للنفط (أوبك) رَفْعَ سعر النفط بنسبة 70% (حوالي 5,12 دولارا للبرميل) ثم أقَرّت حَظْر بيع النفط للولايات المتحدة وأوروبا الغربية، يوم التاسع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 1973، بعد قرار الكونغرس الأمريكي تقديم دعم عسكري مجاني وعاجل للكيان الصهيوني، بقيمة 2,2 مليار دولارا، لتعويض خسائر حرب السادس من نفس الشّهر، واستمر الحظْر لفترة ثلاثة أشهر، ولكنه لم يكن جِدّيًّا ولم تعلن "أوبك" أو السعودية أية آلية لمتابعة تطبيق القرار، لكن ارتفع سعر البرميل ليبغ 11,5 دولارا.
تمكّنت السعودية، بفضل إعلان الحَظْر (بذريعة التضامن العربي الزائف) من تخفيف حدّة الغضب الشعبي المحلّي والعربي، وأصبح الملك فيصل "بطلاً" بعد وفاة جمال عبد الناصر (28 أيلول/سبتمبر 1970)، وارتفعت ثروة دُوَيْلات الخليج، والأُسَر الحاكمة، وكانت شركات النفط الأمريكية التي تستغل نفط العرب والعالم، وكذلك الولايات المتحدة الرابح الأول والأكبر من "الحَظْر" ومن زيادة الأسعار، حيث بلغت أرباح شركات أمريكا لتكرير وبيع النفط (إكسون موبيل وتكساكو وشيفرون وغُلْف... ) نحو 420 مليار دولارا سنة 1974 (من عمليات التكرير والتسويق فقط، دون اعتبار الأرباح المُتأتية من استخراج النفط) ولم تتجاوز حصة الدول العربية المُصدّرة للنفط ستين مليار دولارا، أو حصة واحدة من كل سَبْع حصص ( واحدة من سبعة) واستفاد اقتصاد الولايات المتحدة من العائدات المُودعة بالدّولار، لدى مصارفها، فأنقذت اقتصادها، بينما تدهور اقتصاد بلدان "المجموعة الأوروبية" (الإتحاد الأوروبي حاليا) واليابان، وتفوّقَ الدّولار على الين الياباني وعلى العُملات الأوروبية، واستفادت مصارف بريطانيا والولايات المتحدة ( تشيز مانهاتن وسيتي بنك وبنك أوف أميركا وباركليز ولويدز وميدلاند بنك... )، بشكل رئيسي، من هذه العائدات.
وصَفَ الكاتب الأمريكي "وليام إنغداهل" هذه العملية ب"كذبة حَظْر النّفط" في كتاب "قرن من الحرب: السياسات الانغلو-أمريكية للنفط والنظام العالمي الجديد"، ترجمة "إسماعيل محمد زكريا"، وصدرت الطبعة الأولى للترجمة العربية، سنة 2007، عن وزارة الثقافة السورية
( A Century of war : Anglo-Americain oil politics and the new world order – F. William Engdahl )
رافَقَ تنفيذ هذه الخدعة عملية غسيل الدّماغ، أدّت إلى تراكم حقد شعوب أمريكا الشمالية وأوروبا على "العرب" (جُملةً وتفصيلاً) وإلى مزيد من التّعاطف مع الكيان الصّهيوني، في حين كان الهدف غير المُعْلَن لقرار منظمة البلدان المُصدّرة للنفط (أوبك)، إنقاذ الإقتصاد الأمريكي، الذي كان أكبر مستفيد من زيادة الأسعار، ومن "البترودولار". أما على مستوى الدّعاية السياسية عبر وسائل الإعلام، فقد أعلن السياسيون والباحثون والمُحلّلون الأمريكيون أن تحكم العرب بنفطهم وتأميمه وزيادة أسعار بيعه، يُشكّل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي، وبذلك تمكّنت الولايات المتحدة من إنقاذ اقتصادها الذي عرف عدّة أزمات منذ 1969 ( ارتفاع العجز التجاري وانخفاض احتياطي الذهب الذي يُقَوّم به الدّولار، وركود اقتصادي، وخروج رؤوس الأموال من أمريكا...)، ولما انخفضت قيمة الدّولار، ارتفع الطلب على الذهب، بدل الدّولار، في ذروة العدوان على شعب فيتنام، ما أصبح يُهدّد أُسُسَ القوة الأمريكية، وهيمنتها على الإقتصاد العالمي، وأدّى ارتفاع أسعار النّفط المُقَوّم بالدّولار (بترودولار) إلى ارتفاع الطّلب على الدّولار الأمريكي، وارتفاع سعره، فضلاً عن سيطرة شركات النفط الأمريكية على الإنتاج والتّكرير والتّسويق، وسيطرة المصارف الأمريكية على العائدات، ولذلك مثّلت السيطرة الأمريكية الكاملة على النفط الخليجي بداية لما سُمِّيَ "النّظام العالمي الجديد"، الذي اعتبره الرئيس الجزائري "هواري بومدين"، في خطابه باللغة العربية بالأمم المتحدة (نيسان/ابريل 1974) نظامًا غير عادل، وقدّم الخطوط العريضة لنظام عالمي بديل يقوم على سيطرة البلدان الواقعة تحت الهيمنة على ثرواتها، وإنفاق عائداتها على برامج التنمية وتحقيق الإستقلال الإقتصادي والسياسي...
منذ ذلك الحين، لم تَكْتَفِ الإمبريالية الأمريكية بالسيطرة على نفط الخليج، بل مَنَعت البلدان من تنمية اقتصادها بفضل عائدات النفط، حيث كان "هنري كيسنغر" يعتبر أن من يُسيطر على منابع الطاقة يُسيْطر على العالم، ويندرج احتلال العراق، وفرض الحظْر على فنزويلا وإيران (التي كانت ساحةً للهيمنة الأمريكية، بعد إشراف الإستخبارات الأمريكية على الإنقلاب على رئيس الحكومة "محمد مصدّق" سنة 1953)، ضمن هذا السّياق، ولا تزال أمريكا تُحاول مَنْع الصّين من الإستفادة من نفط الخليج وأمريكا الجنوبية وروسيا، وتعتبر مبادرة "الحزام والطريق" (أو طريق الحرير الجديدة) تهديدًا للأمن القومي الأمريكي !!! وتعتمد الإمبريالية الأمريكية، للإستمرار في الهيمنة على العالم، على ركائز عديدة، منها القُوة العسكرية الضخمة، والدّولار ( والمنظومة المالية العالمية)، حيث أصبح البترودولار من العوامل الأساسية في رفع قيمة الدولار الأمريكي كعملة احتياطية عالمية، ما أتاح التّفوّق الإقتصادي الأمريكي المُستمر منذ عدّة عقود، رغم العجز التجاري وارتفاع الدّيُون، وتمكّنت الولايات المتحدة من "إعادة تدوير" الدّولارات الخليجية (البترودولار) المودعة بالمصارف الأمريكية، عبر دعم الاستهلاك المحلي الأمريكي، وتقدم القروض للدول الواقعة تحت الهيمنة...
لهذه الأسباب تتخوف الولايات المتحدة من تداول النفط بعملات أخرى، بل شنّت حروبًا عدوانية على العراق وليبيا، عندما اعتزمت التحكم في إنتاجها من المحروقات وبيعه بعملات أخرى، غير الدّولار، ويندرج إلغاء الكونغرس قرار سنة 1974 الذي حَظَر تصدير النفط الأمريكي، ضمن استراتيجية جديدة، تجعل من الولايات المتحدة واحدة من كبار مُصدّري الغاز الصخري، وقد يتبعه النفط الصخري، بعد تطوير تقنيات الحفر وخَفْض تكلفة استخراجه، في عملية انتقال تدريجي من توريد النفط إلى تصديره، والتّخفيف من أهمية "البترودولار" الخليجي، ودخلت الولايات المتحدة في سباق مع الصين (أكبر مُستَوْرِد عالمي للنّفط) التي أنْشأت سوقًا للنفط (بمدينة "شنغهاي") مُقومة بعملتها "يُوان"، وعقدت اتفاقيات مع العديد من البلدان المُصدّرة للنفط لشراء نفطها بالعُمْلة الصّينية، مع التّذكير بامتلاك الصين أكبر قدر من أُذُون الخزانة الأمريكية المُقَوّمة بالدّولار، أي دُيُون أمريكية...
أتاحت عملية بيع النفط بالدّولار (البترودولار)، وإيداعها بالولايات المتحدة (من خلال الإستثمار وشراء السّندات)، ارتفاع الطّلب على الأصول الأمريكية، وخلق السيولة في الولايات المتحدة، وفي حال انخفاض قيمة الدولار، تنخفض إيرادات البلدان المُصدِّرة للنفط، ما يُعمّق تبعية اقتصاد الدّول التي تُشكّل عائدات النفط أهم إيراداتها، خصوصًا وأن دُويلات الخليج لم تستثمر العائدات في تطوير الإقتصاد المنتج، لا داخلها ولا في البلدان العربية الأخرى، بل استخدمت عائداتها لتخريب وتدمير البلدان العربية وتشريد شُعُوبها، واعتبرت النفط مجرد سلعة، وليس سلاحا اقتصاديا وسياسيا، استراتيجيا، خلافًا لروسيا والصين اللّتَيْن أعلنت حكوماتهما (منذ 2015) إبرام عُقُود نفطية بالعملات المحلية...

خلاصة أسطورة "الأزمة النفطية" لسنة 1973:
عند إعلان حَظْر تصدير النفط العربي نحو الولايات المتحدة والدّول التي دعمت الكيان الصهيوني، خلال حرب السادس من تشرين الأول/اكتوبر 1973، انطلت على الجماهير العربية، في معظمها، حيلة "غسيل ذُنوب آل سعود" وأشقائهم بمَشْيَخات الخليج، الذين يحفل تاريخهم بالخيانات وبالتّبعية للإمبريالية (البريطانية ثم الأمريكية)، وفي نفس الوقت استفادت الأُسر الحاكمة في الخليج من ارتفاع أسعار النفط بأربعة أضعاف (من ثلاثة دولارات إلى 12 دولارا لبرميل النفط الخام)، لتُودع الريع المُقَوّم بالدّولار بالمصارف الأمريكية أساسًا، ما أنْعَشَ الإقتصاد الأمريكي، بدل استثمارها في إنتاج الغذاء والدّواء وصناعات تكرير النفط وما إلى ذلك، وجنى المُنتجون العرب 1/7 (واحد من سبعة أجزاء) ستين مليار دولارا مقابل 420 مليار دولارا للشركات الأمريكية من عمليات التكرير والتّسويق، سنة 1974، زيادة على أرباحها من استغلال النفط الذي احتكرت استخراجه وتكريره وتسويقه، فزادت أرباحها، ما جعل من الولايات المتحدة (وشركاتها) أكبر مُستفيد من بيع النفط بالدّولار (البترودولار)، ومن عائداته التي تبقى بالولايات المتحدة، ما أنقَذَ اقتصادها، واستفاد الدّولار، فيما تراجعت عملات المُنافسين بأوروبا واليابان...
عندما ألغت الولايات المتحدة القُيُود المفروضة على شركات النفط بخصوص احترام البيئة، منذ سنة 1974، بالتزامن مع حَظْر تصدير المحروقات، وارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، انتعشت شركات النفط الأمريكية، لأنها تخلّصت من منافسة النفط المُستورَد الذي كان يُباع بأسعار رخيصة في السوق الأمريكية، وبعد أكثر من أربعة عُقُود، عادت الولايات المتحدة إلى التّصدير، وأصبح الغاز والنفط الصّخْرِيّان الأمريكيّان، ينافسان غاز روسيا وقَطَر، في آسيا وأوروبا، والنفط العربي في آسيا، فنال الحُكّم العرب "جزاء سنّمار"، بعدما استخدموا عائدات النفط والغاز في شراء السلاح الأمريكي، لتخريب وتدمير سوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها...
إن تأميم الثروات، وأهمها المَعادن والنفط والغاز، مطلب مُلِحّ، ويُعتبر تحقيقه مُقدّمة لبناء اقتصاد وطني مُنتِج (وليس ريعي)، يُلَبِّي الحاجيات الأساسية للشّعوب، وهو ما لا يمكن للحُكّام الحاليين إنجازه لأنهم جُزْءٌ من الإمبريالية، وأداة التّبَعِيّة لها...

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية