عصمة الانبياء و عبادة النصوص

عماد نصر ذكرى
2021 / 8 / 23

ترسخ فى يقينى منذ زمن طويل أن محمداً ابن عبدالله امتلك ذهناً متقداً و ذكاء حاداً وقدرة خارقة على التأثير فى المحيطين به الذين أحبوه لحد التقديس .
فحين ذهب عروة بن المسعود الذى أوفدته قريش ليتفاوض مع نبى الإسلام فى يثرب قبل توقيع الإتفاقية المشهورة تاريخيا بصلح الحديبية هاله ما رأى من خضوع أصحابه له فعاد أدراجه الى مكة و قال لزعماء قريش : " يا قوم , إنى قد وفدت على الملوك , على كسرى و هرقل و النجاشى , و إنى والله ما رأيت ملكا أطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد فى أصحابه , و الله ما يشدون اليه النظر , وما يرفعون عنه الصوت , و ما يكفيه إلا أن يشير الى أمر فيفعل , و ما يبصق إلا وقعت فى يدى رجل منهم فيمسح بها جلده , و ما يتوضأ إلا إزدحموا عليه أيهم يظفر منه بشىء , و لا يسقط من شعره شىء إلا أخذوه ( 1) . و نقرأ فى البخارى أيضا ان نفرا من الصحابة كان يقبل قدميه و يديه .

وقد مكنت هذه القدرات الفريدة رسول المسلمين من تأسيس دولة قريش المهيمنة على جزيرة العرب و التى سعى الى قيامها جد جده قصى بن كلاب (400-480 م) الذى وحد بطون قريش ومكنهم من السيطرة على مكة وأعاد بناء الكعبة و شيد دار الندوة التى كان يجتمع فيها شيوخ قريش للتشاور وإتخاذ القرارات الحاسمة (2). كما ان جده عبد المطلب كان قد دعا العرب الى نبذ عبادة الاصنام و إتباع ملة ابراهيم فى التوحيد بصفته والد إسماعيل أبى العرب المستعربة (3).
ورغم إيمانى بذكاء نبى الإسلام إلا أنى أتساءل إن كان معصوما من الخطأ. فالقرآن أقر ارتكابه لذنوب و إحتياجه للمغفرة . فمطلع سورة عبس يلومه لأنه أشاح بوجهه متجاهلاً عبدالله بن أم مكتوم الرجل الكفيف. وسورة الفتح تطمئن محمداً أن ربه غفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر. و بالرغم من إجماع الفقهاء على عصمة الانبياء فى تبليغ الدعوة إلا أنى أرى أن هذا لا ينطبق على المدثر . ففى اسباب نزول الآية 52 من سورة الحج (وما ارسلنا من قبلك من رسول ولانبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله مايلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) نقرأ أن محمداً حين تلا الأيتين (19) و (20) من سورة النجم:- أفرأيتم اللات والعزة و مناة الثالثة أكمل قائلاً :- تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى (4). وجاء مدحه للالهة المعبودة وقتها فى جزيرة العرب على هوى كبار القوم فى قريش إلا أن هذا الجزء تم نسخه وحذفه من القرآن. و أوضحت الآية 52 من سورة الحج أن هذه الإضافة نطقها الشيطان على لسان محمد و الغاها ربه. و يتضح مما سبق أن محمدا تلا ما يعتقد انه تبليغ للدعوة التى كلفه الله بها إلا أنه ضلل من الشيطان و اضل أتباعه قبل أن يصحح له ربه الأمر . فترى هل فارقت العصمة محمدا مجددا و هو يتلو أياته القرأنية ؟
و قد إرتكب موسى جريمة قتل و هى من الكبائر مما يتنافى مع غالبية أراء المفسرين الذين يقرون ان أخطاء الأنبياء- إن وجدت- فهى تقتصر على الصغائر . نقرأ فى سورة القصص (15) "ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثة الذى من شيعته على الذى من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين" .
و هل يعقل ان يكون الأنبياء معصومين إذا كانت النصوص الدينية نفسها غير معصومة من وجهة نظر كثير من المسلمين الذين يروون أن كثير منها لا يصلح لعصرنا . فأيات ملكات اليمين و فرض الجزية على اليهود و النصارى و تطبيق عقوبات الجلد و قطع الاطراف و ضرب الأعناق جهارا نهارا امام الجماهير الغفيرة التقية اصبحت ملفوظة عند الكثيرين . و البعض يصرح ان الطلاق لا يجب ان يتم بكلمة يتفوه بها رجل ناقص عقل فى لحظة خلل نفسى أو إضطراب عصبى بل أمام المحاكم .
و بالنسبة للمواريث مثلا أعرف الكثيرين الذين يواظبون على الفروض و السنن و النوافل إلا أنهم يكتبون كل ما لديهم من أموال و أملاك بإسم إبنتهم الوحيدة رغم انهم يحفظون عن ظهر قلب ما جاء فى سورة النساء 11 " يوصيكم الله فى اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كن نساء فوق أثنتين فلهن ثلثا ما ترك و إن كانت واحدة فلها النصف " و يتلونه و يختمون كلامهم بمقولة " صدق الله العظيم " و هذا يعنى انهم يشعرون و لو لاوعيا أن هذا النص مجحف لبناتهم .
والتوراة أيضا تكتظ وتحتشد بخطايا بل جرائم أنبياء بنى إسرائيل التى لا تعد و لا تحصى و تحتاج الى كتاب لسردها و التعقيب عليها . فعلى سبيل المثال اشتهى داوود إمرأة متزوجة تدعى بتشبع رأها تستحم و أثاره جمالها فضاجعها و حبلت منه و لكى يضمها الى حريمه أرسل زوجها أوريا الى القتال و جعله فى الصفوف الأولى ليلقى حتفه ( 5 ). و الحقيقة أن قتل النساء و الأطفال و إبادة الأمم فى التوراه كانت بأمر الرب شخصيا فى كثير من الأحوال .
و الرسل جميعا ليسوا بمعصومين فى نظر اليهود والمسيحيين بإستثناء المسيح - عند المسيحيين – لإعتقادهم أنه ليس نبياّ بل الها متجسدا.
و فى النهاية أقول ان النصوص التى تحتشد بها الكتب التى أكتسبت قداسة يجب ان يقرأها الجميع قراءة نقدية لأن الكثير منها لا يجوز تفعيله اليوم و كما أن سير الأنبياء تحتشد بالذنوب و الخطايا فلا يجب أن يتأسى أحد بهم و هو معصوب العقل بل يجب ان ينتقى من سيرتهم المدونة ما يتوافق مع العدل و الأخلاق و التعامل الإنسانى الراقى مع الأخريين و يتغاضى عن ما يتنافى مع هذة المبادىء السامية و هو ليس بالقليل .


المراجع :
1. السيرة النبوية لإبن هشام الجزء الرابع صفحة 27
2. أبو القاسم السهيلى : الروض الأنف فى تفسير السيرة النبوية لإبن هشام صفحة 1078
3. الحزب الهاشمى و تأسيس الدولة الإسلامية : سيد القمنى
4. الطبرى : تاريخ الرسل و الملوك . الجزء الثانى صفحة 340 و 341
5. العهد القديم : سفر صموئيل الثانى . الإصحاح الحادى عشر

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية