قصص وحواديت من العالم القديم (07)

محمد زكريا توفيق
2021 / 8 / 22

سيمون، يوريميدون:

كان سيمون، ابن ميلتياديس، مشهورا مثل والده. انضم إلى أريستيدس، في وقت من الأوقات، لقيادة الأثينيين. وكان سيمون، هو نفسه الجنرال الذي خاض معركتين ضد الفرس في نفس اليوم، وفاز بهما على حد سواء، معركة بحرية، وأخرى برية، عند مصب نهر يوريدوم.

ومع ذلك، قام الأثينيون، غريبو الأطوار، تحت حجة واهية، بنفي سيمون لمدة عشر سنوات، وهي المدة المعتادة للنفي. سيمون، قبل انتصاراته الحربية، كان قد قام بإصلاحات كبيرة في المدينة: غرس الأشجار والورود، وأقام البساتين، وبنى ساحات فسيحة لممارسة الرياضة البدنية، وشيد الطرق الطويلة والمشايات الظليلة، وميادين للخطابة والتحدث للجماهير.

أوشيلوس وسوفوكليس، هما شاعران وكتاب مسرح مأساوي شهيران. عرضت أعمالهما على سيمون. ولأن الجائزة الأدبية كانت من نصيب سوفوكليس، تألم أوشيلوس، وكان أصغرهما سنا، لدرجة أنه غادر أثينا ولم يعد إليها أبدا.

نفي أيضا ثيمستوكليس، ولكنه لم يقبل بهدوء هذا الظلم. فذهب إلى ملك بلاد فارس، وعرض خدمته بأي طريقة يشاء. كان أرتاكسيركسيس آنذاك هو ملك بلاد فارس. زيركسيس كان قد مات وشبع موت، وهذا هو الابن الثالث له.

لم يوظفه ثيمستوكليس على الفور. وبعد ذلك، عندما أراد أن يجعله جنراله ضد سيمون والأثينيين، كان ثيميستوكليس غير راغب في محاربة وطنه الأصلي. وكان في نفس الوقت، ملتزما بوعده ل أرتاكسيركسيس. ولم يجد حلا لهذه المشكلة إلا بقتل نفسه.

أريستيدس:

توفي أريستيدس في سلام، في سن الشيخوخة. كان محبوبا ومكرما من قبل مواطنيه. وربما كان أكثر احتراما من أي إنسان عاش في أي وقت مضى. حياته كانت زاخرة بقصص المجد والفضيلة.

ذات مرة، عندما كان قاضيا يحكم في قضية، وقبل أن ينطق بالحكم، قال إن المتهم من حقه الدفاع عن نفسه. بل كان يساعد المتهم على إثبات براءته. وفي قضية أخرى، أراد أحد الطرفين أن يستميله إلى جانبه. فادعى أن خصمه قد فعل أشياء ضارة ضد أريستيدس. فقال له أريستيدس: "لا تكلمني عن هذه الأشياء. أخبرني فقط عن الضرر الذي سببه لك هذا الخصم. هذه هي القضية التي أحكم فيها."

الشجاعة، الثبات، التحمل، كلها فضائل عظيمة ومشرقة؛ لكن الحقيقة والعدالة، هما الأعلى والأكثر مجدا. هما أعظم الفضائل.

بعد أن تم استدعاء سيمون من قبل الأثينيين، أعطوه قيادة الجيش الذي كان يسير ضد أرتاكسيركسيس. لكنه مات بعد وقت قصير، إما من جرح، أو من المرض.

أثينا واسبرطة كانتا على وفاق وود، ساعدت كل منهما الأخرى في حروبهما العديدة. كلاهما من بلاد اليونان.

كان المؤتمر العام الذي تدعى إليه جميع مدن اليونان، 12 مدينة، يدعى "أمفيكتيونيك"، نسبة إلى "أمفيكتيون"، ثالث ملوك أثينا. للنظر في المسائل الهامة التي تهم اليونانيين جميعا. يجتمع في السنة مرتين في مدينة ثيرموبيلا، وأول اجتماع كان عام 522 ق م.

بعد وقت قصير من إنقاذ كوريولانوس لروما، عندما أوقف زحف الجيش الفولشي، سعى أحد القناصل، كاسيوس، لوضع قانون لتقسيم الأراضي بالتساوي. كان هذا يسمى بقانون الإصلاح الزراعي. وكان الفقراء يؤيدون هذا القانون، بقدر ما كان الأغنياء يعارضونه بشدة. لكن القانون لم يتم تنفيذه.

محاولات تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي، سببت اضطرابات في روما، ونزاعات بين الفقراء والأثرياء. في واحدة من هذه المشاجرات، تصرف كاسو، وهو شاب متحمس، بكثير من العنف، مما تسبب في الحكم عليه بغرامة كبيرة لسوء سلوكه وتحديه السلطات.

والده العجوز، سينسيناتيوس، باع كل ما يملك، للحصول على مبلغ الغرامة المطلوبة. ثم تقاعد في كوخ صغير على ضفاف نهر التيبر. التيبر، هو النهر الذي يتدفق عبر روما.

عندما كان الرومان يمرون بأزمة كبيرة، حرب أو زلزال مثلا، كان من عادتهم تنصيب ديكتاتور مؤقت، يملي عليهم ما يجب القيام به، وأي أمر يصدر عنه، يطاع على الفور.

الدكتاتور الأول كان لارتيوس. بعد ذلك بأربعين عاما، كانت روما في خوف وارتباك من تقدم قوات غازية تتجه نحوهم. لذلك لم يجدوا أفضل من سينسيناتيوس المتقاعد، لكي ينصبوه دكتاتورا لهم.

سينسيناتيوس، الذي تم استدعاؤه لإنقاذ روما من الدمار، كان يقوم بفلاحة مزرعة صغيرة من أربعة أفدنة بنفسه. وجده نواب مجلس الشيوخ خلف محراثه، في حقله الصغير.

توسلوا إليه أن يلبي نداء الواجب. وطلبوا منه أن يلبس ملابسه ويستمع للرسالة الآتية من مجلس الشيوخ. سأل سينسيناتيوس بفضول: "هل كل شيء على ما يرام؟"

ثم طلب من زوجته راسيليا، أن تحضر له ثوبه من كوخهم على ضفاف النهر. وبعد أن مسح الغبار والأوساخ التي كانت عالقة بالثوب، لبسه وذهب إلى مجلس النواب. هناك، تم تحيته وتنصيبه دكتاتورا لروما، التي كانت تتعرض لخطر داهم عام 458 ق م. منصب الدكتاتور كان أثناء حالات الطوارئ فقط.

أرسلت مركب فخمة، لكي يعبر بها سينسيناتيوس النهر، لأن مزرعته كانت تقع على الجانب الآخر من نهر التيبر. أبناؤه الثلاثة، مع أصدقائه وعدد من أعضاء مجلس الشيوخ، كانوا في استقباله، عندما وصل لروما. ثم نقل في موكب أبهة إلى قصر كان معدا له.

في صباح اليوم التالي، بدأ تحصين المدينة وحشد الجنود للمعركة. وسرعان ما حقق سينسيناتيوس نصرا عظيما، جعل أسرى العدو يمرون تحت النير. وهو عبارة عن ثلاثة رماح. اثنان ثابتان بحزم في وضع رأسي في الأرض، والثالث يوضع أفقيا فوقهما. لكي يمر الأسرى من تحته، وهذا يعتبر عارا كبيرا جدا للمحارب في الزمن القديم.

بعد أن أنهى سينسيناتيوس الواجب الذي تم استدعاؤه من أجله، استقال بتواضع شديد من منصب الديكتاتور، بعد 16 يوما. لقد كان من حقه أن يبقى في منصبه لمدة ستة أشهر. لكنه رفض، وفضل السير خلف المحراث في حقله. قال إن السلطة تطلب فقط عندما تكون ضرورة. لقد اختير مرة أخرى ديكتاتورا، عندما كان في الثمانين من عمره؛ وتصرف أيضا بحكمة ورجاحة عقل.

ديسيمفيري، فيرجينيا:

بعد فترة وجيزة من تنصيب سينسيناتس دكتاتورا أول مرة، اتفق المواطنون على أن روما تحتاج إلى قوانين جديدة. لقد سمعوا عن قوانين سولون الممتازة في أثينا. لذلك تم إرسال ثلاثة أشخاص إلى أثينا، للحصول على نسخة منها، ومعرفة قوانين المدن الأخرى اليونانية.

بعد عودة هؤلاء النواب إلى روما، أصبحت المدينة تتمتع بشكل جديد من أشكال الحكم. بدلا من اثنين من القناصل، يتم اختيار عشرة قضاة يطلق عليهم ديسيمفيري، هم من يقومون بحكم المدينة وسن قوانينها. كلمة ديسي تعني عشرة.

بعناية فائقة، سن مجلس القضاة، ديسيمفيري، مجموعة قوانين رائعة، تم الحفاظ عليها لفترة طويلة، وإلى وقتنا الراهن، لازالت تنال الإعجاب والاحترام في أجزاء كثيرة من أوروبا. وبسببها، بات القانون الروماني مشهورا.

استمر نظام ديسيمفيري لمدة ثلاث سنوات فقط. بسبب قصة مأساوية تسببت في فضه وإلغائه. القصة تقول أن أحد أعضائه العشرة، ويدعى أبيوس كلاوديوس، وقع في حب فتاة جميلة، اسمها فرجينيا. كانت مخطوبة للزواج من إيسيليوس، وهو شاب شجاع لم يرضخ لإغراءات أبيوس بالبعد عنها.

لكي يمنع أبيوس هذا الزواج بالعافية، ويحصل على فيرجينيا الجميلة، اتفق أبيوس مع رجل يدعى كلاوديوس نظير مبلغا من المال، على أن يقوم الأخير بادعاء كاذب، أن الفتاة هي جاريته، لكن سرقها والدها فيرجنيوس منه، ويريد استرجاعها.

أبيوس كان يعلم أن القضية سوف تعرض عليه كقاض لكي يحكم فيها. ومن ثم يمكنه إعطاء الفتاة المسكينة إلى كلاوديوس زورا وبهتانا. بعد ذلك، يمكنه أخذها من كلاوديوس حسب الاتفاق. الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا. وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم.

الفتاة فرجينيا كانت مرعوبة بشكل مخيف، عندما وقفت أمام أبيوس، هي وكلاوديوس، الذي أقسم ب أغلظ الأيمان أنها جاريته، وأنها ولدت في بيته، وقد سرقها أبوها، فيرجينيوس، منه.

كان الناس مشوشين، لا يعرفون من يصدقون. هل فرجينيا المرعوبة، أم كلاوديوس صاحب الصوت العالي، والذي أقسم بطول لحيته زورا .

عندما حاول خطيبها التدخل والشهادة لصالحها، أمر أبيوس بطرده من البلاد. وكان فيرجينيوس الأب المتهم ظلما بالخطف، على مسافة بعيدة في معسكرات الجيش. ربما كان متطوعا.

تركت القضية لليوم التالي. في نفس الوقت، أرسل أبيوس أوامره باحتجاز فيرجينيوس وعدم السماح له بترك مخيم الجيش. لكن خطيب الفتاة، كان قد أبلغ والدها بما حدث قبل أمر احتجازه.

في صباح اليوم التالي، ظهر فيرجينيوس في ميدان عام يرتدي ملابس الحداد، ومعه ابنته التي لا تكف عن البكاء. وأخذ يتحدث إلى الناس عن القصة الحقيقية. وأن أبيوس قد أحب ابنته، ودبر هذه المكيدة لكي يفوز بها.

اقترب الحراس للقبض على فيرجينيا وتسليمها للنصاب المدعي كلاوديوس، وظن أبيوس أن خطته قد نجحت، والجو بهيج، وتم له ما أراد. ولم يكترث بمقدار البؤس والعذاب الذي سببه للفتاة وخطيبها ووالدها.

فيرجينوس، وهو يرى أنه لا فائدة من إنقاذ ابنته من فك الحوت المفترس أبيوس، توسل للسلطات للسماح له بتوديع ابنته وداع الفراق. بعد أن تمت الموافقة، أخذ فيرجينوس ابنته بين ذراعيه، وتشبثت هي بعنقه، بينما كانت دموعها تغرق وجهه.

قبّل فيرجينيوس رأس ابنته بحنان، وقبل أن يرفع رأسه، طعنها في مقتل بخنجره وهو يصرخ قائلا: "أوه! طفلتي المسكينة فرجينيا، هذه هي الطريقة الوحيدة لكي تتحررين من العبودية." ثم رفع خنجره الدامي في وجه أبيوس، شاحب الوجه، والمرعوب فرقا، وهتف: "بحق دم ابنتي البريئة، يا أبيوس، سوف أرسل رأسك إلى آلهة الجحيم."

ساد الرعب والارتباك في كل المكان. أظهر إيسيليوس، خطيب القتيلة، جثتها للناس، مما أثار غضبهم وسخطهم على أبيوس. في نفس الوقت، جرى فيرجينيوس بخنجره الملطخ بدماء ابنته إلى معسكر الجيش، مما أثار غضب الجيش وسخطه أيضا على أبيوس.

لم يستطع مجلسي ال ديسيمفيري والشيوخ، السيطرة على الأمور وإخماد الاضطرابات، أو إخفاء الفضيحة. أما أبيوس، فقد هرب كالفأر واختبأ. فالكذاب جبان، ومن الحب ما قتل.

لم يجد مجلس الشيوخ بدا من إلغاء ال ديسيمفيري (مجلس العشرة)، لإعادة الهدوء للمدينة. ثم رجعوا لنظام حكم القناصل، كما كان الوضع من قبل. حدث هذا عام 449 ق م. ثم أنشئت المنابر العسكرية والرقابية بعد وقت قصير من إلغاء مجلس العشرة، ديسيمفيري.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي