والله كلكم كذابين

سلمى الخوري
2021 / 8 / 21

عند عودتي بعد الغروب من مهمة عائلية كان علي أن أتمها ركبت سيارة الأجرة
التي تنقل الأفراد حتى أصل الى منطقة الباص العام لكي أصل داري ، وكان الشارع
شبه خالي والضياء ليس مشعاً بما فيه الكفاية ، وبعد بضع خطوات من نزولي من
السيارة سمعت وقع أقدام خلفي ، أدرت رأسي لأتبين من الماشي خلفي فتبينت
أنه الشخص الذي كان جالساً في مقعد السيارة خلفي وهو شاب يبدو في العشرينات
من عمره ، فكرت في نفسي لا بد أن مسكنه في هذه المنطقة أو أنه يريد الوصول الى
منطقة الباص التي تقع أمام سوق العام في هذه المنطقة وهي منطقة شعبية مليئة
بالبسطات والباعة المتجولون ، وكان الوقت الذي يتطلب الوصول الى منطقة الباص
حوالى عشرة دقائق وتبينت أن الشاب كأنه يحاول التقرب مني ، فعندما أسرع الخطى
يُسرع خطاه أيضاً ، وعندما أبطئ الخطى يبطئ خطاه ، المهم هو كان يتكلم بصوت
مسموع ويطلب مني الوقوف للتحدث اليه ، وما أهابني أننا تربينا على الحذر والخوف
والقلق من الأشخاص الغرباء وبالخصوص في الأماكن المظلمة والغير مكتظة بالناس ،
فابتدأت أسرع الخطى وأنا مع نفسي أحدثها ،لماذا تفعلين هذا وأنت تحسسيه أنك خائفة
منه ، عليك أن تكوني شجاعة وتثبتي له أنك إنسانة شجاعة ، وليس لأحد له الحق أن
يضايقك ، ومن حسن الصدف كان القلة من المارة يسيرون في هذه المنطقة حتى
أقتربت من منطقة السوق وبداية المكان بدأت أسرع بخطى أكبر ، وعمل هو نفس الشئ
وسمعته يتكلم " لماذا أنت خائفة فإلى أين تذهبين أستطيع الذهاب " ، قلبي كان يخفق
بشدة ولمحت الناس الواقفين منتظرين مجيء الباص ومن بينهم لمح نظري شاب في
العشرينات من عمره ومرتدي الزي الرسمي للعسكر وفرحت بداخل نفسي كما لو وجدت
المنقذ الذي سيخلصني من الخوف الذي غمرني ، فهو جندي يحافظ على سلامة وطنه
وأبناء وطنه ، توجهت لهذا الجندي الواقف وسألته بصوت مرتجف من القلق ،
- " أخي تقدر تساعدني " ؟! كلمة أخي تعني الأستنجاد في المجتمعات الشرقية وتعني
تشريف وهِبّة لمن توجه له هذه الكلمة .
- أجابني ماذا تريدين أختي ؟
- قلت له هذا الشاب منذ أكثر من عشرة دقائق يلاحقني وانا خائفة .
توجه الجندي إليه بسؤال بطريقة تبدو رجولية ذات نبرة قوية ،
- أنت لماذا تضايقها ؟؟
- أنا ؟ رد عليه بتعجب
- رد عليه الجندي نعم أنت .
- رد عليه الشاب وأنت ما هو دخلك !؟
- هي أختي .
- أجابه الشاب هل هي أختك من أمك وأبوك أو من زوجة أبوك ، لأن هي بيضاء وأنت
لونك قريب الأسود ، وما تتشابهون أبداً .
- أنت ليس لك شأن في قرابتنا فهي أختي وأنا أخوها ، أبتعد من المكان وإلإ أطرحك بالأرض
وأجبلك بالطين والوسخ .
- ردت الفتاة على الجندي " خليه اخوية بس يمشي ولا يركب بالباص الذي سأركبه "
- أجابها الجندي "أنت تعلّمي لا تمشي بالشوارع عندما تظلم الدنيا لوحدك ، لأن تعرفين
الشباب اليوم ما يقاومون البنات الحلوين مثلج ، لكن روحي بالباص وأتركي الموضوع
لي " .
ثم سأل الجندي الشاب الآخر، أنت وجهك مو غريب علي من يا منطقة أنت ؟
- رد عليه شتريد من منطقتي ؟؟
- أريد أساعدك .
- بأي شئ تساعدني ؟؟
- حتى ما أصيح عليك الشرطة .
- ليش آني حرامي لو قاتل حتى تصيح الشرطة علي ؟!
- الحجاية هي مسالة التحرش بالبنات .
- هسة أنت لو ما لابس لبس جندي ما راح تلحكها وتركض وراها ؟؟
- لا ما أركض وراها .
- والله كلكم كذابين بس يصيرلكم فرصة ما تقصرون تلحكوهم وين ما كان .
- يلا أخوي الله وياك خلينا من هذا الجدل ما له نهاية .
- شفت شلون عرفت أنتَ مسوي هالشغلة لما ما تكون لابس لباس الجندية ،
وصل الباص الذي كانت الفتاة تنتظره لتعود الى منزلها ، وأتى الباص الذي كان الجندي
ينتظره ، وصاح الشاب مع السلامة .

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي