طقوس عاشوراء باقية , فلماذا هذا الاصرار على محاربتها ؟

محمد رضا عباس
2021 / 8 / 20

ينتقد بعض الكتاب العراقيون طقوس عاشوراء بحجة انها تؤجج نار الطائفية و انها لعبة سياسية تقوم بها الحكومة العراقية لأبعاد المواطنين من همومهم الحقيقية . حتى ان اصحاب الراي الاخير يقدمون مثلا بكثرة مواكب طقوس عاشوراء في مدينة الثورة او الصدر لاحقا والمعروفة بفقر سكانها , فيما ان حي المنصور في بغداد وهو من الاحياء الغنية يفتقر الى هذه الطقوس . على كل حال , ان هؤلاء الكتاب يكتبون حول الموضوع اما من اجل اهداف سياسية او بعيدين عن الواقع العراقي وخاصة واقع المكون الشيعي والذي ينظر الى عاشوراء على انه شهر تتجدد فيه الحياة وعنوان بقاءهم .
عاشوراء لا يعفي مدينة او مكون عراقي من المرور به . ولا يعفي فقير او غني . مدينة الشعلة و الحرية (الهادي سابقا) تعتبران من المدن الفقيرة في بغداد وتكثر فيها ممارسة طقوس عاشوراء , ولكن بنفس الوقت فان غياب الطقوس عاشوراء في مدينة المنصور لا يعني انها بعيدة عن الذكرى , حيث لا يخلو شارع سكني في هذه المدينة بدون مجلس تعزية او اعداد طعام عاشوراء (التمن والقيمة). ومن اجل دحر نظرية تركز مراسيم عاشوراء في المدن الفقيرة وغيابها عن المدن الغنية , فنقول ان مدينة الكاظمية والتي تعد من اغنى مدن بغداد و كربلاء من اغنى محافظات العراق تعج فيهما المواكب الحسينية , فقد لاحظت ان المواكب الحسينية في مدينة الكاظمية تبدء منذ الساعة السادسة مساءا حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل طيلة الايام قبل يوم العاشر.
ممارسة الطقوس سواء الدينية اوالوطنية قديمة قدم الانسان . فلا يخلو مجتمع مهما وصل من تقدم وازدهار من ممارسات بعض الطقوس , فلماذا يستكثر بعض الكتاب احياء يوم عاشوراء ويطرون بأحياء مناسبات اخرى ؟ بالحقيقة لا يمر اسبوع واحد في العالم بدون مناسبة سعيدة او حزينة, وهكذا تجد كتب الاجتماع والسيكولوجي تعج بالأمثلة من هذه المناسبات وان الغائها يعني الغاء تاريخ بكامله وفتح نار جهنم في العالم اجمع , حيث لا يقبل اي مجتمع الغاء مراسيم يعتقد بصحتها بالقوة. لقد اخبرني المرحوم والدي ان اهل مدينة الكاظم اضطروا ممارسة طقوس عاشوراء في بساتين الكاظمية بعيدا من انظار النظام في عهد النظام الملكي. اعاد نظام البعث الكرة مرة ثانية غير مكترث بدروس التاريخ, ولكنه فشل لان المواطن مارس الطقوس ليلا بعيدا عن انظار اجهزة الامن القمعية , وما تخلي المواطن العراقي من نظام صدام حسين الا رد فعل غاضب لممارساته ضد معتقداتهم.
الرسالة واضحة للقوى السياسية العلمانية في العراق وهو ان نصب العداء للطقوس العاشورية انما تشكل طبخة قاتلة لهم ويجب التعايش معها , لان العداء للطقوس يعني خسارة على الاقل نصف سكان العراق وهذا ما يتجاهله بعض السياسيين والكتاب المحسوبين على العلمانية . هذا مع العلم ان ليس جميع طقوس عاشوراء مقبولة عند شيعة العراق بضمنهم كبار علماء الدين من الطائفة ولكن كما يقول المثل العراقي المعروف ان من شب على شيء شاب عليه , وسوف لن اكون مبلغا ان اقول ان ابناء المكون الشيعي ينتظرون وصول شهر محرم بفارغ الصبر كل عام .
بالحقيقة وفي ظل اخفاق حكومتنا العتيدة من توفير المرافق الترفيهية من حدائق ومنتزهات ومعالم حضارية وثقافية تشغل اوقات المواطن والعائلة ,اصبحت ايام عاشوراء مناسبة للتواصل الاجتماعي و تعارف وترفيه من الاحتقان والضغوط النفسية لجميع الاعمار, اضافة الى تلقي دروس الثورة الحسينية واصول الدين . لقد لاحظت في زيارتي الاخيرة الى العراق ان هناك رجال ان توفرت لهم القيادة الحكيمة يستطيعون مصارعة الجبال .
موضوع اخر قبل نسيانه وهو ان هناك من يقول ان خلف طقوس عاشوراء محرك قد يكون هذا المحرك من صنع محلي او اجنبي . هذا افتراء مثل افتراء ان الحسين قد قتل بسيف جده او مثل افتراء ان عمر بن سعد كان امير الجيش ولم يباشر قتله ( اي قتل الحسين) . ان الذي يحرك طقوس عاشوراء هم فقراء العراق و اغنياءه . فهل نتهم من زار قبر الحسين وقطع المتوكل بالله يده كان عميلا لإيران مثلا او السعودية ؟ والله كارثة الكوارث ان تجعل الولايات المتحدة الامريكية جرذي اسمه ميكي موس شخصية عالمية يزوره 50 مليون سائح سنويا , وان يتهم زوار ومحبي شهيد الكلمة الحقه والرافض للعبودية والطغيان بالتبعية والذيلة والجهل والتخلف .
ثم من يعرف جغرافية العراق سيجد بدون تعب وجهد ان اعلى اسعار المتر الواحد في العراق هي المدن المقدسة والسبب في ذلك هو كثرة الزائرين والربح الوفير لتجارها . بكلام اخر , اصبحت الطقوس الدينية مصدر رزق لسكان هذه المدن والتي تحسدها المدن الاخرى . لقد لاحظت في ايام عاشوراء هذا العام ضخامة عدد زائري مدينة الكاظمية طيلة العشرة الاولى من ايام محرم و ازدحام اسواق البيع والذي مدد الباعة بسطاتهم بدون حق ومتجاوزين على الدين والقانون حتى لم يبقوا فراغ لسير المواطنين . فلا تدخلت البلدية بمنع الباعة التجاوز على الارصفة ولم يزعجها منظر الزائرين وهم يبحثون عن مرافق صحية او تراكم النفايات في الطرق والازقة . لقد شاهدت رجل دين محسوب على مكون سياسي شيعي واخر كان نائب لرئيس الوزراء يمشي على طرف اصابع رجله مسرعا ولم تأخذ منه الزيارة اكثر من خمسة دقائق وكنت اتصور ان نقص الخدمات للزائرين قد ازعجه وسوف يأمر المسؤولين بتحسينها . خيب الامل, ولم تصل الخدمات , وفي الاخير يخرج علينا كاتب يقول ان الحكومة العميلة للأمريكان هي التي تشجع على ازدهار هذه الطقوس لتعطي المجال لطبقة "الحرامية" الازدهار والثراء .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا