قُرَّةُ العَيْن الأنثى الأسطورة

نبيل عبد الأمير الربيعي
2021 / 8 / 19

في الوقت الذي بَقيت فيه قُرَّةُ العَيْن لأتباعها بطلة معاصرة، وداعية من دعاة التحرر والتمرد على التقاليد، والدعوة لتحرر المرأة الشرقية، اعتبرت للآخرين شخصية دينية ملتبسة بحق، حكم عليها بالموت بعد سلسلة من المحن والمحاججات والمواجهات الدينية. فضلاً عن أنها أصبحت ما ثلة في أذهان بعض الفرق الدينية الهامشية رمزاً من رموز الحداثة الدينية حيناً، أو تجعلنا في مواجهة وقائع امتزج فيها الدين والأسطورة بالشعر، وقائع تتعلق بسيرة أنثى جريئة امتلكت لساناً فصيحاً، ونمطاً مغايراً من التعاطي مع الحادثة الدينية، عملت في الزمان والمكان غير المناسبين، قُرَّةُ العَيْن تلك الأنثى التي كرست كل حياتها وهوسها للتغيير من أجل قضية الموعود.
فمنذُ تعرفها على فكر الشيخ أحمد الإحسائي مصادفة في قزوين في بيت أقربائها، اتضح أمامها الطريق الذي ستسلكه لخوض حياة قدر لها أن تكون الأكثر جرأة لامرأة عاشت حياة اجتماعية ودينية صارمة في القرن التاسع عشر.
كانت وجهتها إلى كربلاء لملاقاة تلميذ الإحسائي والمتمم لنهجه السيد كاظم الرشتي، وقدمت نفسها قرباناً لفكرتيهما، وانتقلت بعد ذلك لنسخ تعاليم الإحسائي ذاته. فقُرَّةُ العَيْن امرأة متنبئة آمنت إيماناً مطلقاً بدورها المجدد، وأعلنت مراراً وبوضوح أنها ليس لها هدف سوى وجه الحقيقة التي تستحق أن تكون شهيدة من أجلها، فحرض ضدها رجال الدين في كربلاء، وقادوا حملة لا هوادة فيها سوى التطرف المستهدف. كانت تمتلك هوساً لا نظير له لإنقاذ المرأة الشرقية، ولتعلن بكل وضوح في مؤتمر (بدشت) أن عهداً جديداً قد بدأ، هذه المرأة التي نجد انفسنا أمامها كحالمة بالتغيير بغير وقتها، فهي المرأة المتمردة على تعاليم دينها، وقضت وقتاً طويلاً في تأويل كل الروايات والأسانيد المتعلقة بكيفية إنجاز مشروعها.
برزت دعواها في كربلاء وسط تلامذة السيد كاظم الرشتي، وسط حيرة وحزن بحثاً عن الموعود القائم، وهي دعوة استاذهم قبيل رحيله، لذلك ارتبطت الدعوة بالأنوثة والجنون والتمرد، واستلهاماً لفكرة قُرَّةُ العَيْن التي ادعت أنها تمتلك أسرار الظهور المهدوي، إلا أن المجتمع الكربلائي قد رفضها ورفض فكرتها ودعوتها، لكن تبعها عددٍ من الرجال وبعض الأنصار من النساء، فقدمت تلك المجموعة شخصية قُرَّةُ العَيْن بوصفها مصدراً مغايراً لمعنى الخلاص، وبمحاضرات أعلنت عن مواقف التضحية بغياب المؤازرة الأنثوية التي تستمد منها قوتها، لذا قدمت الكشوفات من خلال تفكير شاعرة متنبئة لحركة دينية لها مستقبل بنسخ الشريعة الإسلامية كما حدث ذلك في مؤتمر (بدشت)، التي بينت فيه قُرَّةُ العَيْن أنها مقدسة، وجسدت لمستها التجديدية حتى لحظة موتها، فتحسست مستقبل الحركة التي ستقودها نحو نهاية المنبع الإلهي واصحابها المعذبين.
بدأت الدعوة الابية بالتشكل مع ظهور اتباع الباب الأوائل (حُرُوف حَيّ) الثمانية عشر، وبضمنهم قُرَّةُ العَيْن، وهؤلاء هم الأتباع الأوائل المؤسسون للحركة البابية، الذي ادعى الباب نزول كتاب (قيوم الأسماء) في شيراز بحضور الملا حسين البشروئي، الذي أرسل إلى طهران لاطلاع الشاه ورئيس وزرائه على حقيقة الدعوة، وارسل الملا علي البسطامي إلى كربلاء ليعلن لرجال الدين هناك عن عقيدة الباب، وتوجّه الباب نفسه إلى البيت الحرام ليعلن رسالته هناك لشريف مكة، أعلن الباب في أول دعوته عام 1844م أنه النائب عن الإمام الغائب، وأعلن عام 1848م أنه القائم الموعود نفسه، وبعد ذلك بزمن أعلن أنه ظهور من الظهورات الإلهية. وترتبَ على إعلان الدعوة البابية أن انتشرت بسرعة كبيرة على الرغم من فشل خطوة الباب في مكة. وطالب الباب في شيراز بتغيير صفة الآذان، فجوبه بعنف وحكم عليه بالاعتزال في بيته، لكن دعوته توسعت في قزوين ومشهد وأذربيجان وشيراز واصفهان وتبريز، وكان السبب هو اعتناق بعض رجال الدين المشاهير ديانته امثال الملا محمد علي في زنجان. لكن السبب الأكبر لانتشار الدعوة في كربلاء يعود بالفضل لجهود قُرَّةُ العَيْن، وعلى إثر تصريحات قُرَّةُ العَيْن التي اشارت إلى أن الوحي الذي نزل على الباب قد نسخ التعاليم الشيخية ذاتها، وقدم الباب إلى المحاكمة وحكم عليه بالسجن في قلعة (ماه كو) ومن ثم في (جهريق) عام 1848م. ولما أعدم الباب سنة 1850م لاحقت السلطات اتباع الحركة البابية في كل مكان، حتى إنه يمكن القول أن أغلبهم قد أبيد سنة 1852م وبضمنهم أبرز رموز الحركة (حُرُوف حَيّ) ومنهم قُرَّةُ العَيْن.
لم يكن صعباً فهم حياة قُرَّةُ العَيْن بوقائعها اليومية وإعلاناتها الدينية، وإنما ما اعترضته الصعوبة هو السياق الواقعي لحكايتها بوصفها متألهة برزت في مجتمع ذكوري متسلط يحتل فيه رجال الدين موقفاً رمزياً على المستوى الديني غير قابل للمس في المجتمع الإيراني آنذاك، بسبب انغلاق مجتمعها الذي لم يكن يسمح بإعلان صوت المرأة في أضيق المجالات الاجتماعية.
كانت تتمتع ببنى عقلية من المعرفة العلمية، اتخذ فيها النزوع العاطفي المشحون بالروايات مساراً سيخط الأطر العامة لأسطورة الأنثى التي أغرقت بفكرة ظهور الغائب، فكانت مغامرتها الدينية تلك محفوفة بالمخاطر، لكن سيرة قُرَّةُ العَيْن لا يمكن لأي كاتب أو باحث أن يتجاهلها، لتأثيرها على الواقع الاجتماعي في إيران والعراق وبقية دول العالم اليوم.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار