موت البرامج السياسية

راتب شعبو
2021 / 8 / 19

هناك ملمح عالمي يجمع بين الاندياح الطالباني في أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكي، وبين هجوم النظام السوري على درعا البلد ومحاصرتها، هذا الملمح هو تراجع قيمة السياسة والفكر السياسي لصالح قيمة واحدة هي القوة المجردة، أو هو، بكلام آخر، موت البرامج السياسية في العالم غير الديموقراطي.
تقادم أو اندثر التصور الذي يربط بين القوة السياسية والفكرة السياسية، بمعنى أنه لم يعد ثمة مكانة أساسية للصواب السياسي أو للبرامج الحزبية، ولا للدعاوة والتحريض وما إلى ذلك في حيازة القوة السياسية. لم تعد البرامج المناسبة وسيلة الحزب إلى تحصيل القوة الجماهيرية. انتفت اليوم في العالم غير الديموقراطي، العلاقة بين صواب الطرح السياسي وملاءمته لحاجات المجتمع، وبين القوة الجماهيرية لصاحب الطرح، فلم يعد الصواب السياسي يستجر القوة الجماهيرية، كما ساد الاعتقاد طويلاً. الثقافة أيضاً غير مستثناة من هذا التحول. القوة لا تكترث كثيراً بالتوافق مع الثقافة السائدة في المجتمع المستهدف. ليست الثقافة الإسلامية مثلاً هي التفسير الكافي لقوة الجماعات الإسلامية التي تسيطر على المشهد السياسي.
في السنوات التي سيطرت فيها طالبان على أفغانستان (1996 – 2001) عرضت نموذجاً كارثياً من الحكم، ارتكبت مجازر بحق مدنيين، منعت فنون الرسم والتصوير والموسيقى والسينما، حرمت النساء من الدراسة، ومن العمل، وصار على المرأة، كي تخرج إلى مكان عام، أن تلبس البرقع وأن يرافقها ذكر قريب، تحت طائلة الجلد أو الإعدام، وقامت طالبان بإبادة ثقافية شملت تماثيل يعود تاريخها إلى أكثر من 1500 سنة، ومارست تمييزاً سلبياً ضد الأقليات العرقية والدينية ... الخ، وها هي اليوم، مع ذلك، تتقدم كالنار في الهشيم في مقابل قوات الحكومة المنتخبة والتي تمثل، على فسادها، صلة أفضل بالعصر. على الأقل هناك نساء أفغانيات، في ظل الحكومة غير الطالبانية، وصلن إلى البرلمان، وتمكنّ، مثلاً، من الظفر بتسجيل اسم الأم على بطاقة الهوية، الأمر الذي ترفضه طالبان على أنه "مشروع غربي".
الذي يفسر هذا التقدم العاصف لحركة طالبان هو قوتها القتالية. السؤال إذن: من أين تنبع القوة القتالية؟ ولماذا ينهار الجيش الأفغاني بمعداته الحديثة وتنظيمه الحديث، والذي يقال إن أمريكا أنفقت على إنشائه وتدريبه أكثر من 83 مليار دولار؟ (ربما لو أنفقت أمريكا هذا المبلغ الهائل على البنية التحتية في أفغانستان وعلى التنمية الاقتصادية فيها، لكان ذلك أنفع في صد طالبان، بحسب أحد التعليقات الذكية على هذا الخبر).
قوة طالبان ليست مستمدة فقط من بنيتها التنظيمية ومن توفرها على موارد وعلى علاقات دعم خارجية ... الخ، بل مستمدة أساساً من العصبية الدينية والقومية التي تشد أفراد التنظيم، أي إنها قوة مستمدة من كل شيء سوى الأفكار السياسية وملاءمتها للمجتمع الأفغاني. العصبية في عالم اليوم تحيل الأفكار إلى الهامش، لأن الأفكار لا تولد العصبيات التي تولدها الهويات الانتمائية ولاسيما منها الدين والقومية. لذلك تموت الأفكار السياسية حين تحيا العصبيات.
الشيء الوحيد الذي كان يقف في وجه طالبان هو "القوة" الأمريكية. أمام كلا القوتين، لا تشغل قناعات الناس ووعيهم دوراً مؤثراً. حين تخرج هذه القوة، تتقدم القوة الأخرى، وكأن موضوع القوتين (الشعب الأفغاني) بلا أي حضور أو وزن. لا نشر الوعي "الطالباني" الإسلامي وقف في وجه القوة الأمريكية، ولا نشر الوعي الأمريكي العلماني يقف في وجه تقدم طالبان.
وجدنا الحال نفسه في سوريا. لم تتقدم أي جهة في الصراع بسبب أفكارها السياسية، على العكس من ذلك، القوى التي تقدمت هي القوى التي تعبد القوة ولا تقيم وزناً للفكر السياسي. لم يثبت نظام عائلة الأسد لأنه يمثل قيمة سياسية ما، أو لأنه يلبي تطلعات معينة للشعب السوري، بل لأنه قادر على البقاء بالقوة المستمدة، على الطريقة الطالبانية، من الاستثمار في العصبية وتقاطع هذا الاستثمار مع مصالح حلفاء داعمين وقادرين على الدعم. كلام الكثيرين من مسايري النظام عن الحفاظ على الدولة مثلاً، هو مجرد غلاف لا يكاد يستر التبعية للقوة والالتحاق بالقوي، تماماً كالحديث عن الحرية في جهة مسايري الإسلاميين الذين يواجهون قوات "الدولة". لب الموضوع بعيد بالكامل عن الفكرة السياسية، وكامن في العصبية التي هي بالتعريف مضادة للفكر.
لن يقودك الفكر السياسي، مهما كان متقدماً أو ملائماً، إلى أن تحوز على قوة متماسكة، فلحيازة مثل هذه القوة، تحتاج أن تحرض عصبية ما وتستثمر فيها. ومعلوم، في هذا الزمن، أن من ينفق قوة ناجمة عن عصبية انتمائية، مهما تكن، فإنه لا يشتري فكراً ولا حرية ولا خيراً للناس، بل يشتري سلطة تقمع الفكر وتصادر الحرية وتنكب حياة الناس.
النتيجة التي تتجلى دائماً لمن يتأمل في العالم غير الديموقراطي، هي إنه ليس الفكر السياسي المناسب هو ما يستجر القوة الجماهيرية، بل القوة القتالية، بالأحرى، هي ما تستجر فكراً سياسياً تلفيقياً يناسبها.
على سبيل المثال، فيما يخص الوضع الحالي في درعا التي لا يستطيع نظام الأسد أن يرميها بتهمة انفصالية أو تهمة تطرف ديني، ويحاصرها ويحشد لاقتحامها دون أن يكون في جعبته السياسية سوى القمع والتجويع والانتقامات، يمكن لأحد أن يقول إن من الطبيعي لقوات هذا النظام أن تهاجم درعا البلد لأنه من غير الطبيعي أن تبقى مناطق من سوريا خارجة عن سيطرة الدولة. صاحب هذا القول يمرر تبعيته "الفكرية" للقوة تحت ستار كثيف توفره مفردة "الدولة". لا يجد صاحب هذا القول ما يدعو إلى التأمل في ما أصبحت عليه هذه الدولة في علاقتها مع "الشعب"، أو ما يدفع إلى التفكير في أن الناس المحاصرين والمعرضين للهجوم لا يطالبون، في الواقع، سوى بدولة، على أن تحمل حدوداً ولو دنيا من مفهوم الدولة، وليس دولة يقتصر مفهومها على القسر، وتنحط علاقتها بالمحكومين إلى حدود الاستعباد والانتقام.
في غياب العلاقات الديموقراطية تصبح الكلمة العليا للقوة، ولا يتوفر على القوة سوى من يستثمر في عصبيات هي بطبيعتها غير سياسية ومنافية للديموقراطية. هكذا تدخل أطراف قوية "عصبياتية" إلى ميدان الصراع السياسي وتسيطر عليه وتفسده فتجعله صراع سياسي (صراع على السلطة) لا سياسي (يتغذى من عصبيات أكثر مما يتغذى من تفضيلات سياسية للشرائح الاجتماعية) في الوقت نفسه.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية