فيلم (المولود مرتين) يُظهر واقع النّساء في أبشع صورٍ عاشتها أيام الحروب ،

علي المسعود
2021 / 8 / 18

Twice Born

علي المسعود

الحروب دائماً تخلّف الكثير من المآسي والعذابات في حياة البشر الّذين عاشوا تحت وطأتها، وخاصّةً النّساء والأطفال وتاركةً الكثير من آثارها الموسومة بوشم الفاجعة على حياة شُخوصها، وتعتبرحروب يوغسلافيا السابقة (1991-1995) من أعنف الأحداث في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية والتي شهدت تنفيذ جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية منها التطهير العرقي وانتهاك قوانين الحروب أثناء الصراع في البوسنة والهرسك ، جرائم قتل واغتصاب وتعذيب نفذتها مجموعات عسكرية ، وتعد مجزرة سربرينيتشا التي راح ضحيتها ثمانية آلاف قتيل نموذجا يعكس الصورة الحقيقية لما جرى في المنطقة. فيلم (مولود مرتين) الذي عرض في عام 2012 يتناول جانب من تلك الفترة وقام باخرج الفيلم المخرج والممثل الايطالي "سيرجو كاستيليتو" ، والفيلم مقتبس من رواية بنفس الاسم للروائية "مارغاريت مازانتيني" ، وساهمت بكتابة سيناريو الفيلم بمشاركة زوجها المخرج " سيرجو كاستيليتو" .
الكاتبة "مارجريت مازانتيني" المولودة في دبلن - أيرلندا في أكتوبر 1961عام . سافرت عائلتها - الأب الإيطالي والأم الأيرلندية - كثيرًا خلال طفولتها واستقرت في النهاية في تيفولي بإيطاليا ، درست في أكاديمية الفنون المسرحية في روما وأدّت كممثلة في الأفلام والتلفزيون وكذلك على خشبة المسرح منذ عام 1980 . وفي عام 1994 كشفت مارجريت مازانتيني لأول مرة عن موهبتها ككاتبة مع رواية " وعاء الزنك". وبعدها أصدرت أنجح روايتها وهي رواية "دونت موف" الحائزة على عدة جوائز ، التي تم تكييفها أيضًا للشاشة من قبل زوجها المخرج "سيرجيو كاستيليتو" . أما عن رواية "مولود مرتين "، فقد وضحت الكاتبة مصدر الالهام في كتابة تلك الرواية قائلة "عادة لا أحدد البنية بشكل مسبق ولا أضع الخطوط العريضة ، بالنسبة لي ، الكتابة عمل طائش وتحدٍي ، أعطي نفسي لهذا الشيء المجهول ، الشيء الذي لا يكشف عن نفسه إلا وأنا أكتب ـ ومع ذلك ، كان لدي هدف من هذا الكتاب وكنت أعرف أن هذا الطفل سيخرج من رحم الحرب المظلم . كان هذا هو الحدس الحقيقي في قلب الكتاب. بعد ذلك ، حول هذا المثل ، صنعت صورًا لمشاهد عن هؤلاء الشباب المحمومون الذين كانوا عالقين ، لكنهم متعطشون للمستقبل ، للشعر والموسيقى ، للحب بلا حدود للفرص الضائعة. كانوا هم من شدوني. تابعت الحروب الصغيرة في حياتهم اليومية ". اتخذ الفيلم عدة مواقع للتصوير منها إيطاليا وإسبانيا، كما تضمن 3 لهجات في النص هي الإنجليزية والإيطالية والبوسنية – نسبة لتطرقه في الحديث عن حرب البوسنة . تبدأ الحكاية عندما نرى بطلة الفيلم الأمّ الّتي تُدعى "جيما"، وهي تتكلم مع زوجها العسكريّ "جوليانو"، الّذي أدّى دوره المخرج "سيرجيو كاستيلتو" نفسه ، عن دعوةٍ تلقتها من صديقها "جوجكو" بعد أن تتلقى جيما مكالمة هاتفية من كوجكو(عدنان هاسكوفيتش) ، الشاعر البوسني البوهيمي والذي كانت تعرفه قبل عقود ، لزيارة سراييفو مسقط رأس إبنها الشّابّ "بييترو "، يخبرها إنهم بصدد تنظيم معرض يحوي صور ضحايا حرب سراييفو وستكون الصور التي التقطها زوجها قبل عشرين عاما من ضمن الصورالحاضرة في المعرض . تذهب جيما لسراييفو مصطحبة ابنها بيترو (بيترو كاستيليتو) وهوالابن الحقيقي لمخرج الفيلم - والذي يشعر بالخزي كلما سُئل عن سبب ولادته في سراييفو- ليشاهد اعمال والده . ولتبدأ رحلة ذكريات جيما القديمة تعود من جديد وكأن المكان كان يحتفظ بذكرياتها كل تلك السنين وهاهو الان يبوح بها بعد ان ضج بصمته . حيث أرادت "جيما" لابنها بييترو أن يتعرّف إلى مسقط رأسه ، ونسبه ومن يكون في رحلتها إلى تلك المدينة فأصرّت على أن تأخذه إليها . وفي صيف عام 2008 ، استقلت جيما وابنها المراهق بيترو رحلة جوية من موطنهما الأصلي روما في رحلة إلى سراييفو ، حيث تأمل جيما أن تعلمه عن مدينة ولادته وأن تخبره بالمزيد عن دييغو ، والده المتوفى والذي لم يلتق بيترو قط . لقد مرت ستة عشر عامًا على الحرب في البوسنة - ستة عشر عامًا منذ أن اضطرت جيما إلى الفرار من المدينة مع بيترو ، المدينة التي تعرفت وأحبت دييغو فيها . ذكريات الحصار الوحشي تطاردها في كل خطوة . وفي الطّريق إلى سراييفو ؛ يتداعى في ذهن “جيما” كمٌّ هائلٌ من الذّكريات المؤلمة عن المدينة في زمن الحرب ، جيما (كروز) طالبة دراسات عليا إيطالية تبحث في أدب البلد الذي لا يزال يعرف باسم يوغوسلافيا . تندمج مع حشد صاخب وعاطفي مع مجموعة من الشباب البوسنيي البوهيمي ، الذين يدخنون السجائر ويهتفون بالشعر ويتبادلون العشاق بتخلي عن الحياة . حتى أعنفهم صخباً- شاعر اسمه كوجكو ويقوم بدوره " عدنان هاسكوفيتش" - يبدو هادئًا بجانب دييغو (إميل هيرش) وهو المصور الأمريكي ، وعن قصة الحبّ الغريبة الّتي جمعتها فجأةً بالمصور الأمريكي “دييغو” والتي تحوّلت لزواجٍ سعيدٍ في البداية . إلّا أنّ “جيما” أسقطت حملها أكثر من مرّةٍ، ليتبيّن طبّيّاً في وقتٍ لاحقٍ أنّها أصبحت غير قادرةٍ على الحمل، وبعدها بدأت مراجعات الزّوجين إلى الأطباء لإيجاد حلٍّ لكن تبيّن أنّ (جيما) لا تستطيع الإنجاب ، ولانها تريد التمسك بالرجل الذي تحبه وتريد طفلا يربطها به ، وبعد التّفكير من قبل الزّوجين كثيراً في فكرة التّبني وواجهوا صعوبات في تنفيذ تلك الفكرة ، بدأت أفكار الزّوجين تحوم حول الشّابّة "آسكا" وهي صديقة للشاعر "كوجكو" والّتي كانت تحلم بالانضمام إلى فرقةٍ مسرحيّةٍ شهيرةٍ، ونظراً لحاجتها الشّديدة للمال وافقت الشّابّة على أن تمنح الزّوجين طفلاً من علاقةٍ غير شرعيّةٍ مع الزّوج دييغو ، وبسبب سوء الأحوال الأمنيّة قرّرت أن تغادر "جيما" مدينة سراييفو لعدّة أشهرٍ بعد أن أمّنت الخلوة لزوجها مع "آسكا" الممثلة التركية(سعدت أكسوي) . وهي عازفة موهوبة ولكنهاعلى الاستعداد في تأجيررحمها مقبل الحصول على المال للتمكن من السفر الى بريطانيا لتطوير موهبتها الموسيقية ، وحين عادت اكتشفت أنّ زوجها على علاقةٍ معها وقد حملت بالفعل ، فأشرفت "جيما" بعد عودتها على ولادتها، وحصلت على طفلٍ أسمته "بييترو"، ثمّ غادرت إلى بلدها إيطاليا، تاركةً زوجها "دييغو" وراءها في سراييفو بسبب فقدانه جواز سفره، فاقدةً له إلى الأبد بصورةٍ غامضةٍ . ومع انتهاء شريط الذّكريات؛ وخلال زيارة "جيما" لصديقها "كوجكو" اكتشفت أن تزوج من "آسكا"، فانتابها خوفٌ أن تكون دعوة "كوجكو" لها محاولةً لسلبها "بييترو"، وإعادته لأمّه الّتي لم تكن قد أنجبته، نتيجة علاقتها مع زوج جيما "دييغو" كما كان متوقعاً، لكن الحقيقة تصدم جيما ، حين تعلم بأن الطّفل(بيترو) لم يكن إبن "دييغو" بل كان حملاً مؤلماً ناتجاً عن تناوب مسلّحين دخلوا لمنزل دييغو، وتناوبوا في اغتصاب الشابة "آسكا" وإطفاء سجائرهم في جسدها . تمّ ذلك كلّه أمام ناظري"دييغو"المختبئ اّلذي لم يفعل شيئاً ، غير أنّ ضميره عذّبه ، وقرّر أن يساعد المرأة الّتي رفضت الطّفل أساساً ، وقرّرت أن تتخلى عن ولدها نهائيّاً ، مع استمرار الحالة النّفسيّة السّيئة لـ دييغو ، قرّر الانتحار في عرض البحر مخلّفاً وراءه آسكا والطّفل ، ووشماً يدل على فعلة الحرب وآثار نيران الاغتصاب موجوداً على رقبتها، والّذي اكتشفته جيما في لقاءها مع أسكا وابنها بييترو ، ويأتي المشهد الأخير للأمّ غير الحقيقيّة "جيما" المرتحلة مع ولدها عائدةً إلى إيطاليا بعد أن رأت الأمّ الحقيقيّة لأبنها ذي الأصول غير الشّرعيّة . قصة الفيلم إنسانيّةٍ نقلها لنا المخرج "سيرجيو كاستيلتو" عبر طرح أحد القصص الشّديدة التّأثير والإيلام حول حياة شابٍّ مولودٍ بطريقةٍ غير شرعيّةٍ زمن الحرب في سراييفو وعن الأخطاء والوحشيّة وطريقة الولادة، ونمط حياة الآخرين إزاء هذا المولود وأمّه وآلامهما . وتقوم بدورجيما (بينيلوبي كروز) ويلعب بيترو كاستيليتو نجل المخرج دور بيترو ، ويلعب كاستيليتو دور الزوج الثاني جيما " جوليانو" ويبدو الاثنان متشابهين تمامًا –(مما يخلق بعض التنافر البصري غير المقصود) - لانه في الفيلم ليس ولده . بالنسبة إلى "جيما" فإن الرحلة هي فرصة لزيارة الأصدقاء القدامى وكذالك تعريف إبنها للمدينة التي ولد فيها ، وتستذكر زوجها الأول وهو المصور الأمريكي دييغو ويقوم بدوره (إميل هيرش). الامومة والحب كموضوعين متكاملين لايمكن فصلهما عن بعضهما فرغبة بطلة الفيلم "جيما " بطفل لاتحركها فقط رغبتها كانثى بالامومة بل تدفعها مشاعر الحب لأنجاب طفل يربطها برجل حياتها الذي تقاسمه الجسد والروح ليصبح هذا الطفل بمثابة اعلان صادق وحقيقي لمدى عمق ومتانة تلك العلاقة ، ويكنشف ذالك بشكل واضح من خلال أحد المشاهد في الفيلم حين تصرح عن دوافعها "اريد ان اعطيه طفلا يربطه بي ".
بشاعرية ايطالية جميلة وتحفة بصريه تصحبها موسيقى هادئة أعدها (أدواردو كروز) وهو شقيق الممثلة بينلوبي كروز- يُعمق الفيلم رؤيته للحب والرغبة بالاحساس بالامومة كحاجة ملحة ورغبه هي جزء من الحياة ان لم تكن هي الحياة بعينها واضعا الحرب وحصار سراييفو كخلفيه للوحة جميلة ألا وهي علاقة جيما استاذة الادب الايطالية بالمصور الامريكي "دييغو " رغم الفارق العمري الكبير بينهما، فللحب قدرة على اذابه الاختلافات او كما قال دييغو في الفيلم " أغرب قصص الحب هي الافضل دائما ". (ولد مرتين) فيلم يتحدث عن حرب البوسنة وأهوال ماحدث بها من مآسي ولكن من خلال خط درامى عن فتاة ايطالية ورجل امريكى تنسج بينهما قصة حب على ارض البوسنة قبل الحرب، دييغو المصورالمتجول ، والذي أصبح مغرمًا بجيما على الفور وعلى الرغم من أن شخصيته تدرك فارق السن بينهما ، إلا أن هيرش نفسه أصغر من كروز بـ 11 عامًا - وهي فجوة مشتتة للانتباه لا يستطيع أي من الممثلين سدها . إستفادت الممثلة "بينيلوبي كروز" بحكمة من موهبتها وجمالها وحب الكاميرا المتبادل لها ، ويبرز على قدرة هذه الممثلة عندما تُمنح الشخصيات التي تقوم بأداءها جسد وروح . استطاعت كاميرا المخرج الإيطاليّ سيرجيو كاستيلتو عام 2012، وخلال مدّةٍ لا تتجاوز السّاعة والنّصف من الزّمن تحويل وقائع الحرب ومأساتها لفيلمٍ سينمائيٍّ، اسمه "المولود مرتين"، مضيفاً لرصيده تحفةً فنيّةً غنيّةً بكلّ القيم الإنسانيّة الّتي تشرح الشّرخ الرّوحيّ والعاطفيّ الّذي شكّلته الحرب، ودفع نتيجتها الأجيال دماراً وتشرّداً . ينتهج الفيلم أسلوب تتبع الأحداث بالقطع ما بين الماضي والحاضر، فيبتدئ باتصال هاتفي حاضر ويمر بعدها بماضي الشخصيات، ثم تتتابع الأحداث بتسلسل زمني ما بين الماضي والحاضر، ليأتي المشهد الأخير ل جميا وابنها في رحلتهم البحرية بعد الصدمة في معرفة حقيقة واصل الابن بيترو. وأما عن ابنها فالفيلم يخوض للحديث عن التضحية المستمرة تجاه الأمومة، فكم كان يلزم شخصية “جيما” من الحب لتستطيع تحمل حقيقة ابنها ؟!! . أقل ما يقال عن هذا الفيلم انه سينما الانسانية لان الكاتب والمخرج اهتموا جدا بالتفاصيل الانسانية لدرجة غير عادية . الفيلم الذي اقُتبس من رواية " مارغاريت مازانتيني " زوجة مخرج الفيلم سيرجيو كاستيلو يظهر بعمق بشاعة الحرب والامها من خلال مشاهد كثيره ففي احد المشاهد يتحدث " كوجكو " عن صديقه زوران الذي كان ضحية تلك الحرب :" صديقي زوران كان افضل من يدفع كرسي المقعدين ، كان يحب "كافكا" ويحفظ قصائد بابلو نيرودا ، اليوم اخذ والده في جولة وكان والده يقول له دائما فلنتسابق يابني لنرى أن كان بامكان من على التل ان يطلق علينا النار، زوران اتقن التمثيل عندما اطلق القناص عليه النار فقد أحس وكأنه فنان يؤدي دور قتيل على المسرح من خلال سقوطه بحركة مسرحية ، فلترقد بسلام صديقي العزيز" .
أظهرت الكاتبة "مارغريت " معرفة كبيرة بسراييفو والحرب التي دارت فيها واستطاعت إعادة الحياة إلى المدينة بكل هذه الوضوح والحيوية ، وعند سؤال الروائية (مارغريت ) كيف تمكنت من الخوض بعمق في الأعمال الوحشية والسخاء التي يمكن أن تلهمها الحرب ؟. أجابت قائلة " كل الحروب متشابهة. جميعها تثقل كاهل المدنيين الأبرياء. أردت أن أتحدث عن الحرب كاستعارة للشرالمطلق ، مسرح من العبث البشري ينتهي الحب ويبدأ الرعب. كانت الحرب في يوغوسلافيا السابقة حربًا في قلب أوروبا ، حيث دارت على بعد أميال قليلة عبر البحر من شواطئنا الرائعة هنا في إيطاليا ، ومع ذلك فقد نظرنا إليها في ذلك الوقت على أنها أزمة إنسانية خارجية ، وكأنها لا علاقة لها بنا حقًا. لقد أنجبت للتو طفلي الأول في عام 1991 ، عندما بدأ الصراع. كنت أرعى مولودًا جديدًا ، وشعرت أنني حملت المستقبل وأمل العالم بين ذراعي ، وكانت هناك هذه الصور المروعة على التلفزيون ، صور المحرقة "، وتضيف الكاتبة " بعد سنوات ، ركبت طائرة وذهبت إلى سراييفو. ورأيت هذه المدينة التي كانت شرقية وغربية ، مدينة كانت متعددة الأعراق قبل الحرب ، مثال على التعايش المدني والفن والجمال. ورأيت الجروح التي كانت ظاهرة في كل مكان. التقيت برجال ونساء ما زالوا مليئين بالكرامة والجمال. أردت أن أتحدث عن هذه المدينة - الفرح حيث احتفلت بدورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 1984 (حيث تبدأ قصة حب دييغو وجيما). وأردت أن أصف المدينة كما هي اليوم ، الآن بعد أن انتهت الحروب ، واختفت الأخبار التلفزيونية والصحفيون جميعًا ، والناجون عالقون في آلامهم وبدون جمهور. لقد ألفت هذا الكتاب برغبة في تصوير خيوط الجمال والعاطفة الإنسانية من بين الكثير من الأخطاء التي عانوا منها. لقد كتبت هذا الكتاب لأننا يجب ألا ننسى ".
عندما كانت الممثلة الاسبانية " بينيلوبي كروز" تصوّر فيلم" ولد مرتين" والذي تلعب فيه دور أمرأة غير سعيدة بعدم انجابها ولكنها في الحقيقة - كانت لا تزال ترضع ابنها الصغير. في بعض المشاهد ، تشارك شخصيتها الشاشة مع مجموعة من الأطفال حديثي الولادة ، يتم تبديلهم بمجرد أن يصبحوا أكبر من اللازم . وتتحدث عن دورها في الفيلم واللحظات التي صادفتها قائلة : كان عمر بعض هؤلاء الأطفال أسبوعًا واحدًا فقط . لذا كانوا يشمونني وهذا جعلهم يرغبون في تناول الطعام . لكنني كنت ألعب دور امرأة لا تستطيع الرضاعة لأنها لم تلد! لقد خلق هذا أمرًا غريبًا للغاية ولكن ديناميكية حية بيني وبين هؤلاء الأطفال . لا يمكنك تعلم شيء من هذا القبيل وهذا الفيلم مليء باللحظات التي لا يمكن التخطيط لها"، كل من الرواية والفيلم صريحان بشكل ملحوظ حول الأسباب التي تجعل بعض النساء يرغبن في إنجاب الأطفال . تتغذى جيما في الغالب على الرغبة في تكرار شريكها ؛ ذات مرة تقول إنها تتوق لرؤية نسخة أصغر من قدميه تدق أمامها . كما اعترفت لطبيبة نفسية التي لعبت دورها الممثلة " جين بيركين" ، التي تقيم الزوجين كوالدين بالتبني المحتملين: "أريد من طفل أن يربط هذا الرجل بي" . تقول كروز: "بالنسبة لي ، هذا أحد أهم السطور في الكتاب وتضيف : " عندما قرأت الكتاب ، سلطت الضوء على هذا السطر. هذا يصف حقًا من هي جيما. إنها صادقة حقًا. إنها تريد أن تصبح أماً لأنها تريد تجربة ذلك ولكن أيضًا لأنها لا تريد أن تفقد ذلك الرجل . إنها تشعر بأنها معيبة." تبدو مثل هذه الصراحة نادرة. "نعم! منعش حقًا! لكن جيما ليس لديها مشكلة في إظهار عدم الأمان لديها. حتى أنها تقول لدييغو أنه يجب أن يذهب ويجد حلا أما بالتبني او أيجاد أمراءة تقبل ان تمنح وليدها لهم .
المشاهد للفيلم ونفس الشئ لقارئ الرواية سيشعر بصدمة مفجعة في الدقائق الأخيرة من االفيلم حين يكشف حقيقة حمل الشابة أسكا وهي بمثابة الولادة الثانية للشاب بيترو الذي " ولد مرتين ". وعن تخطيط الكاتبة لتلك النهاية الصدمة " أجابت قائلة :" أنا حكواتي . لا أحب أبدًا أن أكرر ما أعرف بالفعل كيف أفعله ، وما فعلته بالفعل. أحب تحدي نفسي والبدء من الصفر ، والتحديق في منطقة مجهولة. تخيلت شخصيةالبطلة" جيما "عقيمًة وفكرت في كيفية تأثير العقم على مجتمعنا . هذا كتاب حميمي ، إنه مفتوح على مصراعيه ، وحاولت أن أشمل الجميع فيه. لم أقف أمام المرآة لأكتبها - نظرت من النافذة . نظرت إلى العالم واستمعت إليه. فكرت في مجتمعنا الغربي المدلل وشرقنا الصعب ما بعد الشيوعية. فكرت في هذه المصائر البعيدة في المسيرة ، والتحرك نحو بعضنا البعض دون إدراك ذلك ، والبحث عن بعضهما البعض حتى يتمكنوا من معالجة جروح بعضهم البعض ، والعثور على علاج لحزن الحياة ، وإيجاد معنى في خواء الحرب ". المشاهد كثير وعميقة الآثر والجديرة بالاهتمام ، لكن المشاهد التي تتضمن حرب البوسنة ، وتشرح بالتفصيل الندوب التي غالبًا ما تكون عشوائية ، والتي جلبت على سكان سراييفو. حرب قاسية على النساء بشكل خاص ، أكثر المشاهد التي تؤلم القلب وتوجعه هي ماحدث للفنانة الشابةالمفعمة بالأمل وحب الموسيقي والطموحة ، ولكن روحها تذبل مثل زهرة تداس تحت اقدام وحوش تمتهن قتل الجمال و الفرح . وهذه هي العازفة ( أسكأ) وتؤدي دورها الممثلة التركية" سعدت أكسوي" بشكل ملفت النظر ورائع . الفيلم يُظهر واقع النّساء في أبشع صورٍ عاشتها أيام الحروب، جراء ما تعانيه من جرائم الاغتصاب والتّعذيب، الّتي نقلتها كاميرا المخرج بأدقّ تفاصيلها وقسوتها، واستعراضه لتلك المشاعر النّسائيّة المختلطة في حدّتها وحزنها ومرارتها، والّتي صوّرت على شكل مذكراتٍ ملحميّةٍ لامرأةٍ عاشت ظروفاً صعبة في زمن الحرب . الشّرخ الرّوحيّ والعاطفيّ الّذي شكّلته الحرب، ودفع نتيجتها الأجيال دماراً وتشرّدا . أعتقد أن هذا الفيلم هو تكريم لجميع النساء ، وتكريم للأمومة . في هذا الشريط السينمائي ، قدم لنا المخرج سيرجيو كاستيلتو، رواية إنسانية موجعة وشّديدة التّأثير حول حياة فتى مولودٍ بطريقةٍ غير شرعيّةٍ وتحمل ولادته ذكرى قاسية ومؤلمة للام في زمن الحرب في سراييفو، وعن الجرائم والوحشيّة وطريقة الولادة، ونمط حياة الآخرين إزاء هذا المولود وأمّه وآلامهما . كانت ولادة الصبي نتاج ظروف غريبة وسرية إلى حد ما تضع القرابة البيولوجية له تحت الشبهات ، والهدف من رحلة جيما هو أن تكشف له الحقيقة بشأن بنوه ، لكن اتضح أنها هي نفسها لا تعرف سوى نصف القصة ، إن لم يكن أقل .
في الختام : فيلم "المولود مرتين" من عمق الآلام ، آلام الحرب ونيرانها الّتي استعرت على جنبات النّساء والأطفال، تاركةً نَدَباتٍ لا تنسى على أجسادهنّ، وقلوبهنّ مخلّفةً أبناءً غير شرعيين ومفقودين للآمال والأنساب . هي الحروب الّتي تخلّف الكثير من المآسي والعذابات في حياة البشر الّذين عاشوا تحت وطأتها، وخاصّةً النّساء والأطفال و تاركةً الكثير من آثارها الموسومة بوشم الفاجعة على حياة شُخوصها .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا