ظاهرة العنف الديني ومتلازمة الحاضنة الأجتماعية

عباس علي العلي
2021 / 8 / 18

العنف الديني والحاضنة الأجتماعية

وصلنا إلى شق مهم من أسباب العنف الديني والمرتكزات التي يتخذ منها منطلقا لتكوين الحاضنة البشرية الملائمة والمستعدة دوما للانخراط في هذه الظاهرة ،ومن خلال هذا الاستعراض لا بد أن نؤشر للدور البشري الفاعل الذي يسوق للظاهرة ويدعمها فكريا ويجني متن ورائها مكاسب سياسية وأجتماعية ودينية بمعنى الغطاء وليس بمعنى الكسب الإيماني ، نحن نعرف أن أي فكرة في هذا الكون يحتاج لجانب أقتصادي ومادي يعتمد عليه في توسيع دائرة النفوذ والسلطة بما يسهل له أن يدفع بأتجاه مصالح الفئة القائمة على المشروع ومن ورائها الخلفيات الداعمة والمنشئة له .
يستغل الفاعل الديني الذي يؤمن بالعنف طريقا النص الديني أستغلالا بشعا من خلال تسخير المقتضيات المالية والتكاليف الشرعية التي تأتي من أهمها في الدرجة قاعدة خذ من أموالهم صدقة تزكيهم ،وتحوير المراد من هذا الأخذ بتبريرات وذرائع دينية تحرف لأجل قبض الأموال وأخذها من عموم المسلمين وحتى الفقراء المعدمين الذين يبحثون عن أي طريق للخلاص والتطهير من الملوثات الدنيوية وتحت عناوين شتى خمس زكاة صدقات وقف وغيرها وهذا يعتمد على سعة القاعدة التي يديرها الفاعل الديني ، وعندما يتخذا هذا الفاعل شعار الدفاع عن الدين والجهاد في سبيل الله نجد أن القاعدة تتوسع طبيعيا دون أن يسأل المؤمن حقيقة وكيفية إدارة أمواله المأخوذة أعتمادا على الثقة الممنوحة لرجل الدين ، ومن هنا يستفيد الفاعل من الشعار ومن رعاية العنف لتعظيم القاعدة المالية والمادية وربطها بالهدف الذي يسعى له بتشجيع التطرف والمغالاة بدواع العنف والدعوة له .
الفاعل الديني الصادق مع الله والخاضع لروحية النص الديني يتميز بالتزامه بقاعدة الدعوى لله بالحسنى والدفع بالتي هي أحسن بأعتبار يقيني منه بأن الله هو صاحب الحق في معالجة قضية الانحراف والظلم والتوكل على مقدرته الخاصة في ذلك دون أن يمنح نفسه أو أي مخلوق أخر منزلة الفصل بين الناس والخصوم في مسائل تتميز بالحساسية وخاصة مسألة الدم والعرض والمال ، لذا يلجأ هذا الفاعل دوما إلى المنهج السلمي والمسامحة وتأويل الأمور بما فيها مسألة المس بالشخصية الدينية الفردية دون الجمعية إلى مقام الصبر والتصبر وبذل الجهد الشخصي لتحسين الوضع ومنها أعادة توزيع الحقوق الدينية وفق قاعدة الأسداس المعروفة والتي لا تجعل من الثروة والمال دولة بين الأغنياء ، هذا المنهج الرسالي هو الأولى بالمراعاة والأخذ به دون أستخدام العنفي مواجهة الانحرافات والميل الطبقي واختلال توزيع الثروة .
الحقيقة أن الفاعل الأول والذي يدعوا للعنف في مواجهة المجتمع هو المسبب الأساسي والحقيقي لكل الانحرافات الأجتماعية والسياسية التي أصابت وتصيب المجتمع ومنبع الخلل يكمن من كونه ذيل سياسي للسلطة ومسخر لخدمة السلطة أكثر من أداء خدمة دينية أصلاحية للمجتمع، اكثر دعاة الفتنة العنفية على مر التاريخ هم من رجال السلطة وممن تخرج من المدرسة المحافظة التي كانت تداهن السلطان وتدافع عن انحرافاته وميوله اللا إنسانية وكان دائما يستخدم مطية للدفاع عن مصالح السلطة ويستخدم ذراعا لتصفية خصوم السلطة بتضخيم المفاهيم المعادية للخروج عن السلطة والتسامح والمهادنة مع النصوص التي تفضح الميل السلطوي .
لقد كانت المدرسة المحافظة والتي تمثل بالمنهج السياسي الديني الذي يعاضد السلطة أيا كانت وبأي شكل أتت سواء أكانت ظالمة أو متعسفة والتي لها جذور تأريخية في النشأة نتيجة الصراعات السياسية الأولى هي المعين الذي لا ينضب الذي يغذي المجتمع بأسباب الخروج القهري على المجتمع عندما تبرر الظلم وتدعو للصمت عنه بحجة الخشية من الخروج من الملة مما أدى لهذه السلطة وملحقاتها السياسية والأجتماعية بالإمعان في استغلال الإنسان وسلب الحقوق تحت الكثير من العناوين ومتسلحة بفتاوى جاهزة تبرر دوما أن الغضب الرباني الذي يصيب المجتمع ويعرقل حركته هو نتاج غضب الرب على الناس لخروجهم عن الدين وعدم إطاعة أولي الأمر التي هم في الأخر والأول السلطة وملحقاته ، وأن الذي يحرك الناس للخروج عن دين الله هم الكفار ومن هم منزلته وذلك محاربة للإسلام فأي دعوة للإصلاح إنما هي فساد مصدره الخارج وعليه لا بد من مواجهة الخارج بالعنف الدموي تطهيرا للنفس .
الفاعل الديني هنا يحتل الجذوة التي توقد الفتيل ولكن من دون العوامل المساعدة لا يمكن لهذه الجذوة أن تشتعل ويستثمرها الفاعل لتحقيق أهداف مخطط لها ومرسوم لها مسار محدد يدور بين هدفين الأول تحقيق امتصاص عوامل العنف التي ستتوجه نحو السلطة الحاكمة التي يتبعها ويتحالف معها الفاعل الديني مما يشكل لها مظلة أمان ،مقابل تسهيل لهذه الفئة طرق التواصل والأتصال مما يجعلها قادرة على فعل العنف والمشاركة في الأهداف المخطط لها ، وثانيا التخلص من أثار البطالة الأجتماعية ومصادر التوتر من خلال فرزها وطردها خارج المجتمع، وهو بذلك يحقق للسلطة عدة أهداف من خلال أثارة روح الكراهية والعنف ضد الغير المخالف فضلا عن أستخدام هذه الفئة ضد أهداف محددة قد تشكل إحراجا للسلطة الحاكمة وخاصة في صراع المذاهب وأتباع سياسة الإقصاء والتهميش .
الانحرافات البنيوية الأجتماعية دوما تشكل عامل خطر على السلطة الحاكمة ونجاح السلطة في تفريغ الشحنات هذه دليل على نجاحها في أعادة ترتيب البيت الأجتماعي وهناك عدة طرق أجتماعية تتناول الكيفية الإيجابية للمعالجة وتتخذ بعض المجتمعات معاهد ومراكز متخصصة تسخر خدماتها بهذا الأتجاه ، إلا أن المجتمعات التي تمتهن السياسة من باب رؤية سلفية ذات طابع ديني تلجأ للمعالجة من خلال مؤديات وطرق سلبيه لا تبحث في جذور المشكلة وأسبابها وعواملها الأصلية التي يشكل وجود هذه السلطة ورؤيتها المتخلفة لدور الإنسان الذي لا يعدو في نظرها أكثر من عبد مطيع لسيده إلى سلوك الطريق التقريعي الذي يخير فيه الإنسان بين الطاعة العمياء أو المزيد من العقوبات الأجتماعية لحد الإنهاك الذي يوصل الإنسان للإستسلام والعجز والخنوع.
معالجة الإنحراف بالوسائل القهرية لا تنجح دائما في إسكات صوت الثورة الشعبية ولا يمكن أن تكون حلا ناجحا دوما في مواجهة المجتمع وخاصة مع تطور وسائل الأتصال وتغلغل الصحوة الفكرية والدينية في أواسط مهمة من الطبقتين الدنيا والوسطى وهي القاعدة الأهم أجتماعيا في البناء التنظيمي لمجتمعات التدين ، كان لا بد من تسخير العامل الديني وبالذات المحفزات الغريزية لتتحرك نحو جذب العناصر التي تتميز بقدرة ذاتية انفجارية وتخريبية وزجها في المشروع العنفي وتخريجها في أطار خارجي لتكسب بذلك فرصة حقيقية لتفادي انفجارها داخليا وثانيا محاصرة وإخافة الصوت الحر الصوت الأخر المنادي بالتحرر من خلال توجيه بعض العنف هذا بمواجهته وبالتالي صد كل الهزات الأجتماعية من مهدها وهذا سلاح أثبت خطره الارتدادي على ذات المجتمع خاصة بعد عدم القدرة التامة على السيطرة الفعلية على محركاته ومباعثه التي تتخذ منحنى عدائي ضد السلطة كما حصل مع السعودية وبعض أجنحة القاعدة التي تسللت الى داخل المجتمع السعودي .
الحلول القهرية ممكن تؤجل الانفجار والتشظي داخل المجتمع المنغلق دينيا لكنه سريعا ما يتمظهر في المجتمعات الأكثر حرية وتحرر من سلطة الدولة والمجتمع الديني المغلق ، مما يشكل به فرزا حقيقيا بين التيارات العنفية والتيارات الأكثر ليبرالية وواقعية منها مما يشكل أستقطاب حقيقي يظهر بصورة صراعات جذرية في المجتمع تؤدي إلى الصدام والصراع المسلح بين قوتين الأولى تريد أن تفرض شروط محافظة وأكثر أصولية وتشدد وتستخدم العنف وسيلة وبين قوى تقف خلف الدولة وقواها المدنية للدفاع عن حقها في أختيار النمط الأجتماعي التي ترغب به خارج مؤديات وأهداف الفريق الأول ، هذه المواجهة لا تنتهي دوما بسرعة وقد تترك أثارا بنيوية وخلل في المجتمع تمتد لسنوات حتى تتلاشى وتتعافى منها ، لأن الوازع الديني يتداخل دوما مع الوازع الطبقي فيتحول الصراع إلى صرع طبقي مصلحي له صبغة دينية ويتحول مفهومه إلى عناوين تاريخية كما شهدنا ذلك في الساحتين المصرية والسورية وكما حدث بعنوان سياسي كبير في الجزائر وليبيا لاحقا .
الحل في هذه الحالة يحتاج لجهد أقتصادي مدروس يخفف العبء عن المواطن الفقير ويحيد الطبقات ذات الدخل المحدود من الإنخراط بالمشروع العنفي من خلال ربط الإنسان بحركة الأنتاج وعدم السماح له بالتحجج بعوامل الفقر والتفقير ، هذه المعالجة لها حظ كبير بالنجاح لو صاحبها منهج تعريفي وسطي يبشر بالقاعد الدينية والتربوية التي يؤمن بها الإسلام الوسطي مترافق مع أعادة قراءة المنهج التربوي وربطه بالتوعية الدينية والاجتماعية والسياسية التي تربط الإنسان بالمصلحة الأجتماعية الجدلية التي تؤمن بقسيمة الإنسان وأحترام وجوده وحقه بالحياة ومحاولة توسيع المشاركة السياسية وإخراجها من النمط النخبوي إلى النمط الشعبي العريض وتحسيس المجتمع أنه مسئول فعليا في إدارة جزء من المسئولية الوطنية .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية