انقسام جديد بين السوريين

راتب شعبو
2021 / 8 / 17

إضافة إلى كثير من خطوط الانقسام التي اخترقت المجتمع السوري مع تعثر الثورة السورية، ظهر في الفترة الأخيرة خط انقسام جديد، ناجم عن تطور الحدث السوري، بين من خرجوا من سوريا ومن بقوا فيها.
يقوم الانقسام الجديد على قاعدة أخلاقية تنتصر بشكل شبه تام لصالح من بقوا. من موقع الباقين، لا تتوفر قاعدة أخلاقية أو سياسية تناصر الخروج. الخروج هروب كيفما نظرت إليه، ويمتلك الباقون دائماً "حق النقض" ضد أي حجة يمكن أن يقدمها الخارجون. إذا قال السوري الخارج إني خرجت لأن بيتي تهدم ولم يعد لي مأوى، سوف يجد أن هناك الكثيرين من أمثاله لم يخرجوا، ما يحيل خروجه إلى نوع من الأنانية وإدارة الظهر.
وإذا قال الخارج إني خرجت لأنني لا أريد أن ألتحق بالجيش وأساهم في قتال لا قناعة لي به، سيقول بعض الباقين: يمكنك أن تلتحق بالجيش الآخر وتساهم في تحرير بلدك من الاستبداد، وسيقول له بعضٌ آخر: إنك تهرب من واجب الدفاع عن وطنك وتحريره من الإرهابيين. وإذا كان هذا السوري الخارج هو من المعارضين الدائمين للنظام من قبل ومن بعد، وقال إنني كنت مهدداً بالاعتقال وما بعد الاعتقال، سيقال إنك هربت من نصرة القضية التي ناضلت من أجلها، ثم لمن تترك البلد الذي تزعم حرصك عليه؟ أتتركه للإسلاميين الذين يقومون برحيل معاكس لرحيلك، ويملؤون الفراغ الذي يشكله خروجك؟ وإذا أجاب هذا المعارض الخارج، ولكن ما الذي يمكنني فعله في الداخل حين أكون الفريسة المنتخبة لقمع منفلت يمارسه النظام، ولقمع منفلت آخر يمارسه الإسلاميون؟ سُيقال هذا القمع المنفلت هو ما يستدعي وجودك، وهل في خروجك حل عام كنت دائماً تنادي به؟ وما قولك لو خرج كل من يشبهك؟ ومن البديهي أن كل التفسيرات الأخرى من نوع الخوف على الحياة والخوف على الأطفال .. الخ ستلقى الرد المنطقي دائماً: ليست حياتك ولا حياة أطفالك أغلى من حياة السوريين الباقين وأطفالهم.
كان للانتقال السوري في بداية الثورة، ولا سيما باتجاه تركيا التي نقلت بعض التقارير أنها أعدت الخيم سلفاً في سياق سيناريو لم يتحقق، معنى مغايراً لمعنى الانتقال الواسع الأخير الذي وصلت موجاته إلى الدول الأوروبية. كان يحمل الانتقال الأول مع آلامه آمالاً عراضاً. كان الخروج السوري حينها رسالة إلى العالم عن مدى الوحشية التي قوبل به طموح شعب بتغيير نظام الحكم في بلده، وكان يؤمل أن تلقى الرسالة تفهماً واستجابة عربية ودولية تضع حداً لانتهاك حق الحياة في هذه البقعة من الأرض وعلى يد القوة التي يفترض أن تشكل الحماية لا التهديد.
أما الهجرة السورية الأخيرة فكانت تحمل في طياتها شعوراً ثقيلاً بانعدام الأمل. ولا شيء غير اليأس العام يمكن أن يفسر هذا التشظي وهذا البحث الواسع عن الخلاص الفردي. يمكن القول إن الانتقال الأول كان حركة شعب سوري في مجرى كفاح، فيما الانتقال الأخير هو حركة واسعة ولكن لأفراد سوريين. والحق أن تنامي الحركة الفردية هذه (حركة أعداد كبيرة ولكنها مذررة ومتفاصلة وتحمل رائحة تحلل وليس تصاعد أو تكامل قضية الكفاح ضد الاستبداد)، كان موازياً للتراجع البياني في حضور الثورة السورية ومعناها وقيمها، وفي انسداد الأفق. لاشيء غير التردي الفظيع في الحال السوري يمكن أن يجعل أحد الخارجين يقول: "إن من في الداخل يزايد علينا لأنه لم يتمكن من الخروج". أو يجعل من في الداخل يلوم من عموم الخارجين ويبحث في بقائه عن معنى إضافي يفضله عمن خرج. في هذا خط انقسام جديد له حساسيته الخاصة التي تلامسها بعض الكتابات مثل مقالة الصديق منذر مصري "سنبقى" التي حازت على إقبال "الباقين" بصورة لافتة.
وقبل أن يبرز خط الانقسام هذا بين عموم السوريين، ظهر باكراً في الحديث السياسي عن معارضة الخارج ومعارضة الداخل. مع تحميل الإضافة إلى الخارج مضامين سلبية على اعتبارها لا تملك زمام أمرها وليست سوى مطية لدول ذات أطماع. على أن معارضة الداخل نالها التبخيس من زاوية مقابلة تتعلق بسكوت النظام عنها وما يتضمن ذلك من خدمتها له أو تواطؤها معه وعدم جذريتها.
مهما يكن الأمر، ارتسم في تعقيدات الموضوع السوري انقسام جديد بين الخارج والداخل، وقد اعتدنا أن يظهر هذا الانقسام في القضايا المعقدة وعلى رأسها القضية الفلسطينة، كمؤشر على تعقيد الموضوع وعلى طول أمد الحل.
يناير/كانون أول 2015

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية