قصص وحواديت من العالم القديم (05)

محمد زكريا توفيق
2021 / 8 / 17

قورش:

قبل سنوات قليلة من اختيار سولون رئيسا لأثينا، ولد أمير يستحق الذكر والإعجاب. هو قورش ابن قمبيز، ملك بلاد فارس، وحفيد أستياجس، ملك ميديا. أستياجس هو نفسه أهاسويروس في الكتاب المقدس.

أخلاقيات الفرس كانت ممتازة في تلك الأيام. البساطة في الثياب، والغذاء، والسلوك، كانت هي السائدة. حتى قورش نفسه، تم تعليمه وتربيته على أن يكون بسيطا متواضعا متحكما في شهواته.

عندما كان صبيا، اصطحبته والدته مندان لزيارة جده ملك ميديا. لكن فخامة وأبهة بلاط ميديا فاجأته وأثارت اشمئزازه. أما الجد أستياجس، فقد كان مسحورا بكلام حفيده الأمير وسلوكه. مما جعله يغدق عليه الهدايا والأموال.

لكن قورش، منح كل عطايا وأموال الجد للحاشية: أنعم على هذا الرجل لأنه كان يعلمه، وذلك لأنه كان طيبا مع والدته، وثالث، لأنه يعتنى بجده العجوز. كل هذا يبين، أنه لم يكن سخيا فقط، ولكنه أيضا كان حكيما يوزع الهدايا وفقا لدوافع الامتنان.

أثناء توزيع الصبي قورش المنح على الحاشية، أهمل حامل الكأس ولم يمنحه شيئا. وعندما تساءل الجد أستياجس عن سبب ذلك، قال الأمير الشاب، ليس هناك الكثير من الجدارة في كونه حامل كأس جيد. أنا يمكنني القيام بمثل هذا العمل بجدارة.

ثم أخذ كأسا وأعطاها لوالدته بتواضع ورشاقة، ومثلها أعاطاها إلى جده. أعجب الجد بمهارته وعقب ضاحكا: "لكنك نسيت شيئا هاما."
"ما هو؟"، تساءل الصبي.
"نسيت أن تتزوق النبيذ قبل أن تعطه لي ولأمك"، أجاب الجد.
"لم أنس، لكنني لم أرد ابتلاع السم"، قال الصبي
"السم!"، صرخ الملك.
"نعم، نعم، كل الخمور بها سم. تمرض وتقتل"، قال الصبي
"ألا تشرب في بلدك؟"، تساءل الجد.
"أشرب فقط لأروي العطش، ويكفي القليل من الماء".

عاد قورش إلى بلده، وكان مطيعا لوالده. وعندما كبر، خاض العديد من المعارك وكان شجاعا في مواجهة أعدائه، ونبيلا في معاقبة أعدائه. ولقد رأينا سابقا كيف عفي عن كريسوس واسع الثراء عندما وقع أسيرا بين يديه.

عندما سأل قورش كروسوس أين يحفظ أمواله، أجابه بأنه يحفظها في خزانة القصر. فقال قورش: "أما أنا، فأحفظ ثروتي في قلوب الناس".

كان يعلم أنه، بسلوكه الحكيم والودود، يكتسب تماما حب وثقة شعبه، لدرجة أنه لم يكن عليه إلا أن يسأل، وكانوا يعطونه كل ما يريد، ويفدونه بأرواحهم.

بعد حصار طويل ومثير للاهتمام، استولى الأمير قورش على مدينة بابل، وأنهى الدولة الأشورية، التي كانت موجودة من زمن نمرود. كان بلشازار آنذاك هو ملك بابل.

بعد وفاة والده وجده وعمه، أصبح ملك ميديا وكل بلاد فارس، إلى جانب البلاد التي فتحها بانتصاراته. توفي في سن السبعين في وسط عائلته وأصدقائه، بعد حياة مجد وفضيلة رائعة عام 529 ق م. قبل وفاة بيسيستراتوس، طاغية أثينا.

كونفوشيوس:

لقد ذكرنا اثنين من واضعي القوانين العظام، ليكورجوس من اسبرطة، وسولون من أثينا. سنتحدث الآن عن ثالث الثلاثة، كونفوشيوس، المشرع الصيني.

ولد كونفوشيوس قبل موت سولون مباشرة، عندما كان قورش العظيم في ذروة مجده وقوته.

يدعي الصينيون أن نوح (الذي يسمونه فو هي) استقر بفلكه أثناء الفيضان، في الجزء الشمالي من الصين، وبالتالي هم أحفاد نوح. من المعروف أن الصينين هم من الأمم القديمة، مثل المصرين.

كان كونفوشيوس طفلا جادا، ليس مولعا باللعب، مجتهد جدا، ومتدين جدا. عندما كان عمره ثلاثة وعشرين عاما فقط، بدأ في محاولة هداية مواطنيه، الذين كانوا غارقين في الاسراف والبذخ.

أدت فضيلة كونفوشيوس وقدراته إلى احترامه كثيرا، واختير لشغل مناصب كبيرة محترمة. قال إنه سعيد جدا بقبوله منصب القاضي، لأنه يأمل في أن يكون أكثر فائدة لمواطنيه.

بذل جهدا كبيرا في منصبه لتقويم الناس، إلا أنه وجد الناس قليلي الحيلة، غير قادرين على التغيير. فقام بالتخلي عن مناصب كان يقدرها، إلى مناصب أقل شأنا، لأنها تعطيه فرصة أكبر لفعل الخير.

ثم سافر إلى أجزاء مختلفة من هذه الإمبراطورية الشاسعة. وعند عودته لكي يستقر في بلده، أسند إليه منصب كبير في الحكومة. في ذلك الوقت، كانت الصين تمثل العديد من الممالك المستقلة.

كان كونفوشيوس يتمنى أن يحكم الملك، أو أي حاكم، رعاياه كأب بين أولاده. كتب العديد من الكتب، وقام برحلات عديدة، لدراسة شكل الحكم المرغوب فيه. لا شك أنه فعل الكثير من الخير، ولكن بالتأكيد ليس بالقدر الذي كان يرغب فيه ويستحقه.

كان يقول لأتباعه: "هناك أربعة أشياء تقلقني:
الأول، فعلي القليل للفضيلة.
الثاني، تحمسي القليل للدراسة.
الثالث، عجزي الكبير عن إقامة العدل.
الرابع، عدم تحكمي في انفعالاتي.

كانت هذه هي المشاعر المتواضعة لرجل مشهور بفضيلته وعلمه وعدله وضبطه لنفسه. إننا نرى أن أفضل الناس هم أكثرهم تواضعا، وأكثرهم حكمة، هم أخجلهم وانكرهم للذات.

قبل وفاته ببضعة أيام، قال لأصدقائه وحاضريه: "يرفض الملوك الاهتمام بتعاليمي، فاسمحوا لي أن أموت، لأنني لم أعد أستطيع أن أكون مفيدا لهذا العالم". ثم مات بسلام وسط أصدقائه ومريديه.

تم تكريمه واحترامه من قبل الصينيين، وقد شيدت العديد من المعابد باسمه، ويتم اقامة الكثير من الاحتفالات الدينية تكريما له. يبجلونه كأعظم مشرع وأحكم رجل عاش على الإطلاق.

في نفس الوقت الذي ازدهرت فيه تعاليم كونفوشيوس في الصين، كان زرادشت يعيش في بلاد فارس. علم زرادشت الفرس تبجيل الشمس والنار والنور، كممثلين لخالق الكون. كثير من الناس يعتقدون أن الزرادشتية يرجع تاريخها إلى زمن خروج النبي ابراهيم من أور كلدا عام 1926 ق م.

ملوك روما السبعة:

من ملوك روما، جاء ذكر: رومولوس، نوما، تولوس. باقي الملوك السبعة: أنكوس مارتيوس، تاركينيوس بريسكوس، سيرفيوس توليوس، تاركينيوس سوبربوس.

بعد معركة الهوراتي والكورياتي، حكم تولوس عدة سنوات، ثم مات، كما يقال، بسبب الخيانة. أنكوس مارتيوس، حفيد نوما، ورث العرش: لم يحدث شيء رائع في عهده، إلا أن شخصا غريبا، يدعى لوسيوس، جاء للعيش في روما، وأصبح وصيا على ابني أنكوس.

عندما مات أنكوس، سقطت الدولة، كالعادة، في أيدي مجلس الشيوخ، ولوسيوس، عن طريق المكر والخديعة والرغبة المحمومة، لكي يصبح ملكا. قال، إن زوجته قد تنبأت بأنه يجب أن يسود.

لأنه، عند الاقتراب من روما في رحلته الأولى إليها، كان يركب عربة مفتوحة. وإذا بنسر يخطف قبعته. وبعد الكثير من الضجيج والرفرفة بجناحيه، ووضعها مرة أخرى على رأسه.

الحكم المغتصب ظلما، عادة لا يتم الحفاظ عليه طويلا، ولا يكون في مصلحة الناس. لأن جهود الحاكم وأمواله تبذل بسخاء لحماية منصبه، وتثبيت من ساعدوه في أماكنهم، حتى يستفيدوا من أوضاعهم غير الشرعية.

لكن، تم قتل لوسيوس، بأمر من أبناء أنكوس. ثم هرب القتلة من روما. فبدا بالتأكيد كما لو كانوا مذنبين.

الزوجة الطموحة، التي تشاءمت من صعود تاركينيوس، أخفت وفاته، حتى يتم اختيار صهرها ملكا. كان هذا هو سيرفيوس توليوس. وروت عنه قصة غريبة. وهي أنه عندما كان صبيا، رأى في المنام، طاقة من النور أحاطت برأسه.

ومع هذا، كان سيرفيوس رجلا طيبا، زوج ابنتيه من ولدين ل تاركينيوس. ثم، صنع السلام ونشر العدل بين الرومان. كان يستعد للتنازل عن العرش والتقاعد.

توليا، إحدى بناته، أحبت زوج شقيقتها ابن تاركينيوس، وبادلها هو الحب المحرم. وقامت توليا بقتل زوجها، وقام عشيقها بقتل زوجته، ثم تزوجا. لم يكتفيا بذلك، ولأن الشر يمهد الطريق لمزيد من الشر، قاما الشريران، بقتل سيرفيوس، والد توليا الملك الطيب.

ستصاب بالرعب والغثيان عندما تعلم أن توليا الشريرة، قد ابتهجت حينما سمعت أن عشيقها، قد قتل والدها. وعندما ركبت في عربتها الجميلة، وذهبت لتهنئة زوجها القاتل، كان سائقها، وهو يرى جثة والدها سيرفيوس ملقاة في الشارع، يحاول السير بالعربة في طريق آخر، معتقدا بعقلانية شديدة، أن الابنة ستصدم عندما ترى جثة والدها العجوز المسكين دامية ومشوهة.

لكن توليا التي مات في قلبها أي شعور إنساني، نهرت السائق، ومنعته من تغيير الطريق. بينما كانت عجلات العربة تمر فوق التراب المخضب بدماء والدها العجوز الطيب.

ثم أصبح زوج الابنة الشرير ملكا، ومن غروره، منح نفسه لقب تاركينيوس سوبربوس (تاركينيوس الفخور بنفسه). ومع ذلك، كان مكروها من الجميع. أطفاله كانوا سيئين مثله. فمن شابه أباه فما ظلم.

أرسل تاركينيوس الشرير، ابنه سيكستوس الأكثر شرا، إلى مدينة تدعى جابي، وأمره أن يتظاهر بأن والده كان يسيء معاملته، مما جعله يهرب. صدق المواطنون الطيبون الابن المخادع، وكانوا لطفاء جدا معه. وأخيرا جعلوه جنرالهم. هذا ما توقعه تاركينيوس.

عندما أرسل ابنه رسولا ليعرف ما يجب عليه فعله بعد ذلك، لم يعط تاركينيوس إجابة، لكنه أخذ الرسول إلى الحديقة، وبدأ في قطع رؤوس أطول الزهور والورود التي نمت في طريقه وهو يسير.

لقد كان خائفا من الرد على ابنه برسالة كتابية أو شفهية، حتى لا ينكشف الأمر وتفشل الخطة. لكن سيكستوس الابن، كان من الدهاء جعله يفهم ما يعنيه الأب.

هذا ما فعله الابن بالضبط. بدون أي تردد، لم يدخر وسعا في قطع رؤوس كل عظماء الرجال في جابي. بذلك، ضعفت مناعة المدينة وقدرتها على مقاومة الفساد والاضمحلال والتفسخ، وأصبحت فريسة سهلة للرومان.

سيكستوس، الابن، وبعض القادة العسكريين، ذهبوا مع قوة عسكرية لمحاصرة أرديا، وهي بلدة صغيرة، لا تبعد كثيرا عن روما. عندما كانوا يشربون ويمرحون، كان يتباهى ويفتخر كل منهم بزوجته وأخلاقها الرفيعة وسلوكها.

كان كولاتينوس على يقين من أن زوجته، هي الأفضل سلوكا بين زوجات الضباط، وخصوص أثناء غيابهم. كنوع من الدعابة، انطلق الضباط بخيولهم إلى روما، لكي يتبينوا صدق هذه المقولة، وماذا كانت تفعل زوجاتهم أثناء غيابهم.

وجد الرجال كل زوجاتهم يقضين الوقت أثناء غياب أزواجهن في المرح والطرب والرقص والتسلية. لكن لوكريشيا، زوجة كولاتينوس، كانت تغزل الصوف في بيتها، وهي وجواريها.

أعجب سيكتوس الابن ب لوكريشيا ووقع في غرامها، وأراد أن يأخذها لنفسه. لذلك، طلب منها أن تترك زوجها وتذهب إليه.

صدمت لوكريشيا من سلوك الأمير المشين. فقامت بقتل نفسها حزنا. مما أغضب كولاتينوس زوجها، وجعله هو وجونيوس بروتوس يكونان جيشا لكي يزيح سيكتوس ووالده سيء السمعة من روما.

لقد عانى الشعب كثيرا تحت طغيان هذا الملك وابنه، لدرجة أن الثوار قرروا، ليس فقط طردهما من الحكم، بل أرادوا إلغاء النظام الملكي برمته من البلاد.

لذلك عينوا قاضيين، يطلق عليهما اسم القنصلين، ينتخبان سنويا. وكان أول من تم اختيارهم لهذا المنصب الجديد، هما كولاتينوس، زوج لوكريشيا، وجونيوس بروتوس الذي شاركه في الثورة على فساد الحكم.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي