قصص وحواديت من العالم القديم (04)

محمد زكريا توفيق
2021 / 8 / 15

سولون

كان سولون أحد الحكماء السبعة في اليونان. وكان كرويسوس، ملك ليديا في آسيا الصغرى، غنيا جدا. يضرب به المثل في الثراء، ويقال ثري مثل كرويسوس. ربما يكون هو قارون في الكتب المقدسة.

عرض كرويسوس ثروته على سولون، ثم سأله، هل من يملك مثل هذه الثروة يكون أسعد الناس؟
أجاب سولون: "لا، أنا أعرف رجلا أسعد منه حالا. إنه عامل بسيط، لديه ما يكفيه."
فوجئ الملك بإجابة سولون، لكنه سأله سؤال آخر: "من يلي هذا الرجل في السعادة؟"
كانت إجابة سولون: "هما ابنان فاضلان كانا يقومان بواجبهما نحو والدتهما."
تعجب كرويسوس وقال معاتبا سولون: "هل تعتقد أنني غير سعيد؟"
أجاب سولون: "لا يمكن الحكم على أحد بأنه سعيد أو لا إلا بعد وفاته".

بعد ذلك، تم أسر كرويسوس من قبل قورش (سيروس). بينما كان على وشك الحرق، تذكر الحوار بينه وبين سولون. فصرخ قائلا: "صدقت يا سولون! سولون!".

سمعه قورش. تعجب وطلب استفسارا. عندما علم بحكمة سولون، أمر بالعفو عن كرويسوس، والعمل بحكمة سولون. بذلك يكون الفيلسوف سولون، قد أنقذ حياة ملك، وأفاد بحكمته ملكا آخر.

أول شيء فعله سولون، عندما اعتلى الحكم، هو إلغاء قوانين دراكو. أي إعلان أنها لم تعد ملزمة. بعد ذلك، سعى إلى التقارب بين الطبقات، ومساعدة الفقراء وإعطائهم بعض السلطات.

ثم أعاد تأسيس المجلس الأرستوقراطي (أريوباجوس) على أسس سليمة، بعد فشكله السابق، وقصر أعضائه على القضاة والمديرين سابقا. مما أعطاه سمعة طيبة واحتراما كبيرا. اسم المجلس مشتق من اسم تلة بالقرب من المدينة تسمى تلة المريخ (أيرس تعني مريخ).

كانت القوانين التي وضعها الحكيم سولون، كلها مفيدة، معقولة، والعقوبات خفيفة، يمكن تطبيقها بسهولة. لذلك تم الامتثال لها وتنفيذها بإخلاص. مما تسبب في تحسين أحوال سكان المدينة، وانتشار الحكمة والفضيلة بينهم.

كان سولون صديقا حميما للفيلسوف طاليس، أكثر الحكماء اليونانيين السبعة شهرة. وكان طاليس من أصل فينيقي (بلاد الشام حاليا). انتقل والديه إلى مالطة، وهي بلدة من أيونيا، حيث ولد هناك عام 643 ق م.

الحكماء السبعة هم: طاليس، سولون، بيتاكوس، بيرياندر، بياس، كليوبولوس، شيلو. كانوا معاصرين عاشوا بين 665 و542 ق م.

مثل فلاسفة آخرين، سافر طاليس بحثا عن المعرفة في بلاد خارج وطنه. زار كريت، فينيقيا، ومصر. هناك تعلم على أيدي الكهنة الهندسة، الفلك، والفلسفة. في المقابل، أراهم كيف يحسبون ارتفاع الهرم عن طريق قياس طول ظله على الأرض، واستخدام حساب المثلثات.

عند عودته إلى مالطة، كانت سمعته قد سبقته وبلغت الآفاق. لأنه بجدارة، قام أيضا بحساب كسوف الشمس بدقة بالغة. وعرف أيام الانقلاب الشمسي (أطول نهار وأقصر نهار)، والاعتدال الربيعي أو الخريفي (تساوي النهار والليل). وأيضا، استخدم السنة الشمسية، 365 يوما، نقلا عن المصريين.

حتى يتفرغ لمساعيه العلمية، طلب طاليس العزلة والابتعاد عن المجتمع. وعندما حثته أمه على الزواج، أجاب: "قبل سفري، كنت صغيرا جدا على الزواج. أنا الآن كبير جدا على الزواج. بين هذا وذاك، لم يكن لدي الوقت للتفكير فيه."

بعض الأيونيين، في يوم من الأيام، اتفقوا مع صيادين من مالطة، على شراء ما قد تخرجه شباكهم من أسماك. عندما سحب الصيادون شباكهم، وجدوا بها وعاء قرابين مصنوع من الذهب الخالص، يقال إن هيلين، التي قامت بسببها حرب طروادة، قد ألقته في البحر أثناء عودتها إلى بلدها.

كما هو متوقع، نشأ نزاع حول من هو صاحب الحق في الوعاء، الصيادون أم الأيونيون. وبما أنهم فشلوا في تسوية المسألة فيما بينهم سلميا، لجأوا إلى عرافة دلفي. التي أخبرتهم بأن الوعاء هو من نصيب أحكم الحكماء. فمن يكون أحكم الحكماء غير طاليس؟ هكذا ظن المالطيون، فأرسلوا الوعاء إليه.

لكن طاليس لا يريد أن يوصف بأنه أحكم الحكماء. فتخلص من الوعاء الذهبي، وأرسله إلى حكيم آخر يدعى بياس. لنفس السبب، أرسل بياس الوعاء إلى الحكيم بيتاكوس. ثم إلى حكيم آخر، وهكذا إلى أن وصل إلى سولون. سولون قال من يكون أحكم الحكماء غير الإله؟ فأرسل الوعاء إلى معبد دلفي.

عاش طاليس إلى سن متقدمة بلغت 96 عاما. ومات محترما بسبب فضيلته وحكمته وعلمه. أقام المالطيون له جنازة عظيمة، ونصبوا تمثالا لذكراه العاطرة.

كان ثيسبيس هو أول شاعر يقدم عروضا فكاهية في أثينا. لم يكن لديه، أو لدى من تبعه، مسرحا، وإنما كان يقدم مسرحياته على عربة مفتوحة، مثل عربات الباعة المتجولين في زماننا نحن.

لم يعترض سولون على مثل هذه العروض المسرحية، بل ذهب بنفسه لكي يشاهدها. ولكن عندما انتهت المسرحية، دعا ثيسبيس، الذي كان يقوم بعدة شخصيات مختلفة في المسرحية، وسأله عما إذا كان لا يخجل من قول الأكاذيب؟

أجاب ثيسبيس: "هي مجرد مزاح للفكاهة". فضرب سولون بعصاه الأرض بعنف، وصرخ قائلا: "إذا شجعنا أنفسنا على التحدث زورا في المهازل، سنكتسب عادة التحدث زورا في المسائل الجادة". لو لم ينطق سولون بكلمات أخرى غير هذه، لاستحق أن يوصف بالرجل الحكيم.

أيسوب، الذي كتب الكثير من الحكايات على لسان الطير والحيوانات، ومنها "الغراب والثعلب وقطعة الجبن"، كان يلقى قبولا كبيرا من الملك الفارسي قورش. بعكس سولون الجاد الذي لا يقبل المزاح.

لذلك، قال أيسوب: "لا ينبغي للرجل التحدث مع الملوك، إلا إذا كان يقول ما يروقهم." لكن سولون يجيبه بقوله: "لا ينبغي للرجل التحدث مع الملوك، إلا بما هو صادق حقيقي".

كان لدى بيسيستراتوس، الأثيني، رغبة جامحة في الحصول على السلطة، إلى الدرجة التي جعلته يجرح نفسه، ثم يركض إلى السوق، ويدعي أن أعداءه قد آذوه.

فقال له سولون، مع شيء من التهكم: "يا ابن أبقراط، أنت تقلد أوديسيوس بطريقة مبتذلة. إنه قد جرح نفسه لكي يخدع أعداءه. أما أنت فتجرح نفسك لكي تخدع أصدقاءك."

لكن الناس، كما هو الحال عموما، تصمت لصوت العقل. وأصبح بيسيستراتوس الطاغية، ملكا لأثينا. وتقاعد سولون إلى قبرص، حيث توفي، في سن الشيخوخة عام، 558 ق م، بعد أن فعل الكثير لبلده الأصلي، أتيكا.

بينما كان سولون وطاليس يقومان بخدمة بلديهما بحكمتهما وعلمهما، أتيكا وأيونيا، كانت كورينث ترزح تحت وطأة استبداد الملك بيرياندر. كان والد بيرياندر رئيس قضاة. وعندما خلفه كانت السنوات الأولى من حكمه معتدلة. لكن، سرعان ما أصابته مصيبة كل دكتاتور، وهي رغبة ملحة في أن يجعل نفسه فريد عصره وأوانه. توفي عام 585 ق م.

بالرغم من أنه كان حاكما قاسيا، كانت له مهارة إدارية فذة، جعلت بلده كورينث واحدة من أغنى دول المدن في اليونان. البعض يدعون أنه كان حاكما عادلا، عمل على ضمان توزيع الثروة في كورينث بالعدل. يعد من الحكماء السبعة في اليونان.

كان زوجا قاسيا وأبا سيئا. لكنه كان صديقا للتعلم ويحترم رجال العلم. كان يدعو الحكماء والشعراء إلى مجلسه لكي ينعموا بكرم ضيافته. وكان مولعا بالسلام، يرعى الفنون الجميلة.

له أقوال حكيمة جميلة، تناقض أفعاله. حكم 40 عاما، ومات وهو في الثمانين من عمره. كرمه رعاياه وأقاموا له نصبا تذكاريا

أريون، هو ابن بوسيدون إله البحار وأمه إحدى حوريات الماء. قام أبوللو بتعليمه أصول الغناء والعزف على القيثارة حتى أجاده إجادة تامة.

يعتبر أريون، أعظم موسيقي ومطرب ظهر على وجه الأرض. لذلك جعله بيرياندر، ملك كورينث، مطربه الخاص. عندما ذاع سيط أريون وبلغت شهرته الآفاق، طلب منه الملك أن يقوم بجولة يطرب خلالها الناس ويعرض فنه ومواهبه.

زار أريون جزيرة صقلية، أطرب الناس هناك، وقام بالفوز بكل المسابقات المقامة بالمهرجان الموسيقي. لذلك كوفئ بجوائز عديدة وأنعم عليه بالكثير من الذهب والمال.

ثم أخذ أول سفينة راجعا إلى موطنه كورينث، بالرغم من أن قبطانها كان ضخم البنية، قبيح الوجه. لا يوحي شكله بالبراءة أو الاطمئنان. وكان طاقم بحارته أقبح منه شكلا وخلقا.

عصر اليوم الأول في عرض البحر، جلس أريون على سطح المركب يراقب زرقة الماء وهو يضبط أوتار قيثارته الذهبية بأنامله. اقترب منه قبطان المركب وهو يمصمص شفتيه ويقول: "مسكين أيها الشاب ستموت مقتولا ناقصا عمر".

"لكن، لماذا؟ وما قد فعلته أستحق عليه القتل؟" تساءل أريون.

أجاب القبطان:
"السبب هو أنك قد سمحت لنفسك بامتلاك كنز ثمين. هذا الكنز يجب أن يكون ملكي أنا. هذا السيف المطعم بالجواهر والياقوت، وهذا الدرع الفضي، واللآلئ والماس والنقود الذهبية والأحجار الكريمة. كلها أشياء، لا يجب أن يراها أبدا اللصوص"

- "لماذا لا تأخذ من هذه الجواهر والنقود ما تريد، وتبقي على حياتي؟"

- "لا، لقد فكرنا في ذلك. ثم وجدنا أنه من الأفضل والأسلم أن تموت. وهذا ما يتم عادة في مثل هذه الظروف. بذلك لن تستطيع أن تشتكينا لأولي الأمر. هذا يا عزيزي أخذا بالأحوط."

- "لقد تدبرتم الأمر، وعقدتم العزم على قتلي. وليس لدي ما أضيفه. لكن لي رجاء وطلب أخير: دعوني أغني أغنيتي الأخيرة قبل أن أموت"

لم ير البحارة ما يمنع من تحقيق طلبه هذا. لعلمهم أنه محاصر بينهم في عرض البحر. فماذا يستطيع أن يفعل بغنائه، وهو وحيد وهم العصبة ذو القوة؟

لبس أريون أفخر ثيابه. ثم جلس على سطح المركب ممسكا بقيثارته. أخذ يعزف ويغني أغاني عذبة شجية، جعلت أسماك البحر تتجمع حول المركب لتسمع موسيقاه وهي تتمايل طربا. من بين هذه الأسماك، مجموعة من أسماك الدلفين.

رأى أريون أسماك الدلفين وهي تتمايل من النشوة، وتهز رؤوسها طربا. قبل أن ينهي أريون أغنيته، غافل البحارة حوله، وكانوا هم أيضا قد سحرتهم الموسيقى فتراخوا وجلسوا يستمعون، ثم قفز أريون وألقى بنفسه إلى البحر وسط أسماك الدلفين التي كانت تستمع إلى غنائه.

ما أن رأت أسماك الدلفين أريون في الماء، حتى سارعت سمكة كبيرة، وحملت أريون عل ظهرها وسبحت به مسرعة، وحولها باقي أسماك الدلفين لحراسته.

حاول البحارة اللحاق بسمكة الدلفين، التي تحمل أريون، لكن ماهي إلا دقائق معدودة، حتى توارت السمكة وباقي السرب عن الأنظار وراء الأفق البعيد في عرض البحر.

ظلت سمكة الدلفين تسبح ومعها سرب الأسماك إلى أن وصل أريون سالما إلى شاطئ كورينث. أما البحارة، فقد اعتقدوا أن أريون لابد أن يكون قد سقط من ظهر الدلفين وغرق. لأنه لا سبيل له أن يصل إلى الشاطئ سالما في هذا البحر متلاطم الأمواج.

أخبر أريون الملك بمؤامرة البحارة وما جرى له منهم. عندما عادت البحارة بالسفينة إلى كورينث، كان الملك بيرياندر في انتظارهم.

سألهم الملك عن مطربه الخاص أريون. كذبت البحارة وأخبرت الملك أن أريون قد تخلف في صقلية، لأنه جمع ثروة طائلة من الغناء، لذلك قرر البقاء هناك.

في هذه اللحظة، دخل عليهم أريون. أصيبت البحارة بالرعب، ولم يجدوا بدا من الاعتراف للملك بجرمهم وبما فعلوه بأريون واستيلائهم على ثروته. عندئذ، أمر الملك بصلبهم جميعا وبمصادرة أموالهم، عقابا لهم على ما اقترفوه.

ردت لأريون ثروته التي سرقها اللصوص. لكنه أصر على أن يقتسمها مع الملك. وعندما اعترض الملك على ذلك، ضحك أريون وقال: "الثراء يأتي معه الشقاء. أنت ملك، يمكنك حماية كنزك. لكنني أفضل أن أسافر خفيفا بدون قلق".

في هذا الوقت، استولى نبوخذ نصر، 588 ق م، على معبد القدس وأحرقه. وازدهرت أشعار سافو الغنائية.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي