رأس المال نقيض سلامة البشر والمُحيط

الطاهر المعز
2021 / 8 / 13

شركات إنتاج مبيدات الأعشاب والحشرات، رأسمال مُسرْطن

اشترت مجموعة "باير" للصناعات الكيماوية والغذائية والأدوية، سنة 2018، المجموعة الأمريكية "مونسانتو" للصناعات الكيماوية والزراعة، مقابل 63 مليار دولارا، وَوَرثت "باير" العديد من الشكاوى والقضايا المتعلقة بمخاطر السرطان المحتملة المرتبطة باستخدام إنتاجها من مبيدات الأعشاب، وأهمها "رونداب"، واضطرت "باير" لعقد اتفاق صلح بقيمة عشرة مليارات دولارا، لتسوية نزاعات مع نحو 100 ألف مُتضرر، ورغم القضايا العديدة، وبعض الأحكام القضائية، وبعض التّسْويات، ترفض شركة "مونسانتو" أو "باير" أو غيرها، اعتبار إنتاجها من المواد الكيماوية، خَطَرًا على صحّة الإنسان والطبيعة...
اعتبرت منظمة الصحة العالمية مُبيد الأعشاب "غليفوسات" "مادة مُسَرْطَنَة مُحتَمَلَة"، لكن وكالة الصحة الأوروبية، الخاضعة لمجموعات الضّغط، كما جميع مؤسسات الإتحاد الأوروبي، اعتبرت، بعد أربع سنوات من التقارير والتقويمات، أن مبيد الأعشاب المَذْكور ليس سامًّا، أي لا يُشكّل خطَرًا على صحة الإنسان ومُحيطِه، خلافًا لتقرير الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التي اعتبرته، منذ سنة 2015، "مادة مُسَرْطَنَة مُحتمَلة"، فيما اعتبر المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الصحية والطبية "وجود رابط بين مادة غليفوسات وسرطان الليفوما" (15 حزيران/يونيو 2021)، وهو ما أكدته نشرية "ذا لانسيت" البريطانية.
تُؤَجِّرُ العديد من الشركات باحثين مُرتَزقة، يُحررون تقارير تتضمّن استنتاجات تستند إلى ما تنشره الشركة المُشَغِّلَة لهم، والراغبة في الحصول على ترخيص (أو تجديد التّرخيص) لترويج إنتاجها الخطير والسّام أحيانًا، مثلما حصل لمادة "غليفوسات" الذي جدّد الإتحاد الأوروبي رُخصة ترويجه، حتى سنة 2022، ويبدو أن وكالة الصحة الأوروبية تتجه للسّماح بترويج هذه السُّمُوم، رغم ضررها الكبير... كشفت دراسة نشرها المعهد الوطني للبحوث الصحية والطبية بفرنسا (إنْسَرْم) يوم الثلاثين من حزيران 2021، الروابط المُباشرة بين المبيدات الحشرية، منها الغليفوسات والكلورديكون (المُستخدم في مزارع الموز)، وبعض الأمراض الخطيرة، منها مرض باركنسون، والاضطرابات المعرفية، وأمراض الجهاز التنفسي، ومرض الانسداد الرئوي المزمن، وأورام الدماغ والنخاع الشوكي، واللوكيميا وبعض أنواع أمراض الأطفال الأُخْرى كالإضطرابات السّلوكية واضطرابات النُّمُوّ العَصَبِي، وغيرها من الأمراض التي أُصِيبَ بها من تعرّضوا لهذه المُبيدات بشكل مباشر، كالمُزارعين والسكّان المقيمين قريبًا من المزارع، واعتمدت الدّراسة على خمسة آلاف وثلاثمائة بحث تم نَشْرُها في أنحاء العالم، وأكّدت هذه الدّراسة ما ورد في بحوث سابقة، نُشرت منذ سنة 2013...
تُوُفِّيَ العديد من المُزارعين وعُمّال الزراعة نتيجة تَعَرُّضِهم لإنتاج شركة مونسانتو وأخواتها، ولم يتمكّن الضّحايا من إثبات العلاقة بين مهنتهم والإصابة ببعض الأمراض، بل لم يعلموا أصلاً بوجود علاقة، ولكن ظهرت الحقائق ببطْءٍ وتمكّن بعض النّاجين من مُقاضاة شركة مونسانتو (باير حاليا)، وخسرت مجموعة "باير" قضية جديدة أمام القضاء الأمريكي، بسبب إصابة مُستخدمي مُبيد "غليفوسات" بأنواع خطيرة من السرطان، وتواجه مجموعة "باير" سلسلة من القضايا في الولايات المتحدة، منذ استحواذها على شركة الكيماويات الزراعية الأمريكية "مونسانتو"، سنة 2018.
خسرت مجموعة "باير" الألمانية العملاقة، يوم الإثنين التاسع من آب/أغسطس 2021، دعوى قضائية في "سان فرانسيسكو" بالولايات المتحدة، حيث أيّدتْ محكمة الإستئناف حكماً صدر سنة 2019 لصالح زوجين أُصيبا بأمراض خطيرة، منها السّرَطان، بسبب استخدام مبيد الأعشاب "رونداب"، لسنوات، لكن المحكمة خفضت مبلغ التعويض من مليَارَيْ دولار، إلى 86,7 مليون دولار، وتواجه "باير" آلاف الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة، كجزء من ميراث شركة "مونسانتو" التي تمكّنت، سابقًا، من توقيع اتفاق ودّي (25 حزيران/يونيو 2020) مع بعض المتضررين الذين تقدموا بقضايا ضدّها أمام القضاء الأمريكي، واعلنت أنها ستعوض المدعين الأمريكيين الذين يتهمون مبيد الأعشاب بالتسبب في الإصابة بالسرطان، بقيمة قاربت عشرة مليارات دولارا، وهو قرار غير مسبوق، يهدف إيقاف جميع الدعاوى القضائية ضد "باير" وفرعها الأمريكي "مونسانتو"، والاستمرار في تسويق المُبيد، طالما لم يَصْدُرْ قرار بحَظْرِ بَيْعِهِ في الأسواق الأمريكية، والعديد من البلدان ذات الكثافة السّكّانية العالية، والنشاط الزراعي الكبير، كالهند والبرازيل والأرجنتين...
يُعتبر مختبر "باير" مَصْدَرًا للعديد من "المُنْتَجات" الضّارّة التي أثبتت الدراسات أضرارَها، ولكنها لا تزال مَعْرُوضة في أسواق العالم، وهو أحد أكبر المختبرات في العالم، خصوصًا بعد الإستحواذ على شركة "مونسانتو" ومبيد "غليفوسات"، الأكثر مبيعًا في العالم، بإيرادات قدرها 4,3 مليارات دولارا، سنة 2018، ورغم تصنيفه "مادّة مُسَرْطنة مُحتملة"، تواصل "باير" تسويقه ، بدعم من أصحاب المزارع الضخمة، الذين يضغطون على الحكومات في الولايات المتحدة والارجنتين والبرازيل وأوروبا، لكي يواصلوا استخدام المبيدات السّامة، مثل مُبيدات "نيونيكوتينويد" ( إنتاج "باير") بحقول "البنجر" (اللّفت السّكّري) التي ثبت ضَرَرُها على الإنسان والبيئة، منذ سنة 2013، ولكن شركات المواد الكيماوية الفلاحية، وكبار المزارعين يدّعون أنهم يبحثون عن بديل له، ولم يعثروا على هذا البديل، حتى سنة 2021، وفي الأثناء جدّد الإتحاد الأوروبي الترخيص بترويج هذا المُبيد في الأسواق، كما يقترح الإتحاد الأوروبي تجديد الترخيص لبيع عدد من المواد الكيماوية الضارّة، منها المبيدات السّامة مثل "غليفوسات"، لفترة عشر سنوات، في انتظار البديل، الذي تصنعه نفس الشركات، مثل "باير" المتورطة في صناعة الهيروين وفي ابتكار الغازات السامة التي استخدمتها الجيوش الأوروبية خلال الحرب العالمية الأولى، كما أُدِين مسؤولوها بمحكمة "نورمبيرغ"، بنهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد إطلاق سراحهم من السجن، عادوا إلى وظائفهم في إدارة شركة "باير" التي تورطت في فضيحة "الدّم المُلَوَّث"، وفي صناعة مُبيد الحشرات "نيونيكوتينويد" الذي قضى على النّحل، وفي ابتكار حبوب "الجيل الثالث" لمنع الحمل التي سبّبت كوارث خطيرة على صحّة النّساء، طيلة أكثر من ثلاثة عُقُود، وعموما تورّطت شركة "باير" في ما لا يقل عن 12 فضيحة من هذا النّوع، لكنها ذات خبرة كبيرة في الضّغط على نواب البرلمانات وعلى مستشاري الوزراء وعلى من يُحاول مُقاضاتها، فإذا لم ينجح التّهديد المُبَطَّن، تقترح باير (كما شركات أخرى مماثلة) صفقات في صورة "اتفاقيات وِدِّيّة"...
تستحوذ هذه الشركات الرأسمالية على الأراضي الخصبة وعلى المياه في البلدان الفقيرة، ومنها بعض البلدان العربية، وتُرَوِّجُ بها إنتاجها الخطير (مثل المبيدات)، الذي وَقَع إثباتُ ضرره وحَظْرُ بيع بعضه في الدّول الرأسمالية المتطورة، كما تُرَوّج البُذُور المُعدّلة وراثيا، وغير المُلائمة للتُّربة والمناخ في العديد من البُلدان، بدعم من صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، اللذَيْن يفرضان إعادة هيكلة قطاع الفلاحة، والإقلاع عن زراعة الحبوب وتربية الحيوانات، وتوجيه الإنتاج الزراعي نحو التصدير، عبر زراعة الخضار وبعض الفواكه المُعدّلة وراثيا، في البيوت المُكيّفة، وبذلك فقدت بعض البلدان العربية وبلدان عديدة أخرى سيادتها الغذائية، وحتى أمنها الغذائي، بتواطؤ من حكومات هذه البُلدان...
بدأت بعض المجموعات في المغرب وتونس ومصر والأردن، تطرح قضية السيادة الغذائية، وشروط تحقيقها، ولكن، ورغم جُهُود عناصر هذه الجمعيات، لا يزال عملُها جنينِيًّا، وأعاد التّمويل الأجنبي توجيه بعضها نحو قضايا هامشية، والمطلوب أن يكون قطاع الفلاحة والمسألة الزراعية في صلب أي برنامج انتخابي وبرنامج أي حزب سياسي، لأن الأستقلال لا يكون كاملاً بدون سيادة غذائية.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية