الذكري (75) لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني(3)

تاج السر عثمان
2021 / 8 / 12

1
أشرنا سابقا الي مقدمات دخول الفكر الاشتراكي والماركسي والفكر الديمقراطي المستنير السودان، وتواصل انتشاره الي أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ، واتسع دخوله في السودان، وخاصة بعد هزيمة النازية والفاشية، وظهور المعسكر الاشتراكي ، وانتشار حركات التحرر الوطني وسط شعوب المستعمرات للمطالبة بتقرير المصير والاستقلال، علي سبيل المثال : يصف عبد الخالق محجوب تجربته في التوصل للماركسية في دفاعه أمام محكمة ديكتاتورية عبود أوضح الشهيد عبد الخالق محجوب كيف توصل إلي فهم ظاهرة الاستعماروالماركسية بقوله :
" كنت سعيدا حينما عثرت على كتاب عند صديق ، كتاب بسيط في طباعه متواضعة اسمه " المشكلة الوطنية ومشكلة المستعمرات " بقلم جوزيف ستالين. هنا لمحت الحل ووصل إلى رد حاسم لتساؤلي ، فعرفت كنه الاستعمار، وأنه لا يعني فقط احتلال الجنود لبلادنا ، بل يعني سيطرة رأس المال الأجنبي على مقدرات وطننا ، وأن هذا الأخطبوط من شأنه أن يحيط نفسه بطبقات من داخل البلاد بوساطة بنوكه وشركاته ، طبقات تشمل الإقطاعيين وكبار الرأسماليين ، وأن هذه المصالح هي التي تحرك تلك الطبقات وتقتلع جذورها من أرض الوطن . وكانت تلك الأفكار النيرة فاتحة لنافذة كبرى نطل بها على العالم ونتبصر بها طريق حركتنا الوطنية ، وقد تداول هذا الكتاب وقتها عشرات من الطلبة كل يتطلع لايجاد حل لمشاكل الحركة الوطنية السودانية ويتلمس فيه أنجع الطرق لحرب المستعمرين وتحقيق الحرية والاستقلال . ومنذ ذلك التاريخ وأنا أتطلع كل صباح لمعرفة المزيد من النظرية الماركسية اللينينية التي أتخذتها منهجا لحياتي محاولا تطبيقها على ظروف بلادنا وفق تقاليدنا السودانية وماتتطلبه مصالح شعبنا الحقيقية ـ إن تاريخ حياتي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك إنني لم أطرق باب الماركسية جريا وراء نفع شخصي أو غرض زائل بل وراء البحث المخلص الأمين لوسائل تحرير الوطن من نير المستعمرين والمساهمة في بناء جمهورية سودانية مستقلة حقا ينعم فيها أبناء الشعب بخيرات بلادهم .
واليوم عندما أنظر من وراء هذه الســــــــنوات الطويلة أشعر بالسعادة والفخـــــــر بفكر تقبلته مختارا وبمنهج سلكته عن اقتناع تام وأرتاع لمجرد التفكير في أنني لو لم أكن شيوعيا ماذا كنت أصبح ؟
أنني لم أصل إلى النظرية الماركسية اللينينية عبر طريق النضـــــــال السياسي وحسب، رغم أن هذا وحده يكفي ، ولكني توصلت إليها في بحثي وراء الثقافة التي تنسق عقل الانســــــــان ووجدانه وتباعد بينه وبين التناقضات العقلية والعاطفية التي عاشها جيلنا".
"راجع: دفاع عبد الخالق محجوب في كتاب: ثورة شعب، اصدار الحزب الشيوعي السوداني، 1965 “.
اضافة لما أورده عبد الخالق عن دخول الفكر الماركسي والاشتراكي في السودان خلال سنوات وبعد الحرب العالمية الثانية – عن وصول مؤلفات اشتراكية باللغة الإنكليزية عن الحياة في بلاد الاشتراكية ، وعن قيم الماركسية . ( لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي ) .
2
- كما جاء في مذكرات عباس على " نتيجة لدخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضد الفاشية والنازية توقفت الدعاية المعادية للشيوعية والتي كان ينشرها الاستعمار قبل ذلك . كما بدأت الكتب الماركسية واليسارية تدخل البلاد عن طريق جنود الحلفاء ( من إنجليز وغيرهم ) ، وساعد أيضا وجود عناصر يسارية في حزب العمال البريطاني الذي وصل إلى الحكم بعد الحرب ، إلى دخول كثير من المؤلفات اليسارية ( Left Book Club Series ) ونتيجة لتلك المؤثرات تكونت الحلقات الأولى للحركة السودانية للتحرر الوطني ( الشيوعي 152 ) .
ويواصل عباس على ويقول : ً الكتب الأساسية التي كانت تدرس للأعضاء الجدد هي : تطور المجتمع – الاقتصاد محرك للتاريخ – المادية الجدلية – المادية التاريخية ( وهما من تأليف ستالين ) – محاضرة عن الدولة والثورة – فائض القيمة – رأس المال والعمل المأجور ً . ويواصل عباس ويقول : ً كانت جرأة أعضاء الحزب وحماسهم وإقدامهم الذي يغذيه باستمرار نضالات الحركة الثورية وقصص البطولات في الحرب ضد الهتلرية في الاتحاد السوفيتي وقصص المقاومة الفرنسية وفي يوغسلافيا واليونان ، كل ذلك كان مضرب المثل في المجتمع السوداني مما جذب أعدادا متزايدة على الدوام من العناصر الشبابية إلى الحزب أو مؤتمر الطلبة أو اتحاد الشباب .. ً (مجلة الشيوعي 152 ) .
- جاء في مذكرات الجزولي سعيد عن الكتاب الماركسي عام 1946: ٍ نحن رأينا الكتاب الماركسي لأول مرة عند هاشم السعيد أعني مجموعتنا ( كانت تضم جمبلان ، محمد عثمان جمعة ، محي الدين محمد طاهر ، الجز ولي سعيد ) . وهاشم أتى به من مصر عن طريق حامد حمداى ، كانت كتب صغيرة مطبوعة في دمشق ، أذكر من بين الكتب : أسس اللينينية ( لستالين ) ، وكتب أخري مترجمة : المسألة الوطنية- لستالين ، حرب البترول في الشرق الأوسط لراشد البراوي ، وعموما كانت الكتب المصرية تجئ إلينا ( الشيوعي 150 ) .
- اما عبد الماجد أبو حسبو في مذكراته فيقول: ٍ في أواخر القرن التاسع عشر هاجر كثير من الطلبة المصريين إلى أوربا وبقية العالم ، وهناك تأثروا بالأفكار اليسارية : سلامة موسى ( الفابيانز ) ، عصام الدين حفني ناصف ، محمد حسين هيكل ، محمد فريد . هاجر الطلبة السودانيون ما قبل وبعد الحرب العالمية الثانية من أجل العلم إلى مصر ، وهناك تأثروا بالأفكار اليسارية ، خلال وقبل الحرب العالمية الثانية انتشر الفكر اليساري في مصر ، نتيجة لتوافد أعداد كبيرة من اليساريين الأوربيين الذين ساقتهم الجيوش – جيوش الحلفاء إلى مصر – التي كانت من أهم الجبهات الحربية في الحرب ( فرنسيين – طليان – يونان – إنجليز ) .
يواصل أبو حسبو ويقول : ً لقد كنا ، محمد أمين حسين المحامي ، وعز الدين على عامر ، وعبد الوهاب زين العابدين وشخصي أول من دخل الحركة الشيوعية من الطلبة السودانيين بمصر ، وهنا تكونت أول خلايا سودانية شيوعية في مصر ، كان ذلك سنة 1945 ، وكنا جميعا طلبة في الجامعة ، عدا محمد أمين حسين الذي كان قد تخرج في كلية الحقوق ، وعن طريقنا توافد عدد غير قليل من الطلبة السودانيين إلى الحركة الشيوعية ، الذي قادنا إلى ذلك عبده دهب الذي كان يعمل مشرفا للنادي الإيطالي ، واثناء عمله بالنادي جنده أحد الشيوعيين الإيطاليين ثم تحول إلى ( ح . ت . م ) إحدى المنظمات الشيوعية المصرية ( مذكرات أبو حسبو ، الجزء الأول ، دار صنب للنشر ، فبراير 1987 . ) .
3
- أشار محمد عمر بشير في كتابه ً تاريخ الحركة الوطنية في السودان ً ، الذي جاء فيه : ً من الخطأ أن يقال أن المبادئ والتعاليم الاشتراكية لم تكن معروفة في السودان أو أنها كانت غريبة عليه قبل ذلك التاريخ ( قبل تأسيس الحزب الشيوعي السوداني عام 1946 )، وأشار الي رواية تحتاج الي تحقيق ذكر فيها : .
منذ 1924 وجدت المبادئ الماركسية والاشتراكية سبيلها عن طريق الحزب الشيوعي المصري الذي تأسس عام 1919، وعن طريق عدد من العمال الشيوعيين المحترفين العاملين بإدارة السكة الحديد بعطبرة والذين كانوا ينتمون إلى أرمينيا ووسط أوربا ود ويلات البلطيق ( عن د . جعفر بخيت – النشاط الشيوعي في الشرق الأوسط 1919 – 1927 – شعبة أبحاث السودان – جامعة الخرطوم – 1969 ) . وقد أخذ أحد أعضاء جمعية اللواء الأبيض ويدعى على أحمد صالح - ( هناك رواية تقول أن على أحمد صالح نفسه لم يكن عضوا في اللواء الأبيض ، انظر جذور الحركة الشيوعية في السودان ، رسالة دكتوراه ، جامعة اكسفورد 1983 ، لمحمد نوري الأمين ) - المبادئ الماركسية عن أولئك الشيوعيين المحترفين العاملين بعطبرة ( عن د . جعفر بخيت ، المصدر السابق ، ص 9 ) . ولطالما تسلم على عبد اللطيف زعيم اللواء الأبيض منشورات شيوعية مطبوعة باستكهولم ( المصدر السابق ص 4 ) ، وكان الحزب الشيوعي المصري منذ تأسيسه مهتما بشئون السودان. وفي يونيو 1925 وزعت منشورات شيوعية كثيرة في أرجاء مصر والسودان ( المصدر السابق ص 12 ) . ولما استولى رجال البوليس بمصر على برنامج الحزب الشيوعي المصري في عام 1925 تبين أن ذلك الحزب كان يلح على أهمية تأسيس حزب شيوعي بالسودان يضم بين جناحيه أبناء جنوب السودان ، حتى يتجنب الانقسام في صفوف الطبقة العاملة في شمال السودان وجنوبه ( المصدر السابق ص 19 ) . وفضلا عن ذلك وجدت الماركسية طريقها للسودان خلال الفترة ما بين : " 1925 – 1930 " بواسطة احمد حسن مطر عضو اللواء الأبيض الذي هرب إلى أوربا في عام 1924 في أعقاب الهزيمة التي لحقت بثوار 1924 ، واضحي مطر عضوا نشطا بإحدى المنظمات المناوئة للامبريالية وعضوا بالحزب الشيوعي الألماني ببرلين ، وقد عمل على إرسال بعض الكتب والمنشورات الشيوعية لبعض أصدقائه في السودان ، وعاق اضطهاد الحزب الشيوعي المصري ونظام الرقابة الصارم على الرسائل في السودان انتشار المبادئ الماركسية ، ومهما يكن من أمر فالواقع أن بعض الدراسات الماركسية قد تسربت وانتشرت في ربوع البلاد ، وظل المتعلمون المستنيرون يهتمون بالفكر الاشتراكي والآداب الماركسية رغم الحظر وفرض الرقابة على دخولها، والحلقات الدراسية للاشتراكية التي شكلت فيما بين" 1930 – 1940" أضحت على معرفة تامة بمؤلفات ماركس وغيره من الكتاب الاشتراكيين وكانت منشورات نادي الكتاب اليساري ببريطانيا تدرس بواسطة حلقات الدراسة ، وظل الاهتمام بالدراسة الجماعية للاشتراكية قائما حتى الحرب العالمية الثانية .
وكان للجندي البريطاني ً ستورى ٍ عضو الحزب الشيوعي الإنجليزي القدح المعلى في هذا الخصوص ذلك لأنه لما عاد إلى إنجلترا بعد أن وضعت الحرب أوزارها بادر بإرسال المؤلفات الماركسية لعدد من أصدقائه ، لكل ذلك فانه لما تكونت الحركة السودانية للتحرر الوطني في عام 1945 ( الدقيق 1946 ) كانت جذور الفكر الاشتراكي وتعاليمه قد سبق بذرها في التربة السودانية ( محمد عمر بشير : تاريخ الحركة الوطنية في السودان ، ص 206 – 209 ) . ( انتهت رواية بشير ) .
أما ما أورده بشير نقلا عن رواية د . جعفر بخيت حول علاقة الحزب الشيوعي المصري الذي تأسس عام 1919 ( الدقيق حسب توثيق الحزب الشيوعي المصري تاسس عام 1921) بوجود بعض الشيوعيين ضمن جمعية اللواء الأبيض ، فهذا احتمال وارد أن يهتم الحزب الشيوعي المصري الوليد ببناء فرع له في السودان ، ولكن هناك روايات تقول أن على أحمد صالح نفسه لم يكن عضوا في جمعية اللواء الأبيض ، كما أنه ليس هناك ما يؤكد وجود تنظيم شيوعي في السودان له قواعد ثابتة قبل عام 1946 رغم وجود حلقات لدراسة الماركسية في السودان ومصر.
4
هناك أيضا ما أورده أحمد خير المحامي في كتابه "كفاح جيل" الذي كما قال كشف عن سر مجهول ، هو أن السودان شهد عام 1927 مولد حزب شيوعي لم يعش طويلا .
يقول الصحفي محمود أبو العزائم : ً ذهبت إليه ( أحمد خير ) وزميلي محمد الحسن أحمد في بيته نستجليه شيئا عن الحزب الشيوعي الذي أشار إليه في كتابه "كفاح جيل" ، وكان الزمن قد فعل فعلته بذاكرته فلم يستطع أن يتذكر بعض الأسماء إلا بصعوبة . قال عندما كان العمل جاريا في بناء خزان مكوار ( سنار ) كان أحد المهندسين بريطانيا من أصل روسي يعتنق الشيوعية ، التي اقنع بها مهندسا سودانيا يعمل معه صعب عليه أن يتذكر اسمه ، ولكنه قال هو أحد أبناء الشايقية ، وهذا المهندس بدأ يعمل في تكوين الحزب الذي ضم صالح عبد القادر وعرفات محمد عبد الله وآخرين ، وكشفت المخابرات أمر الحزب فاستدعت المهندس الشايقي وضيقت عليه الخناق ، فأدلي باعترافات كاملة ، واعلن عن توبته لكن المخابرات جندته لمدها بأخبار الجماعة التي وقف نشاطها تماما ولم تجد استجابة للانضمام إليها .. ً ( السودان الحديث : 14 يناير 1992 ) .
ولكن هذه الرواية يبدو أنها ضعيفة من ملاحظتين : -
1- جاء في الرواية أن الحزب تم تأسيسه عام 1927 ، عندما كان العمل جاريا في بناء خزان سنار ، ولكن حسب ما نعرف أن خزان سنار تم الفراغ منه عام 1925 ، اللهم إلا إذا كان المقصود قبل عام 1925 أو أن المهندس كان يعمل في خزان سنار.
– كما جاء في الرواية أن التنظيم ضم عرفات محمد عبد الله (عام 1927) ، ولكن المعروف أن عرفات كان في مصر أثناء قيام ثورة 1924. واعتقل هناك بتهمة مقتل السير لى استاك ، وتم إطلاق سراحه بعد سبعة شهور ، بعدها عمل في مصر ، وفتح حانوتا للبقالة ، ثم نزح إلى سيناء للعمل بشركة القناعة العربية للسيارات ، وبعد خمسة أعوام ونيف عاد بعدها للبلاد ، أي بعملية حسابية بسيطة نرى أن عرفات عاد للبلاد عام 1929 أو بعد عام 1929 ، أي انه لم يكن موجودا في السودان عام 1927 – وربما تكون هذه المحاولة تمت قبل عام 1927 .
5
ورد في كتاب رفعت السعيد ، تاريخ المنظمات اليسارية في المصرية ( 1940 – 1950 )، دار الثقافة الجديدة ، 1977، ص 353 ، ما يلي :
ً وصل إلى القاهرة شخصان هما حسن الطاهر زروق والمهندس عبد الحميد أبو القاسم وعقد أول اجتماع ضم قادة القسم السوداني بالقاهرة ومندوبي مجموعة الخرطوم وعدد من قادة ( ح . م ) هم هنري كوريل ، ود . عبد الفتاح القاضي وتحسين المصري ، وقد تم الاجتماع في منزل هنري كوريل ، وقدم المندوبان تقريرا يطالبان فيه بتشكيل تنظيم مستقل له قيادة مستقلة ، ووافق المجتمعون على ذلك واتفق أن يستمر السودانيون المقيمون في مصر أعضاء في ( ح . م ) وفي حالة عودتهم إلى السودان ينضمون فورا إلى التنظيم هناك وفي نفس المستوى الذي كانوا يعملون فيه بالقاهرة ، واتفق أيضا في حالة انتقال أي شيوعي سوداني للإقامة في مصر ، ولو بصفة مؤقتة ينضم إلى المستوى المقابل ( ح . م ) ، واتفق على تسمية التنظيم السوداني الوليد باسم (الحركة السودانية للتحرر الوطني – حستو)"..
(نواصل)

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية