خدعوك فقالوا -الحضارة العربية الإسلامية-

وهيب أيوب
2021 / 8 / 11

"ينبغي علينا إعمال العقل في الخبر" ابن خلدون
لدي إيمانٌ راسخ، أن شعوب هذي المنطقة لن يكون لها أي نصيب في التقدّم والتطوّر والعيش بحريّة وكرامة؛ ما لم تتخلّص وإلى الأبد من هذا الإرث الذي خلّفه الاحتلال العربي الإسلامي للمنطقة منذ 1400 عام، والذي كان السبب في وصول هذي المنطقة وشعوبها إلى هذا الدرك من التخلّف والتقهقر والانحطاط ، وإن الفشل الذي لاقته تلك الشعوب في انتفاضاتها على أنظمة الحكم منذ عشر سنوات؛ سببه الأساسي برأيي؛ هو ذاك الإرث الثقافي الذي خلّفه الاحتلال العربي الإسلامي للمنطقة، الذي ما زال يُعيق أي تطوّر.
أبدأ لأقول؛ هل كان من المعقول أن تقوم قبائل بدوية صحراوية غير متحضّرة أصلاً؛ بنشر حضارة ما، من خلال غزوها لأراض وشعوب أُخرى؟ هذا شبه مستحيل!
فهل بنى العربان المسلمون في الجزيرة العربية حضارة، وهل بنوا قصوراً وعمارات وجسور ومسارح وفنون، أو حتى مساجد، كالتي يدّعون أنهم بنوها هم في الأندلس وبلاد الشام وغيرها من الأقاليم التي احتلوها؟
فكيف يمكن أن تدّعي بنشر حضارة لم تُقِمها أصلاً وأولاً في بلادك ومنطقتك ؟
إن من أشاد وبنى تلك القصور وفنون العمارة والغناء والموسيقى التي يكفّرها المسلمون، كانوا أبناء الأقاليم المحتلة نفسها وليسوا عربان الجزيرة الذين لا يملكون منها شيئاً في أماكن تواجدهم بالجزيرة ولم يحاولوا أصلاً، لأنها تتعارض مع عقيدتهم الإسلامية، فما الذي يوجد في السعودية ومكّة اليوم من آثار؛ سوى بناء مكعّب يُسمى الكعبة وقبور من طين. ولا يوجد في السعودية أي بناء معماري أثري ذات قيمة هندسية أو فن معماري، وكانت ما تزال أسواق النخاسة حتى ستينيات القرن الماضي لبيع وشراء العبيد من نساء عاريات ورجال وأطفال في الساحات العامة، حتى منعتهم الأمم المتحدة، فعن أي حضارة وتحضّر يتحدّث هؤلاء العربان البدو ؟
والمعروف تاريخياً؛ أن الأمم والشعوب والدول الذين نشروا حضارات خارج أقاليمهم التي احتلوها، قاموا أولاً بصنع تلك الحضارة ببلادهم ثم ذهبوا بها للآخرين، والأمثلة على ذلك كثيرة، فحين غزا الإسكندر المقدوني أقاليم واسعة خارج بلاده، كان لدى اليونانيون حضارة عريقة، فالإسكندر نفسه كان تلميذ الفيلسوف أرسطو، إضافة لطاليس وأناكسيماندر وفيثاغورس وأفلاطون وسقراط وأبقراط وديموقريطس وبارمنيدس وأبيقور، والقائمة طويلة، وكان اليونانيون يمتلكون من العلم والمعرفة في مختلف شؤون الحياة ما لم تكن تملكه الشعوب الأُخرى، لهذا استطاع اليونانيون نشر حضارتهم وثقافتهم في كل الأقاليم التي احتلوها، والإسكندرية ومكتبتها التي أحرقها الغزاة العربان المسلمين في مصر، كما أحرقوا مكتبة فارس، شاهدٌ على أن الغزاة العربان كانوا مدمّرين للحضارة لا بُناة لها! فقد كانت الأقاليم التي غزاها واحتلها العربان المسلمون تذخر بحضارات قديمة عريقة؛ تمّ تدميرها على أيدي الغُزاة.
وما يتفاخر فيه بعض العربان اليوم؛ من أن ابن سينا والفارابي وأبو بكر الرازي وابن رشد وأبو حيان والخوارزمي والإدريسي وابن الهيثم وعباس ابن فرناس وجابر ابن حيان وسواهم، هؤلاء كانت ثقافتهم ومعرفتهم مأخوذة من الحضارة اليونانية والهندية والفارسية والسريانية، في الفلسفة والطب والصيدلة والفلك وكافة العلوم، ولم يكن لعربان الجزيرة البدو أي معرفة بتلك العلوم، فالشائعة التي تقول بأن المسلمين هم من ساهموا بحضارة الغرب من خلال نقل العلوم التي أبدعها هؤلاء، هو محض افتراء وكذب، فالدين الإسلامي والقرآن لا يمكن استخلاص منه أي معرفة علمية أو فلسفية، فكل الذين أبدعوا في تلك العلوم والفلسفات كانت بضاعتهم يونانية وأعجمية صرفة لا إسلامية. إضافة أنهم كانوا في غالبيتهم الساحقة، وهذا بشهادة ابن خلدون، من غير العرب، ولن تجدوا واحداً منهم من بدو الجزيرة العربية الذين يدّعون نشر الحضارة!
إضافة بأن الإسلام وليؤكّد على ما نقول؛ قام بتكفير كل الفلاسفة والعلماء والمبدعين عبر تاريخه واضطهدهم ونكّل بهم شرّ تنكيل، ووصفهم بالزنادقة والملحدين.
وكيف لأمّة قبائل متناحرة؛ خرجت من الصحراء القاحلة الجرداء؛ أن تدّعي نشر الحضارة بحجّة اللغة العربية التي نزل بها القرآن، لغة غير منقّطة ولا مُشكلّة نزلت على نبيٍّ أُمّي لا يُجيد القراءة والكتابة، أيُّ هُراء هذا؟!
وما يجهله معظم المسلمين، بأن اللغة العربية أصبحت بما هي عليه، ليس بفضل وعبقرية عربان بدو الجزيرة، بل معظم من حدّثوا تلك اللغة كانوا من الأعاجم لا العرب، مثل سيبويه، والزمخشري، والجرجاني، والشيرازي والفيروز آبادي، والزنجاني، والكسائي والنيسابوري، وغيرهم من اللغويين في بلاد فارس. إضافة بأن كل علماء الكلام والتفسير كانوا من غير العرب أيضاً، من وسط آسيا، مثل كتّاب الأحاديث ومفسّري القرآن، البخاري ومُسلم والطبري والترمذي وابن ماجه القزويني والنسائي وابن هشام وابن إسحاق والغزالي، وغيرهم وغيرهم ....
والرحالة والمترجمون والمهندسون ومُديري الدواوين وبلاط الملوك والخلفاء، كالبرامكة ، كانوا من الأعاجم غير العرب.
كل هذا الكلام أورده ابن خلدون في مقدمته وليس من اختراعي، ونعت العربان بأشنع الأوصاف، إذ قال: "العرب إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب".
وهذا دين وديدن الحركات الإسلامية اليوم، من داعش والنصرة والإخوان وطالبان وبوكو حرام، وملاّلي طهران وحزب الله والحشد الشعبي وحسينيون وفاطميون وزينبيون، أينما حلّوا ووُجدوا حلّ القتل والدمار والخراب.
عرب ينسبون لأنفسهم حضارة، سوف تبحث بالسراج والفتيلة لتجد من منهم ساهم في هذي الحضارة، هل هذا معقول...؟!
أضِف أن القرآن الذي يتباهى فيه المسلمون، معظمه مسروق ومنقول من الأديان التي سبقته، اليهودية والمسيحية والزرادشتية، وأن القرآن الأول كتبه "النصارى" وهم فرقة انشقت عن اليهودية، وليسوا هم المسيحيين الحاليين كما يروّج المسلمون!
لا يمكن لأي شعب أن ينشر أي حضارة وثقافة؛ ما لم يقيمها ويحققها أولاً فوق أرضه وبين شعبه، ثم ينطلق بها خارج حدوده، هكذا فعل السومريون والآشوريون والفينيقيون والبابليون والإغريق والفراعنة والرومان والبيزنطيون والفرنسيون والبريطانيون وسواهم.
وأما فاقد الشيء فلا يُعطيه!
نابليون مثلاً؛ في حملته على مصر عام 1798 رافقه في حملته عشرات العلماء في كافة المجالات، وأحضر معه أيضاً المطبعة التي كان يجهلها المصريون والعربان، وأحد العلماء الفرنسيين شامبليون الذي رافق حملة نابليون هو من حل ألغاز اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة "حجر الرشيد" التي كان يجهلها المصريون، ونابليون نفسه كان مثقفاً موسوعياً مُطّلع على معظم الثقافات والأديان وكان كاتباً.
الكثيرون من المثقفين المصريين يعتبرون أن حملة نابليون على مصر عام 1798 كان بداية النهضة المصرية الحديثة، فعندما أتى نابليون في حملته إلى مصر أحضر معه المطبعة، التي كان قد اخترعها الألماني غوتنبرغ عام 1455، ولم يستخدمها العربان المسلمون إلا بعد أربعة قرون، لأنهم كانوا يعتبرون تلك الاختراعات بدع شيطانية، وعندما بدأوا باستخدامها اقتصرت الطباعة فيها على الكتب الدينية فقط.
المقصود إذاً، أن أي حضارة وثقافة؛ تبدأ أولاً في موطنها الأصلي ومن ثم تنتشر في أقطار وأقاليم أخرى في العالم خارج تلك الدولة، وهذا ما حصل أيضاً مع كل الحضارات التي مرّت في التاريخ.
ونحن لم نزل نرى آثار وأوابد تلك الحضارات في منطقتنا قائمة إلى يومنا هذا، وهؤلاء جميعاً صنعوا تلك الحضارات أولاً في بلدانهم ثم انتقلوا فيها للبلدان الأُخرى ونشروها في كافة الأرجاء التي احتلوها وسيطروا عليها.
وحتى في العصر الحديث، فالفرنسي فرديناند دليسبس هو صاحب مشروع إنشاء قناة السويس، ومن قام ببناء السد العالي أيضاً هم مهندسي وخبراء الإتحاد السوفياتي.
وأما ما فعله الاحتلال الإسلامي لهذي المنطقة عبر تلك القرون واضحة نتائجه اليوم بشكل جليّ لا لبس فيه، التخلّف والجهل والخرافة، والإيمان الأعمى بدين لم يُقدّم لشعوب المنطقة ولا للعالم أي حضارة أو تقدّم أو قيم وأخلاق إنسانية، ولكن ما جرى ويجري العكس تماماً.
فكيف يمكن لدين يُعادي في معتقداته الفلسفة ويُكفّر الفلاسفة، ويرفض كافة الفنون والغناء والموسيقى ويعتبرها كفر وزندقة وشذوذ، ويتنكّر للعلوم الطبيعية ويعتبر بأن القرآن يحوي جميع العلوم، بأن يكون منتجاً للحضارة؟
فهل سمعتم عن أي شيخ أزهري أو داعية إسلامي في عصرنا الحالي حاز على جائزة نوبل في أي مجال من العلوم أو الفنون ...؟
إن كل عناصر الدولة الحديثة في عصرنا، والتي يحاول تقليدها بعض شعوب المنطقة ويفشلون، من برلمان وسلطة تنفيذية وقضائية وإعلامية وأُسس وديموقراطية، كلها إبداعات أوروبية وغربية لا علاقة للعربان والمسلمين فيها من قريب أو بعيد، وحتى أنهم يفشلون في تقليدها وتطبيقها على مجتمعاتهم حتى اليوم، وذلك نتيجة تمسّكهم بنصوص دينية متهالكة لا فائدة فيها، وثقافتهم الإسلامية الاستبدادية وتراثهم التاريخي المليء بالصراع الدموي على الخلافة والسلطة والتي يعتبرونها مجرّد غنيمة، والتي لم تُحسم فيما بينهم يوماً إلا بحدّ السيف منذ نشأة الإسلام إلى اللحظة، كل ذلك يقف حائلاً وسدّاً منيعاً في إحداث أي تطوّر وتقدّم لشعوب تلك المنطقة.
وأما الأكذوبة الكبرى التي يروّج لها العربان والمسلمون منذ قرون عن "الحضارة العربية الإسلامية" فهي محض افتراء وافتئات وكذِب، فالأديان عبر التاريخ لم تبنِ أي حضارة، فاليهودية مثلاً تتفاخر في توراتها بحروب يشوع بن نون الذي أتى بعد موسى، فخاض حروب في أرض كنعان قضى فيها حسب قولهم على سبعة شعوب وأباد البشر والحجر والشجر والحيوانات باسم الربّ وتوجيهاته وأوامره.
وفي عصور حكم الكنيسة المسيحية في أوروبا، غرقت أوروبا في بحرٍ من الدماء ودمارٍ شامل، والمؤرخون الأوروبيون يُطلقون على تلك العصور التي استمرت قرابة الألف سنة، " العصور الظلامية"، ولم تتقدّم أوروبا إلا بعد هزيمة الكنيسة والباباوات، وإقامة دول عصرية حديثة، أسّس لها الفلاسفة والعلماء لا رجال الدين والقساوسة.
إذاً وبالدليل؛ لا وجود لأي حضارة صنعتها الأديان؛ لا يهودية ولا مسيحية ولا إسلامية ولا بوذية أو هندوسية.
مُلخّص الكلام؛ ما لم تتخلّص شعوب هذي المنطقة من تلك الكذبة والخديعة الكبرى المُسماة حضارة عربية إسلامية ومن هذا التراث وهذي الثقافة المُدمّرة، وما لم يقلبوا هذي الصفحة من التاريخ المُلفّق الكاذب، وما لم يتخلّصوا من تلك المعتقدات الدينية والطائفية الخرافية، ويجعلوا من الدين والإيمان مسألة شخصية للفرد، ويقوموا ببناء مجتمعات جديدة على أسس عصرية علمية كما باقي الأمم والبشر، وإلا فلا أمل لهم بأي تقدّم وتغيير إلى أن تفنى الأرض ومن عليها.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا