الانتخابات بدلا من الاكياس البلاستيكية

محمد رضا عباس
2021 / 8 / 10

زرت العراق مؤخرا بعد زيارتي الاخيرة عام 2018 , و لم الاحظ تغيير يمكن التحدث حوله او على الاقل انقله الى اولادي الذين يتشوقون بزيارة اقاربهم من الجانبين الاعمام والاخوال . وانت تتجه من مطار بغداد نحو مركز بغداد يدهشك الخضرة التي تحيط بالمطار ولكن بعد كيلو مترين تظهر بغداد على عورتها . الحواجز الحديدية التي تحمي المركبات من الانزلاق متهالكة تحكي قصة ما مر ببغداد من ماسي الاحتلال والحرب الاهلية و الحوادث المرورية , اكوام من النفايات على جانبي الطرق الرئيسية والفرعية تتوكأ بتلال وهضبات من الاتربة , وشوارع خطتها اخاديد الزمن حتى اصبح عجلات السيارات تعج بأصواتها المكسورة تنادي ضمير مديرية الطرق الجسور والتي تضخمت ميزانيتها ولا يعلم احد اين تذهب هذه الاموال . وانت تصل الى قلب المدينة لا تجد معلم جديد , وكأنك تمشي على ارض الزهرة والتي لم تتغير تضاريسها منذ ملايين السنين . لقد تلف الدهر جمال بغداد , وتبرئت الدولة منها كتبريء قبيلة من فتاتها العاهرة . وانت تدخل حي سكني يتعجب سكانه من قدومك الى بلدك العراق وتركك بلد مثل امريكا حتى وان كانت زيارتك ثلاثين يوما ! سوف تتفاجئي بطول قائمة النقص التي يعانون منها سكانها, كثرة الانقطاعات الكهربائية , انقطاع الماء الصالح للشرب , تراكم الاوساخ في الشوارع وعلى جانبها, حفر الشوارع , تجاوزات اصحاب الاعمال المطلة على الشوارع , ضوضاء الباعة , ارتفاع اسعار الدور السكن واراضي البناء , ازدحام الشوارع بالسيارات الخاصة والاجرة , و مشاكل كثيرة اخرى لا يكفى لها مجلد من الحجم الكبير . هذا هو شكل بغداد في صيف 2021, لا يفرح صديقا ولا يغضب عدوا.
هذا وان نعد المشاكل التي تواجه البلاد ولم يستطع قادتنا النشامى من حلها فلا نقدر على احصائها . لقد اضافت العملية السياسية في العراق بعد التغيير مشاكل اضافية لم تكن في الحسبان , ومنها الصراعات العشائرية التي اصبحت سبب رئيسي في عدم استقرار الجنوب العراقي , النزعة القومية للمكون الكردي والذي اصبح ينتهز الفرصة للانسلاخ من الجسم العراقي بأقصى المنافع, فيما ان قادة المكون السني مازالوا يترنحون بين القبول والرفض للتغيير , وما العمليات الارهابية التي تظهر بين الحين والاخر الا شاهدا على ما نقول .
الساسة العرب والكرد قد فشلوا في ادارة البلاد واصبح المواطن يشعر من هذا الفشل في بيته , شارعه, حيه , مدينته , محافظته , وعاصمته . يكفي من القول ان بغداد اصبحت اسوء عاصمة في العالم , ومع هذا لم يحرك هذا الخبر ضمير ساسة العراق .و يقي الامر على حاله يزداد سوء عام بعد عام .
الاحزاب والكتل السياسية رفعت شعار لا اسمع , لا انظر, لا اتكلم طيلة الفترة ما بعد الانتخابات الماضية , وبذلك اصبح انقطاع شبه تام بين المواطن الذي هو العمود الفقري للتغيير والاحزاب الحاكمة , حتى اصبح هذا المواطن قليل الولاء للتغيير بكل اسف . لقد حقق اعداء التغيير نجاح منقطع نظير في هذا المجال يقابله فشل ذريع من الاحزاب الحاكمة .
اذن , لا يوجد لدى الاحزاب والكتل السياسية وخاصة الشيعية والسنية منها ما يجر المواطن نحو صناديق الاقتراع . ارجوا ان لا يفهم القارئ الكريم انا ضد الانتخابات القادمة او الغاءها او تأجيلها مرة اخرى . على العكس , لأني افهم ان زمن الانقلابات العسكرية قد ولى من العراق بدون رجعه , وان من يريد التغيير عليه الذهاب الى مراكز الاقتراع للأدلاء بصوته . بكلام اخر صناديق الاقتراع حلت محل الانقلابات العسكرية في العراق وعلى المواطن فهم هذه القضية ,وانه بدون المشاركة الكثيفة في الانتخابات القادمة سوف لن يتغير شيء وهذا محسوب على المواطن العراقي العربي والكردي وليس لهم . نعم لا يوجد قانون يعاقب المواطن بعدم المشاركة في الانتخابات , ولكن عدم المشاركة سوف يجعل العملية السياسية راكدة مثل بركة الماء الراكدة .
ارى ان يحث الزوج زوجته , والاخ يحث اخوه واخته , والوالد يحث اولاده على المشاركة الواسعة في الانتخابات من اجل ان يعرف العالم ان الشعب العراقي تواق للديمقراطية والحرية وان دماء ضحيا العراق من اجل مستقبل زاهر لم تضع ولم تنسى .
واكثر من ذلك , فان المشاركة الكثيفة في الانتخابات القادمة يبعد العراق من شبح اعلان حكومة طوارئ وتدخل اجنبي يعقد المواقف مثل ما يجري في اليمن والصومال وسوريا وليبيا ولبنان ,ويبقى العراق متخلفا عن التطور الحضاري . لا اعتقد ان هناك مواطنا وطنيا يقبل بوضع العراق الحالي حتى وان غصت مدنه بالمولات الحديثة وازدهرت مودة الاكياس البلاستيكية التي تحمل العلامات والماركات العالمية . حتى يدخل المواطن العراقي احد مولات مدينته يجب عليه ان يكون له دخل ومن اجل الوصول الى هذا الهدف يجب ان يكون هناك عمل متوفر , عمل لا يغطي ثمن المأكل والمشرب اليومي فقط ,وانما دخل يحترم انسانية المواطن العراقي , وبذلك تكون حمل الاكياس البلاستيكية وهي معبئة بالبضائع الاجنبية ليست حكرا على من انعم الله عليهم من المقربين والمستفيدين , وانما حق لابن الفلوجة وهب هب واسكي كلك والشامية والدواية و ابو صخير , وحمزه الغربي وحمزة الشرقي.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية