الذكري (75) لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني(1)

تاج السر عثمان
2021 / 8 / 10

1
يصادف يوم 16 أغسطس الذكري (75) لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني في 16 أغسطس 1946 ، أو العيد الماسي للحزب، وبهذه المناسبة ، نتابع في هذه السلسلة من الحلقات ، الجذور والنشأة والارهاصات التي سبقت بداية تكوينه ، باعتبار أن نشأة الحزب لم تكن معزولة عن تطور الحركة الوطنية السياسية الحديثة، فقد جاء الحزب كما أشار الشهيد عبد الخالق محجوب في كتابه " لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي" "كان ميلاد الحركة السودانية للتحرر الوطني كجزء من التحركات الوطنية أثره في مستقبلها ، اذ أنها شرعت فورا في النضال العملي ضد المستعمرين ، واصبح صفة من صفاتها الثابتة حتى اليوم . ان النضال والعمل الجماهيري صفات اكتسبتها الحركة السودانية منذ نشأتها ، بل هي وليدة النضال ، وقد اصبحت هذه الحقيقة سرا من أسرار منعتها ونمو جانبها" ( ص 42 ، طبعة دار الوسيلة1987)، اضافة الي نشأته كانت ضرورة موضوعية فرضتها احتياجات التطور الوطني الديمقراطي في البلاد بعد الحرب العالمية الثانية.
فقد كانت نشأة الحزب الشيوعي امتدادا لتطور الحركة السياسية الوطنية الحديثة ، وتنظيماتها الحديثة التي انبثقت منها، والتي قامت علي أهداف سياسية، لا علي قبلية أودينية أو عنصرية أو طائفية مثل: حمعية الاتحاد السوداني وبعدها اللواء الأبيض التي كانت تطورا أوسع لها، يعزز ذلك الآتي:
جاء في أهداف جمعية اللواء الأبيض في الرسالة التي نشرها عبيد حاج الأمين من قيادات اللواء الأبيض في صحيفة الاهرام بتاريخ : 6 أغسطس 1924 ، أكدت تلك الرسالة الأهداف السياسية التي قامت عليها، رغم اختلاف وجهات النظر حول وحدة وادي النيل تحت التاج المصري، يقول عبيد في رسالته:
* "- جمعية اللواء الأبيض حمعية سودانية قبل كل شئ ، سودانية بأوسع الكلمة .
- غرضها الأساسي تحرير الوطن المعذب من رق العبودية وخلاصه من المستعمر الغاصب.
- تتوسل الجمعية بكافة الوسائل المشروعة لبلوغ مقصدها ، وأول هذه المجاهرة أمام العالم المتمدن ، ورفع صوت الأمة في كل ناد.
- ليست الجمعية جمعية دسائس أو مكائد سرية ضد أي فرد أو مجموع أو أمة ، وهي تخدم كل الآراء المنزهة عن الأغراض السيئة مهما كانت مغايرة لمبادئها.
- لا تتحيز الجمعية لحزب دون آخر ، وهي تجمل للجميع كل اخلاص واحترام.
- تعمل الجمعية لتحقيق غرضها السامي دون سواه، فهي لا تخدم أية سياسة أجنبية ، معتمدة علي قوة حقها وصدق جهادها، واثقة بالنجاح.
- الجمعية موطدة الأساس متينة الجوانب معضدة من سواد أهل السودان، ولا تزيدها تصرفات الغاصب الا قوة علي قوتها. "
( للمزيد من التفاصيل: راجع : مها عبد الله حاج الأمين ، عبيد حاج الأمين، جزيرة الورد ، ط 2 ، 2017 ، ص 184- 185).
2
* كانت الجمعية لا تؤمن بالفوارق الاجتماعية ولا بالعنصرية ، بل حاربت العنصرية والقبلية والطائفية التي وُلدت وترعرعت في أحضان الإدارة البريطانية وغذتها ورعتها السياسة البريطانيةلتكون سلاحا لضرب الشعب السوداني.
حاربت الجمعية القبلية في أبسط صورها ، بل أن الجمعية كانت بوتقة انصهرت فيها كل الفوارق الاجتماعية لتصب في قالب الوحدة. ( المصدر السابق، ص 102).
من الأمثلة علي رفض رفض العنصرية ، احتجاج علي عبد اللطيف علي المقدمة التي كتبها سلمان كشة في مقدمة كتاب " تسمات الربيع" التي ورد فيها " شعب عربي كريم" ، أشار علي عبد اللطيف في احتجاجه بعبارة " شعب سوداني كريم" ، إذ لا فرق بين عربي وجنوبي أوزنجي، وكان علي عبد اللطيف رغم اصوله الزنجية رئيسا لجمعية اللواء الأبيض تكريما له.
* كانت حركة اللواء الأبيض ذات طابع قومي، وضمت في قيادتها وعضويتها أفرادا من قبائل وأجناس مختلفة تعكس تنوع السودان ومناطقه المختلفة ، وأصوله العربية والافريقية مثل: الملازم علي عبد اللطيف ، عبيد حاج الأمين، صالح عبد القادر، موسي لاظ ، عبد الفضيل الماظ ، الطيب بابكر ، مزمل علي دينار ( من دارفور) ابن السلطان علي دينار، وكذلك شيخ العلماء الأمين ابوالقاسم أحمد هاشم .الخ ( للمزيد من التفاصيل راجع مها عبد الله : مرجع سابق)، وكان لها قسم علي القرآن والانجيل للمسيحيين، وتطورت الحركة واصبح لها فروع في : بورتسودان، ودمدني، عطبرة، الأبيض ، سنار، حلفا وكل أرجاء السودان .
كان شعارها علم أبيض رُسمت عليه خريطة وادي النيل ، وفي ركن العلم المصري الأخضر، وكُتب عليه عبارة " الي الأمام" ( المرجع السابق).
3
* لم تكتف الجمعية بالشعارات والأهداف السياسية اعلاه، بل ربطت أهدافها بقضايا اقتصادية واجتماعية نوعية تتعلق بالنضال ضد الاستعمار ، كما في رفض:
- اغتصاب أرض الجزيرة بطريق الايجار حتي جعل سعر الفدان عشرة قروش صاغ في السنة .
- مصادرة أملاكهم ( الأهالي) وتسليمها لشركة استثمار السودان ، وحرمان الايتام والارامل من ارث الأملاك ، حتى أوقفوا تنفيذ أحكام المواريث والأوقاف الشرعية في الجزيرة. ( رسالة أحمد عمر باخريبة ، الاهرام : الخميس : 31 /7/ 1924 ، العدد ( 14435، في المرجع السابق).
اضافة للأهداف الاجتماعية والنوعية الأخري مثل :
- زيادة التعليم ، وتعليم المرأة ، وارسال الطلاب لمصر للتعليم.
- نزع احتكار السكر من الحكومة ووضعه في يد التجار.
- اسناد بعض الوظائف للسودانيين.
( للمزيد من التفاصيل راجع منشور : ناصح مخلص أمين ، في كتاب حسن نجيلة " ملامح من المجتمع السوداني" ).
* مع نشأة الحركة السياسية الحديثة ظهرت اشكال جديدة في الكفاح والنضال مثل:
- قيام الجمعيات والاتحادات السرية " الاتحاد السوداني ، وبعدها اللواء الأبيض " .
- تأسيس الأندية الاجتماعية " أندية الخريجين ، وأندية العمال والثقافية والرياضية ".
- ظهرت أساليب نضالية جديدة مثل : الاضرابات والمظاهرات ، حملات التضامن لاطلاق سراح المعتقلين، جمع المال لسفر الطلاب للدراسة في مصر وتهريبهم سرا، المنشورات والكتابة في الصحف، الخطب في المساجد، انتفاضات وتمرد الجنود السودانيين " تمرد الأورطة السودانية 1900 ، مقاومة العسكريين المسلحة في 1924 "، ثورة 1924.
- الجمعيات الأدبية والثقافية التي تكونت بعد هزيمة ثورة 1924 "جمعية أبى روف وجمعية الفجر" .
- ظهور مجلة "النهضة السودانية "وبعدها "الفجر".
- ظهور حركة تحرير المرأة ونهضتها والدعوة لتعليمها وخروجها للعمل.
- تطورت حركة الأدب والفن والمسرح والأغنية السودانية.
- ظهور الصحافة الوطنية التي لعبت دورا كبيرا في الوعي، وظهور حركة الدفاع عن الحريات والسلام.
- استمرار اضرابات العمال من أجل تحسين الأجور وشروط الخدمة ، واضراب طلاب كلية غردون 1931 بسبب تخفيض الأجور بعد الأزمة الاقتصادية 1929.
- تكوين مؤتمر الخريجين عام 1938 ، ومذكرته الشهيرة عام 1942 التي طالبت بتقرير المصير.
- تكوين الأحزاب بعد الحرب العالمية الثانية ، وانتزاع الطبقة العاملة لتنظيمها النقابي " هيئة شؤون العمال" عام 1947 ، وقانون النقابات لعام 1948 الذي قامت علي أساسه النقابات وتم تكوين اتحادات العمال والمزارعين والطلاب والشباب والنساء والمعلمين والموظفين التي لعبت دورا كبيرا في معركة الاستقلال حتى انتزاعه عام 1956...
4
* نشأة وتطور الطبقة العاملة مع قيام مؤسسات الادارة الاستعمارية الجديدة : السكة الحديد، النقل النهري، الخطوط البحرية، مشروع الجزيرة وبقية المشاريع الزراعية ، والصناعات الحديثة ، وبعدها انفجرت إضرابات ونضالات الطبقة العاملة السودانية التي ترجع جذورها بعيدا الي نشؤها وميلادها في بداية القرن العشرين ، فالطبقة العاملة الحديثة الوليدة والتي نشأت مع تلك المشاريع بسبب الاستغلال البشع للاستعماريين كما هو الحال في ضآلة الأجور التي كانت تتقاضاها ، اضافة الي أن عمال الجنوب كانوا يعانون من اضطهاد طبقي وعنصري من خلال نظام الأجر غير المتساوي للعمل المتساوي مع عمال الشمال ، كما كانت المرأة تعاني من اضطهاد طبقي وجنسي من جراء الأجر غير المتساوي بين الرجال والنساء ، وكان جهاز الدولة الاستعماري هو المخدم الرئيسي والذي كان ينهب خيرات البلاد الاقتصادية ويصدر فائضها الاقتصادي للخارج ، وبالتالي كان من مصلحته أن يعيش العمال والمزارعون وصغار الموظفين وبقية القوي الأخرى العاملة بأجر علي حد الكفاف ليجنى أكبر قدر من الأرباح.
اضافة لنضال العمال من أجل تحسين اوضاعهم المعيشية ، شارك بعض العمال في ثورة 1924 ، وتعرضوا للاعتقال والتشريد. ( للمزيد من التفاصيل عن تلك الاضرابات والمشاركة في ثورة 1924، راجع : تاج السر عثمان : نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية، الشركة العالمية، 2007).
وفي مقال له بجريدة الأضواء السودانية يناير 1969 م يذكر الأستاذ محمد سليمان ، بعنوان : (صحائف مطوية من تاريخنا الحديث ) ، أن أولى المحاولات لإنشاء نقابات العمال بدأت في تلك الفترة فيقول : كما كانت ثمة محاولات تجري لتنظيم العمال في نقابات ، بل كان هناك اتصال بما يسمي بمجلس العمال المصري لبعض العمال السودانيين وجاء في تقرير المخابرات في شهر يوليو عام 1924 ما يلي : وصلتنا معلومات تفيد بأن حزبا عماليا قد تكون برئاسة علي أحمد صالح يضم النجارين والبناءين وصناع الأحذية وغيرهم بهدف حماية مصالح العمال ، ويقال أن رئيس الحزب يسعي لضم حزبه مع حزب علـي عبد اللطيف).
إذن يمكن القول ، أن أقساما من الطبقة العاملة الوليدة ارتبطت بأول تنظيم سياسي حديث في السودان قام علي شعارات سياسية ووطنية ، بعد هزيمة التنظيمات والانتفاضات السابقة التي قامت علي أسس دينية وقبلية في بداية القرن العشرين .
5
* لم يكن ثوار 1924 بمعزل عن الأفكار التي كانت سائدة في العالم يومئذ، فقد تابعوا ثورات التحرر الوطني كما في : ثورة 1919 في مصر ، وثورة الهند ، والثورة الروسية 1917 ، والثورة الصينية الديمقراطية 1911 ، وأفكار الديمقراطية وحقوق الانسان التي برزت بعد الثورة الفرنسية ، والثقافة الغربية والعربية الإسلامية، وتأثروا بما كان يدور في مصر من معارك فكرية وسياسية ، وكان لبعضهم مكتبات كبيرة مثل : عبيد حاج الأمين ، وكانوا يتبادلون الكتب سرا، وكسروا طوق تعليم كلية غردون الضيّق الذي وصفه معاوية محمد نور بقوله:
" مناهج التدريس في كلية غردون غريب في رأيه ، فليس هناك محال للعلوم الطبيعيةأو التاريخ الحديث والآداب، وانما معظمه تمرين علي الآلة الكاتبةأو علي شؤون الهندسة العملية والمحاسبة" (معاوية نور قصص وخواطر، ص 34).
ومنذ نهاية القرن التاسع عشر سافر بعض الطلاب المصريين للدراسة في أوربا ، وهناك تأثر البعض منهم بالأفكار الاشتراكية ومدارسها المختلفة : ماركسية ، فابية ، . الخ ، وعندما اكملوا دراساتهم رجعوا إلي مصر وبشروا بالأفكار الاشتراكية التي تطالب بتحسين أحوال ومستويات العمال والكادحين وتناصر المستضعفين ضد الاستعمار والاضطهاد الرأسمالي ، وقامت أحزاب اشتراكية في مصر ، ومن هؤلاء المفكرين كان سلامة موسي أول من آلف كتابا عن "الاشتراكية" في مصر عام 1913 ، وعصام الدين حفني ناصف ومصطفي المنصوري وغيرهم . وقد أسهمت هذه الأفكار في تطور وعي الطبقة العاملة ونشر الفكر الاشتراكي.
وكان لذلك تأثيره في قيام الحزب الاشتراكي في مصر 1921 والذي تغير اسمه للحزب الشيوعي المصري عام 1922 ، وطرح في برنامجه المجاز عام 1924 أهداف مثل: الاطاحة بالملكية واقامة الجمهورية الديمقراطية ، تحرير الفلاحين من عبودية كبار الملاك واعطائهم أراضيهم ، حق الشعب السوداني في الانفصال عن مصر. الخ ، كما ارتبط الحزب منذ تأسيسه بالطبقة العاملة التي كانت اضراباتها واسعة وتطالب بتحسين أوضاعها المعيشية ، وتكوين النقابات واتحاد العمال للمطالبة بحقوقها وتعرض الحزب لقمع وحشي من حكومة سعد زغلول..
كان بعض أعضاء جمعية اللواء الأبيض متابعين لكتابات الحزب الشيوعي المصري في الصحف المصرية، علي سبيل المثال :جاء في كتاب "رجل من دلقو " لمؤلفه الحسن محمد سعيد، دار مدارات 2019، ص 27 – 28 ، أن أحد أعضاء الجمعية الجندي نوح ابراهيم الملقب ب " المارشال"، ذكر في أحد اللقاءات للأعضاء " اطلعت اليوم علي خبر صاعق في جريدة (المقطم ) بقيام حزب شيوعي مصري في (القاهرة) في ظل دستور 1923 ، يقترح علي الحركة السياسية المصرية وأحزابها المختلفة ، بأن العلاقة مع السودان يجب أن تقوم علي وحدة في ظل اتحاد فيدرالي بين البلدين ، وهذا النظام الدستوري سيمنح السودان نوعا من الحكم الذاتي المستقل تحت التاج المصري".
وبعلق نوح ابراهيم علي شعار وحدة وادي النيل ، باعتباره تبعية لمصر ، كما حدد نوح طبيعة الصراع ، واشار لمعسكرين : معسكر زعماء الطوائف الدينية وسادة القبائل والعشائر ، وهؤلاء انصار الانجليز ، ومعسكر أخر نمثله نحن من العسكروصغار الموظفين والتجار والمثقفين وأهل التعليم المدني الجديد الذي اوجده الاستعمار " .
الجدير بالذكر أن كتاب" رجل من دلقو" تابع في رواية شيقة سيرة الضابط سيد فرح من قادة ثوار 1924 ، وكيف تمكن من الهروب بعد هزيمة ثورة 1924 الي مصر ومنها الي شعاب وبطاح ليبيا، وخيبة أمله في مساندة القوات المصرية لثوار 1924، وفي شعار وحدة وادي النيل تحت التاج المصري ، وكيف التقي صدفة بالثائر عمر المختار ، وشارك معه في الثورة ضد الاستعمار الطلياني ، وكيف تم هروبه بعد وصول العدو الي عمر المختار وتم استشهاده، وواصل سيد فرح اختفائه مع اسرة في قرية مصرية ، وتزوج منها ، حتى تم العفو عنه مع بقية الثوار بعد اتفاقية 1936 ، وعودته للعمل في الجيش المصري حتى وفاته في مصر.
ما يؤكد ارتباط قادة الطائفية بالاستعمار ما جاء مقال في (حضارة السودان) بعد مظاهرات ثوار 1924
الذي جاء فيه " أُهينت البلاد عندما تظاهر أصغر واوضع رجالها دون أن يكون لهم مركزا في المجتمع"، وكتب آخر بعنوان ود النيلين" ( انها لآمة وضيعة يقودها أمثال علي عبد اللطيف) ، " مها عبد الله المرجع السابق". ( للمزيد من التفاصيل عن الصراع العنصري : راجع د. يوشيكو كوريتا ، علي عبد اللطيف وثورة 1924 ، ترجمة مجدي التعيم، مركز الدراسات السودانية، يناير 1997).
كل ذلك يشير ، الي أن حركة اللواء الأبيض ، لم تكن معزولة عن التيارات الفكرية والسياسية التي كانت سائدة في المحيطين الاقليمي والعالمي.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي