ظروف -الإنسحاب- العسكري الأمريكي من أفغانستان

الطاهر المعز
2021 / 8 / 9

أفغانستان - خلفيات إعلان الإنسحاب العسكري الأمريكي

أعلنت الولايات المتحدة الإنسحاب من أفغانستان، يوم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2021، في ذكرى تفجيرات 2001، بعد عشرين عامًا من الإحتلال الأمريكي/الأطلسي المُباشر، وارتفع خلال هذه الفترة إنتاج "الخشخاش" (المادة الأولية لصناعة مُخدّر الأفيون ) كما أصبحت منظمة "طالبان" أقوى من ذي قبل، ما يؤهلها للإستيلاء على الحُكْم، حيث تُسيطر على نحو 85% من أراضي البلاد...
لَخّصَ الرئيس الأمريكي جو بايدن أسباب الإنسحاب، يوم الثامن من تموز/يوليو 2021، بما معناه: "لم نُرسل الجيش إلى أفغانستان لكي نبني دولة (أو أُمّة)، لأن ذلك من مسؤوليات الشعب الأفغاني... بل للقبض على أسامة بن لادن، وتفكيك تنظيم القاعدة وشلّ قُدْرَتِه على القتال ومهاجمتنا..."، وبغض النّظر عن ظروف إنشاء المجموعات الإرهابية وتدريب عناصرها وتسليحها من قِبَل الإستخبارات الأمريكية، خلال العُقُود الأخيرة للقرن العشرين، كان احتلال أفغانستان حلقة من سلسلة التدخلات العسكرية الأمريكية والأطلسية المباشرة، لإعادة تشكيل المنطقة التي سمّاها المُحافظون الجُدُد (وشمعون بيريس من قبلهم، منذ سنة 1982) "الشرق الأوسط الجديد" (أو الكبير)، من أفغانستان إلى موريتانيا، وتُمثّل السياسات الخارجية الأمريكية، موضوع اتفاق، في الجوهر، بين المحافظين الجدد من الجمهوريين، من جهة، والليبراليين من الحزب الديمقراطي، من جهة أخرى، مع بعض التعديلات، بحسب رؤية كل من الإتجاهَيْن للمصلحة الأمريكية...
عندما تُعلن الولايات المتحدة عن الإنسحاب من أي بلد مُحتلّ، تتخلّى عن العديد من العُملاء أو "المُتعاونين" معها (منهم حوالي ألف "مُترجم"، من المُتعاونين الأفغانيين مع جيش الإحتلال الأمريكي)، أي من خانوا وطنهم، وساعدوا الإحتلال الأمريكي، كما يبْقِي الجيش الأمريكي على قواعد عسكرية (جوّية) وعلى مجموعة من الخُبراء العسكريين والجواسيس، في البلد المُحتل (كما حال أفغانستان) وفي البلدان المجاورة، في آسيا الوسطى، وتتمثل مهمة القواعد وتجهيزاتها في التجسس على مساحات شاسعة تشمل البلد المحتل، حيث توجد القواعد، والبلدان المجاورة، مثل باكستان، التي لها حدود وعلاقات تاريخية مع أفغانستان، وإيران، المُحاطة بالقواعد العسكرية بالعراق وأفغانستان والخليج،وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت الإنسحاب من العراق، لكن لا يزال "الخُبراء" الأمريكيون يُسَيِّرُون الوزارات المُهمّة، ولا يزال الجيش الأمريكي يتحكم بمطار بغداد وبالحدود مع سوريا، كما يحدث بالصّومال وتُغطّي القواعد الأمريكية (والصهيونية) منطقة آسيا الوسطى القريبة من أفغانستان، وكذاك من روسيا، فضلا عن القواعد الجوية والبحرية الضخمة بجنوب شرقي آسيا، وأستراليا، لمراقبة واستفزاز الصّين...
خُرِّبت أفغانستان وقُتِلَ وشُرِّدَ سُكّانها، وارتفعت نسبة الفقر والأُمِّيّة والبطالة، وارتفع عدد اللاجئين منها إلى أوروبا (التي تحتل بلادهم، ولا تمنحهم حق اللجوء)، وقبل الإنسحاب العسكري (الجُزئي)، أفضت المحادثات مع تركيا (عضو حلف شمال الأطلسي) على حماية القاعدة العسكرية الأمريكية بمطار "كابول"، كما اتفقت الولايات المتحدة مع تركيا ومع الهند، التي أصبحت حليفًا مهمًّا في المنطقة، على تدريب قوات الشرطة الأفغانية والجيش، والإشراف على تسلحهما، وعلى عملهما، ومَنْع الصّين من تطوير علاقاتها الإقتصادية والتجارية مع أفغانستان...
تعتبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة، منذ "باراك أوباما" (منذ 2007) أن محاصرة الصين وروسيا أمر حيوي للإمبريالية الأمريكية، ولذلك وجب التّركيز عليهما، والتعاقد مع "الحلفاء" لإدارة بعض بُؤَر التّوتّر الأخرى (باستثناء أمريكا الجنوبية)، واتسمت وثيقة "استراتيجية الأمن القومي" لسنة 2017، خلال رئاسة "دونالد ترامب"، بإحياء لُغَة ومنطق فترة "الحرب الباردة" (من 1945 إلى 1991)، واعتبار مواجهة الصين وروسيا أولوية أمريكية، ما يدعو إلى خلق بُؤَر توتّر على حدود الخَصْمَيْن (في تايوان أو في أوكرانيا)، بالتوازي مع زيادة الإنفاق الأمريكي على "تحديث الأسلحة النووية وبناء غواصات هجومية وقاذفات صواريخ بعيدة المدى، وإنشاء جيش إلكتروني وفضائي..."، وبدأت تجربة الجيش الإلكتروني والفضائي ضد إيران التي لها حدود طويلة مع أفغانستان، بالتعاون مع الكيان الصهيوني، وأكّد الرئيس الأمريكي "جوزيف بايدن" هذا الإتجاه، بحسب موقع "ذي أتلانتيك"، 25 حزيران/يونيو 2021.
أعلن الرئيس التركي، زعيم الإخوان المسلمين، استعداد جيش بلاده للتمدّد في أفغانستان، واستغلال مناجم الذهب والحديد والكوبالت واليورانيوم والمعادن النادرة، التي استثمرت بها الشركات الصينية وتستغل بعضَها حاليا، بالإضافة إلى المهمة التي أوكلها الإحتلال الأمريكي لتركيا، من تدريب قوات الجيش والشرطة (مع الهند) و"بناء مؤسسات الدولة" الأفغانية ("وول ستريت جورنال" 19 حزيران/يونيو و 02 تموز/يوليو 2021)، وقد تواجه تركيا مُعارضة مُسلّحة في أفغانستان، وبالتالي تعريض جيشها لتحمّل بعض الخسائر، فضلاً عن توسّع رُقْعَة التدخل العسكري التركي (بدعم من حلف شمال الأطلسي) في الوطن العربي، من ليبيا إلى العراق وسوريا، ما يجعل الإخوان المسلمين والمنظمات الإرهابية، من المغرب إلى تركيا، مرورًا بتونس وقَطَر، جزءًا من أجندة الهيمنة الأميركية والأطلسية على الوطن العربي وعلى البلدان التي يسكنها المسلمون، وجزءًا من الإستراتيجية الأمريكية ضد الصين (إثارة مسألة المُسلمين بالصين)، وضد روسيا، عبر تدريب الإرهابيين الويغور (من مُسلمي الصين) والشيشانيين والقوقازيين (مسلمي روسيا) على حرب التخريب في سوريا، بدعم مالي ولوجيستي وعسكري من صهاينة العرب ، حكام الخليج، ومن حلف شمال الأطلسي، عبر تركيا، قبل إرسالهم إلى حدود روسيا والصين، وبعض المنافسين والخُصُوم الآخرين...
إن إعلان الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان لا يعني تغييرًا في الإستراتيجية الأمريكية، فقد أورد تقرير "معهد كوينسي" (24 حزيران/يونيو 2021) أن الولايات المتحدة لا تزال تعتبر أن روسيا والصين تُشكّلان عدُوًّا رئيسيا، وأن انتشار القوة العسكرية الأمريكية يخضع لهذه الإستراتيجية، ليكون الجيش الأمريكي والأطلسي على استعداد دائم، لمواجهة روسيا والصين على حدودهما، في أوروبا وأوراسيا (خصوصًا ألمانيا وبولندا) لمواجهة روسيا، وفي شرق آسيا (تايوان وكوريا الجنوبية ) لمواجهة الصين، بحسب موقع "معهد كوينسي للإدارة المسؤولة للدولة" ( Quincy Institute for Responsible Statecraft ) وحمل التقرير عنوانًا طويلاً يُلخّص عدم خوف أمريكا من حدوث ثورات تُهدّد مصالحها أو مصالح الكيان الصهيوني بمنطقة المشرق العربي، ما يُفسِّر تراجع اهتمام الولايات المتحدة بما يُسمّى "الشرق الأوسط"، أو بالأحرى تكليف وُكَلاء لمساعدتها، وتفرّغ الولايات المتحدة للتركيز على حُدُود الصين وروسيا...
وردت معظم البيانات بمواقع "وكالة بلومبيرغ"، 22 حزيران/يونيو 2021، و"مركز الدراسات الأميركية والعربية"، واشنطن 09 تموز/يوليو 2021، وموقع صحيفة "واشنطن بوست" 10 تموز/يوليو 2021

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي