قصص وحواديت من العالم القديم (02)

محمد زكريا توفيق
2021 / 8 / 8

ليكورجوس، اسبرطة:

لسنوات عديدة، كان يحكم اسبرطة ملك واحد. بعد ذلك، صار يحكمها اثنان معا. أحد هؤلاء الملوك ترك ولدين، بوليدكتيس وليكورجوس. مات الأول، فأصبح ليكورجوس هو الملك المحتمل. هنا عرضت أرملة أخيه وقد كانت حاملا، أن تسقط حملها إن وعدها ليكورجوس بالزواج منها.

لكن يزدري ليكورجوس الاقتراح غير المشرف، ويرغب في إنقاذ الطفل. فطلب منها أن ترسله له فور ولادته، لكي يتخلص منه هو بنفسه.

بناء على ذلك، أرسل الصبي فور ولادته إلى عمه. وكان ليكورجوس يتناول العشاء في مأدبة كبيرة، عندما وصله الطفل. أخذه بين ذراعيه، رفعه عاليا بيديه في الهواء حتى يراه كل من بالحفل، وهتف قائلا: "أيها الاسبرطيون! ها هو ملكم فكرموه". ثم أطلق عليه اسم شاريليوس، ويعني "فرحة الشعب".

حكم ليكورجوس المملكة. لكنه وجد البلد مليئة بالحماقة والرذيلة والفساد. لذلك قرر السفر إلى بلدان أخرى لكي يرى كيف تحكم نفسها، ويختار منها أفضل طريقة للحكم.

أثناء رحلاته، سمع أشعار وقصص هوميروس. جمعها بعناية كبيرة، وأخذها معه عندما عاد إلى اسبرطة. أثناء غيابه لسنوات عديدة، كانت الأمور تسير من سيء إلى أسوأ. لذلك شمر عن ساعديه وبدأ في إجراءات إصلاح وتهذيب الشعب. عارض شاريليوس ابن أخيه وشريكه في الملك، بعد أن كبر، هذه الإجراءات في بادئ الأمر، لكنه أقرها ووجدها عظيمة فيما بعد.

بدأ ليكورجوس عمله من خلال إنشاء مجلس شيوخ، مكون من أفضل وأحكم الرجال. لوضع القوانين، والتأكد من تفعيلها والتزام الكل بها. يتألف هذا المجلس من ثلاثين عضوا، منهم ليكورجوس وابن أخيه شاريليوس.

بعد ذلك، قام بتقسيم الأراضي بالتساوي، وتوزيعها بشكل عادل بين كل الاسبرطيين. عندما حاول أن يفعل نفس الشيء بالنسبة للممتلكات الأخرى والأثاث والملابس، قابل مقاومة شديدة من الأغنياء الذين يمتلكون قدرا كبيرا منها.

لذا عمد إلى طريقة أخرى. صادر العملة الذهبية والفضية، وسك بدلا منها عملة مصنوعة من الحديد. العملة الحديدية هي عملة محلية لا تصلح للتجارة في البلدان المجاورة. إذن هي لا تصلح لاستيراد الكماليات والأشياء التافهة، وبذلك يتم إلغاء الترف بين الاسبرطيين.

العمال، أيضا، لا يجري توظيفهم في صناعات عديمة الفائدة. وقتهم كله مكرس لإنتاج أشياء مفيدة وضرورية. لذلك كانت السلع تصنع بدقة وكمال تامين.

ثم أمر ليكورجوس بأن يأكل جميع الأشخاص على الطاولات العامة، وأن يكون الطعام عادي، لا إسراف فيه. هذه التعليمات، أرهقت أغنياء اسبرطة، المهتمين فقط بالأكل والشرب.

لذلك ثاروا على ليكورجوس واعتدوا عليه بالضرب، وفقأ أحدهم عينه بعصا. لم يقم ليكورجوس بعقاب من تجرأ واعتدى عليه، وكان يدعى ألكاندر. بل طلب منه أن يصبح صديقا له.

ألكاندر، ذو القلب الطيب، تأثر بسلوك ليكورجوس النبيل معه، لدرجة أنه عقد العزم على أن يكون أكثر امتثالا وطاعة للقانون، وتعلم منه كيف يحكم عواطفه وقت الغضب.

مع مرور الوقت، أصبحت هذه الولائم الجماعية متعة العامة وتسليتها. إننا لا يمكن أن نعجب بما فيه الكفاية من هذه الولائم العامة. الواقف عند الباب يدلك على مكانك قائلا، اذهب إلى هناك ولا تنطق بكلمة واحدة.

لقد أزكت هذه النصيحة الحكيمة، روح الثقة المتبادلة، ومنعت كل الفضائح، والتحريف، والتشوه الأحمق للحقائق.

في مثل هذه الولائم العامة، كان يقدم حساء يسمى المرق الأسود. يتمتع به الاسبرطيون كثيرا. لكن شعوب البلدان الأخرى كانت تعافه، وتعتقد أنه من أردأ الأطعمة مذاقا.

لكن الحقيقة، هي أن الاسبرطيون كانوا أصحاء بدنا، يتمتعون بشهية جيدة. تجعل أي طعام مقبولا ليدهم. عندما تكون جائعا، يمكنك الاستمتاع بأبسط الأكلات، حتى لو كانت سندوتشات فول وطعمية، أو طبق كشري في الشارع من عربية.

كان الأطفال يتعلمون في مدارس عامة عظيمة، وكانوا يدربون على الشجاعة والخشونة. وكان الناس معتادين على الكلام والكتابة بجمل قصيرة بليغة، توصل المعنى إلى المستمع أو القارئ بسهولة.

لاكونيا، هي منطقة في الجزء الجنوبي الشرقي من شبه جزيرة المورة. عاصمتها الادارية هي اسبرطة. كلمة“laconic" ، وتعني بليغ، هي كلمة مشتقة من اسم المنطقة. لأن الاسبرطيين قد شاع عنهم أن كلامهم دقيق وموجز. يعني بدون لت وعجن.

بعد أن وضع ليكورجوس قوانينه الجديدة، غادر اسبرطة، بعد أن جعل الشعب يقسم رسميا، أنهم سيلتزمون بقوانينه حتى يعود. وبما أنه كان ينوي عدم العودة، كانت هذه هي طريقته في حثهم على الاحتفاظ بقوانينه إلى الأبد.

لقد مات ليكورجوس في أرض أجنبية. البعض يقول إنه قتل نفسه. لكن نشك في ذلك، لأنه لم يكن شريرا أبدا. وفاته كانت عام 874 قبل الميلاد. النبي سليمان مات قبله بمائة سنة.

قرطاجة، ديدو، انياس:

يقال إن مدينة قرطاجة الرائعة، كانت تقع في أفريقيا. تم بنائها قبل حرب طروادة؛ لكن إذا كان الأمر كذلك، فمن المؤكد أنه تم توسيعها وتحسينها على يد الملكة ديدو.

في الوقت الذي توفي فيه ليكورجوس، كانت ديدو أو إليسا، كما يطلق عليها أحيانا، تحت حكم أخيها الطاغي بيجماليون. عندما قتل بيجماليون زوجها سيكوس، فرت ديدو مع مجموعة ثوار من بلدها تير في آسيا، لكي تستقر على الساحل الأفريقي، بالقرب من مدينة تونس حاليا.

هناك ساومت على شراء أرض، تقاس مساحتها، بأكبر مساحة يمكن أن تحيط بها شرائح طولية لجلد ثور. (يقطع جلد الثور إلى شرائح طولية، ثم توصل ببعضها لكي تكون شريحة طولية واحدة تحيط بالأرض). في سوريا، يسمى الثور فدانا. والفدان مساحة أرض تعادل 4200 متر مربع.

لقد كتب فيرجل قصيدة ساحرة، اسمها الإنيادة، عن ديدو وايناس. هذه هي أصل الحكاية:

لقد سقطت طروادة بعد حصار استمر عشر سنوات من قبل الإغريق. كان من بين من هربوا منها، في ذلك اليوم الدموي، الأمير انياس. لقد فر مع والده أنشيس وابنه أسكانيوس، وعدد قليل من أتباعه، عن طريق البحر.

كان أنياس ورهطه، مدفوعين لفترة طويلة برياح معاكسة؛ أخيرا، ألقت بهم المقادير والعواصف العاتية على ساحل أفريقيا، بالقرب من مدينة قرطاجة. استقبلتهم الملكة ديدو بلطف وكرم زائدين، وأعطتهم الطعام والكساء، مما جعل انياس يقع في حبها.

هو أيضا سرعان ما اكتسب حب الملكة، وعاش معها في سعادة غامرة لعدة أشهر. لكن انياس قد أصابه الملل، أو وخز الضمير، الذي يوحي له بأنه يعيش حياة خاملة غير مجدية.

بالرغم من الصلوات والدموع من الرقيقة المخلصة ديدو، التي فعلت الكثير له، هو وأتباعه. ورفضها الزواج من ملك عظيم لأجله، إلا أن انياس، الخائن قليل الأصل، قد فرد أشرعته، وعجل بالسفر بعيدا عن قرطاجة وعن المسكينة ديدو.

لم تتحمل ديدو، كسيرة القلب، جحوده وهروبه. لذلك عقدت العزم والنية على قتل نفسها. عملت كومة عالية من الخشب، وصعدت فوقها. ثم طعنت نفسها، ليتم حرق جسدها إلى رماد.

ظل يحتفل بمدينة قرطاجة لمدة طويلة، كرمز للتجارة والثروة. فقد كانت تقع في مساحة محيطها 23 ميلا. كانت لها حديقة رائعة وقلعة عظيمة. وبالرغم من أنها كانت واحدة من أرقى المدن في العالم القديم، إلا أنها اليوم، غير موجودة، ومن الصعب التعرف على مكانها السابق.

الأولمبياد.

كل أربع سنوات، في مدينتي أولمبيا، أو بيزا، اليونانيتين، كان يتم الاحتفال ببعض الألعاب العامة، تكريما للإله جوبيتر (زيوس). كانت هذه الألعاب تتكون من سباق العربات، الخيل، المصارعة، الملاكمة، رمي القرص، رمي الجلة، الجري، التتابع، إلخ.

وكان الملاكم يرتدي قفازا من جلد الثور، والمصارع يصارع عاري الجسد بدون ملابس بعد أن يدهن جسمه بالزيت أو الشحم، حتى لا يستطيع الخصم الإمساك به.

كانت جائزة المنتصر، إكليلا بسيطا من غصون الزيتون البري؛ حتى يبدون أنهم قد تقاتلوا أجل المجد والفخار، وليس من أجل الغزو ونهب الثروات.

كان الفائزون موضع حديث كل مدن اليونان والدول المجاورة. وكان الشباب يأتون من جميع البقاع والبلاد للمنافسة في هذه الألعاب. قبل البدء، يخضع المشاركون لتمرينات شاقة، حتى يصبحون في لياقة بدنية عظيمة تساعدهم على الفوز.

لم يسمح للنساء بالاشتراك أو المشاهدة. في الواقع، قلة هن اللاتي كن يرغبن في ذلك. كانت هناك امرأة، رغبت ذات مرة في مشاهدة ولديها وهما يتنافسان. فتخفت في زي الرجال واختلطت بحشود المتفرجين.

حدث أن فاز ابناها وتم إعلان ذلك. من فرط سعادتها، نسيت حصافة المرأة، وخلعت ملابس الرجال وتركت مقاعد المتفرجين. ثم قفزت من فوق الحبال التي تفصل اللاعبين عن الجمهور.

لتعلن بكل فخر أنها امرأة أم الأبطال، وسط اندهاش الناس. لكن، بسبب جدارة الأبناء وتميزهم، تم العفو عن خطأ الأم. بعد ذلك الحدث، استخدمت إجراءات أكثر صرامة لمنع دخول الإناث.

تأسست الألعاب الأولمبية لأول مرة حوالي عام 1453 ق م. وبعد أن فتر الاهتمام بها، عادت لسابق عهدها عام 1307 ق م. لكن الأولمبياد الأكثر شهرة، أقيم عام 776 ق م.

روما:

هناك العديد من الروايات تحكي كيف بنيت مدينة روما. أكثرها طرافة وغرابة وقبولا، هي الحكاية الآتية:

بعد سقوط طروادة وهروب انياس من قرطاجة، رسا هو ورهطه على ساحل إيطاليا. هناك، تزوج وبنى مدينة. حكمها هو وأولاده من بعده لسنوات عديدة.

نوميتور، هو الملك الخامس عشر من سلالة ايناس. أطاح به شقيقه أموليوس، وقام بقتل ابنه. ثم أجبر ابنته، ريا سيلفيا، على أن تكون راهبة من راهبات فيستا. بمعنى أنها تحرم من الزواج والإنجاب.

ريا سيلفيا، حدث أن ولدت ابنين توأم حالما سمع أموليوس عن ولادتهما، أمر بدفن ريا حية، وإلقاء طفليها في نهر التيبر.

وضع الطفلان البائسان في سلة، تركت لتطفو على سطح اليم. عندما يرتفع النهر، قد يحملها بعيدا، أو يغرقها الموج. إلا أن السلة قد طفت ورست على شاطئ النهر. ثم أتت ذئبة لكي ترضعهما وتربيهما مع جراءها (جمع جرو).

كبر الطفلان وصارا شابين قويين جريئين. أطلق عليهما اسمي رومولوس وريموس. كان يرعيان الأغنام. لكنهما في نفس الوقت، مولعان بصيد الوحوش البرية. عندما علما بأصلهما وفصلهما، وما حدث لهما ولوالدتهما، وأنهما أحق بحكم البلاد، جمعا أصدقائهما وقاتلا عمهما الشرير وقتلاه.

ثم أحضرا جدهم القديم نوميتور، لكي يسترد عرشه بعد اثنين وأربعين عاما في المنفى. لقد كان سعيدا حقا بالعودة الى تاجه، وفخورا بشجاعة أحفاده.

بعد ذلك، أقنع رومولوس وريموس، جدهما ببناء مدينة جديدة. إلا أنهما اختلفا أين تقع، وعلى أية بقعة تبنى. هنا نصحهم نوميتور باستشارة الطير. وهي عادة أهل زمان في ذلك الوقت لحسم الأمور.

عندما يختلف الناس ويشد الخطب، ويقرروا تسوية الأمر سلميا، يختارون مواقع هبوط الطير على التلال. الموقع الذي يحصل على عدد أكبر، هو الفائز.

رأى ريموس ستة نسور على تله، بينما رومولوس قد رأى ضعف هذا العدد. قال ريموس أنه هو الفائز، لأن طيوره ظهرت قبل طيور أخيه. بينما أصر رومولوس على أنه هو الفائز، لأن طيوره أكثر عددا.

الخلاف بالكلمات تحول خلاف باللكمات. أثناء هذا الشجار، قتل رومولوس أخيه ريموس. الآن أصبح وحده في سن الثامنة عشر. لكي يبني ويرسي قواعد مدينة روما. التي أعطتنا القانون الروماني. لذلك اشتق اسمها من اسمه، رومولوس.

بنيت مدينة روما على شكل مربع، واحتوت على ألف منزل. بعض القوانين التي سنها رومولوس، كانت ممتازة. كان لديه مجلس شيوخ، مكون من مائة عضو، لمساعدته في الحكم. كانوا يسمون "باتريه" وتعني آباء. أما الناس العاديين، فكانوا يسمون "بليبيان"، وتعني العوام.

كان الرومان لديهم كهنة لأداء الاحتفالات الدينية. وكان لهم جيشا، يتألف من الخيول والجنود. يجندون بأعداد كبيرة من رجال المدن الصغيرة القريبة من روما.

في الوقت الذي تأسست فيه روما، عام 753 ق.م، غيرت اسبرطة شكل حكومتها. بدلا من ثلاثين عضوا في مجلس الشيوخ، كان لديها خمسة قضاة فقط.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية