تونس، الديموقراطية المتكاملة أفضل من الليبرالية

المنصور جعفر
2021 / 8 / 7

هذه إشارات إلى سلبيات اللعبة الليبرالية


تمهيد ضد اللعبة الليبرالية:
(أ) إرتفاع الصخب والتعب والإمازات والرهق:
رغم التدهور اليومي في مستويات معيشة الكادحين غالبية سنوات القرن الماضي إلا إن لعبة كراسي الحكم مستمرة بين النخب السياسية للفئات التجارية في غالبية دول العالم الخاضعة مجتمعاتها لحرية التملك والنشاط التجاري وسيطرة تماسيحه على معيشة غالبية الكادحين. اللاعبين فيها أكثر من المقاعد لكنهم طوعاً أو كرهاً ملتزمون باحترام قواعد اللعبة وأهمها حرية التملك والنشاط التجاري وضمان أمنه وسيره. سمت منتجات المعارف والإعلام هذه اللعبة التجارية وتحكم أقليتها في معيشة غالبية الكادحين بإسم "الديموقراطية الليبرالية".

(ب) نشأة الليبرالية:
نشأ هذا النوع التجاري من الحكم في أوروبا القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر بتجمع نخب الحرفيين والتجار (طبقة البرجواز) ضد إنفراد وبطش الإقطاعيين والملوك (طبقة الأوروستوقراط) ومن ثم تحول هذا الأسلوب الطبقي الذي كان قد نشأ ثورياً بأفكار وتضحيات ومعارك تقدمية دامية وصار حالة إنفراد وإستغلال وبطش برجوازي ضد الزراع والعمال وعموم الكادحين، في داخل دوله التي صارت ببناء السفن والمدافع مراكز إستعمار خشن (شعاره الحرية والإخاء والمساواة) ثم إمبريالية ذات إستعمار حديث ناعم، في الحالتين كانت ولم تزل مراكز الليبرالية الحرية ذات الإخاء والمساواة تعيش على إنزاف موارد وجهود غالبية مجتمعات بلاد العالم.


(ج) حرية التجارة في دول الهامش الإمبريالي = زيادة الإستعمار الداخلي وفي التبعية للتمويل الخارجي وإنخفاض مستمر في التنمية وفي مستوي معيشة الكادحين:
تتواصل هذه اللعبة التجارية السياسية في غالبية دول العالم التجارية المحور حتى ألفها الناس وآباءهم وبعض أجدادهم لكنها منذ نهاية الإنتخابات التونسية إكتسبت قدراً من الإثارة في تونس وقد توجت أزمة تناقضات اللعبة الليبرالية بقرارات الرئيس الموقر لتونس حيث واشجت الغرابة أو النمطية الطبقية أهم القرارات المصدرة من الحكومة أو من البرلمان أو من فخامة الرئيس: فبعد صولات وجولات ليبرالية لزعماء الهيئات السياسية لم يوضع أي شرط ضد حرية الأسعار، أو ضد حرية النشاط الرأسمالي، ولا ضد حرية القمع، ولم يفكك أي قيد من القيود المشهورة التي يعانيها الإعلام، أو تزيح بعض الحواجز التي تعيق الحركة التعاونية، أو تكسر بعض المهددات التي تؤذي أو تؤخر تطور الحركة الثقافية ، وأيضاً لم كسر الصولات والجولات الليبرالية أي من السلاسل التي تكبل الحركة النقابية، بل لإنهاء البؤس العام وضع الرئيس التونسي شرطاً أخلاقياً لما تسميه اللعبة الليبرالية "الحوار السياسي"! خلاصة ذلك الشرط هو أن يكون طالب أو عضو الحوار له تاريخ من المبدئية والإستقامة!!

كيف تحدد هيئة ما طبيعة "المبدئية" و"الإستقامة" في عالم تجارة سياسية؟

في كير من دول العالم الثالث تكرر فشل اسلوب التغيير الجزئي الذي يحاول إبقاء معالم نظام إقتصادي إجتماعي وثقافي ظالم وفي نفس الوقت يحاول تحقيق العدالة ضده بنوع من التنزيه الأخلاقي والضبط البوليسي لمظاهر العبث والفساد، تكرر فشله رغم المبالغات المحيطة به مدحاً أو ذماً، وعودته في تونس تظهر أهمية كشف سلبيات اللعبة الليبرالية وإنحيازها الطبقي ضد تحرر معيشة غالبية الكادحين من نظم وأساليب الاستغلال والتهميش.



1 - طبيعة الحوار السياسي الواقعي والحوار السياسي الليبرالي:

(أ) ليكون الحوار منطقي السياسة يجب أن يكون لفائدة معيشة الغالبية، وأن ينعقد بحضور مباشر مستقل لممثلي الغالبية، أي يجب أن يتم بين مصالح إجتماعية إقتصادية مختلفة بهدف تبديل أولية مهمة بأخرى في سلم الأوليات الإجتماعية/الوطنية ويتم غالباً بأسلوب بسيط يتمثل في عرض موجبات وسلبيات وجود حالة معينة وسلبيات وموجبات تغييرها ونحو ذلك.

(ب) لأنه يجب أن يكون بين نقيضين طبقيين فمن التضليل والإستعباط الليبرالي إطلاق تسمية "حوار سياسي" على مشاورة بين شرائح فئة طبقية واحدة حول طبيعة الشكل المناسب الذي تزلف به للناس ضمن الإطار الإقتصادي السياسي الظالم وعود المعيشة الكريمة لغالبية الناس !

(ج) غالبية الحوارات السياسية في غالبية دول العالم الثالث لا تتضمن مساومة طبقية فعلية بل مشاورات في إطار ديكتاتورية تماسيح السوق بين بعض شرائح أو فئات النخب التجارية المسيطرة هدفها تغيير بعض أساليب وشعارات وشخصيات الحكم لإبطاء حركة وضع معين أو تسريعه، وفي الحالتين يؤذي التخفيض أو التسريع تحرر الكادحين من رهق النظام المعيشي الطبقي؟=

(د) غالباً ما تتسم تصريحات أطراف "الحوار السياسي" في الإعلام بعلامات من نوع: 1 - إنقضاء مرحلة سلبية وإقبال مرحلة موجبة، 2- وجود متغيرات وظهور آفاق جديدة 3- زلف وعود خُلب لاتبالغ بأي كلام جزاف عن تحقيق "الحرية"، "الإخاء"، "المساواة" أو "التنمية" بل تتكلم برصانة مصطنعة عن جهد مشترك يمهد الطريق لتحقيقها !

(هـ) يشوب الضلال والتضليل والزلفى في "الحوار السياسي" ووعوده بحدوثهم في إطار أنانية حرية التملك والنشاط التجاري وسيطرة تماسيح السوق على معيشة غالبية المواطنين، وبحكم أن سيطرة الأقلية الطبقية ونشاط نخبها تضاد مصالح معيشة غالبية الناس، فإن الزعم بتحسين معيشة الكادحين أو تنمية متوازنة تحت سيطرة الأقلية ومصالحها كذب.



2- مغزى الحوار الليبرالي بين فئات البرجواز:
(أ) في داخل الدولة يرتبط الكلام بين فئات من النخبة البرجوازية حول "تحسين المستقبل" بحالة تمهيد لفترة تحكم برجوازي جديدة، تتغير فيها بعض الوجوه وأشكال الأكاذيب والوعود والتبريرات لتزيد الطبقة المسيطرة أرباحها الظاهرية إما بفتح طريق سياسي لتمكين فئة أو شريحة تجارية جديدة أو لزيادة أو حماية إستغلال جهود أو حاجات الكادحين.

(ب) أما على المستوى العالمي فإن فترة المستقبل المنشود في أي حوار ليبرالي ليست فترة تجديد حقيقي لمصلحة تحسين معيشة غالبية الناس بل هي فترة توكد فيها النخب المحلية للامبريالية قدرتها الناعمة والخشنة على إبقاء مجتمع دولتها في سياق التقسيم الرأسمالي لموارد ومهمات غالبية دول العالم.



3- مراحل أخلاقيات اللعبة الليبرالية:
اللعبة الليبرالية أربعة أو خمسة مراحل هي: 1- الأنانية التجارية >> 2- شعارات أكاذيب بتجريب سياسي وحكومي طبقي معين >> 3- إنفراد وتهميش فئوي/طبقي وإقليمي وجندري >> 4- أخيراً وليس آخراً زيادة في الفروق بين المصالح التجارية وتبريراتها وإرتفاع دعايات وسجالات إعلامية مشحونة بمبالغات ووعود وأكاذيب ثم تسويتها بانتخابات أنانية تجارية > بالإنتخابات الحافلة بالأكاذيب يختتم تجديد اللعبة الليبرالية بعودة جديدة قد تحسب كمرحلة خامسة إلى حالة الأنانية التجارية وتضخيم نشاطها وأرباحها بمزيد من الأكاذيب والوعود والانفراد الطبقي، ومن ثم تتكرر اللعبة دواليك.



4- مكونات اللعبة الليبرالية:
(أ)الأساس في ترويج اللعبة الليبرالية هو قيام السلطات الإستعمارية والإستعمارية الداخلية بتصويرها كلعبة مفتوحة لكل الناس! وأنها تعبر عن إرادتهم! وإنها خاضعة لهم لا لنخب العشائر والطوائف والأحزاب!!! وانهم يوما ما سيفهمون ويصححون أخطاءهم السابقة فيها!! وبدلاً للنواب السلبيين سينتخبون البرلمان الأصلح (المهدي المنتظر) الذي فشلوا في إختياره في مرات سابقة !!!!

(ب) التضليل والخداع في التسويغ الليبرالي والتسويق البرجوازي وتركيز دعايته على إن غالبية الناس بممارسة التخمين والتجريب قد يعرفون في المستقبل "البقرة الصفراء" بمعنى النائب البرلماني الصالح لتحقيق مطالبهم!! وإنهم بتراكم خبراتهم مع الفشل سيفرزون معدنه وشكل كلامه من النائب الطالح ! الواقع ان نظام التعليم ونظام الإعلام الليبراليان يبطلان هذه الزعم لأنهما يمنعان نشر الأسئلة والحقائق والثقافات المثيرة للكراهية ضد كل معالم نظام الاستعمار الداخلي.

(ج) إضافة إلى عائق التعليم وعائق الإعلام فإن نظام الانتخاب الليبرالي نفسه يولي غالبية مقاعد البرلمان لفئة محدودة من ناشطي المجتمع هي فئة ممثلي الأحزاب و غالبيتها تابعة مصدقة لحرية التملك والنشاط التجاري، وفي نفس الوقت فإن نفس النظام الليبرالي يمنع عن كل فئات الكادحين حق التمثيل المباشر في البرلمان (= زراع، رعاة، عمال، مهنيين) وأيضاً يمنع تمثيل مجتمعات العمل العام (= المجتمع الأكاديمي، مجتمع الحركة التعاونية، مجتمع تنظيمات النساء، مجتمع المعاشات، المجتمع المدني، المجتمع العسكري، المجتمع التجاري، مجتمع الإعلاميين، مجتمع الديبلوماسيين، مجتمع المغتربين، إلخ) وغالبا يمنع أي تمثيل مباشر فعال لإرادة الأقاليم. إنه نظام للقمع الطبقي لا علاقة له بالفهم المثالي لكلمة حرية.

(د) بمنع حق التمثيل المباشر في ثقافة المجتمع وفي أي برلمان ليبرالي عن كل هذه الفئات وحرمانها من التحكم المباشر في أمور معيشتها ودولة مواردها، رغم إنها فئات تمثل غالبية المجتمع يبدو خطل وزيف قصة التعلم بالمعرفة والمدارس وينكشف زيف قصة التصحيح والتطور الخطي بالانتقاء التجريبي لمرشحين يحكمهم دستور برجوازي وبرنامج ليبرالي.



5- إستدامة التفاوت الطبقي بزعم إنتظار التغيير السياسي:
(أ) البقر واحد وفوائده ومضاره معروفة كذلك برجزة ولبرلة النخب عملية تجارية سياسية مستدامة فقوانين المعيشة التجارية والإقتصاد تواصل فرز الثقافات والنخب الفئوية الإجتماعية فالسياسية تبلور أعلى معارف وإمكانات التوجيه والإختيار والتحكم السياسي في نخب قليلة في أحزاب المجتمع وشركات الدعاية وقوات التوجيه المعنوي وشركات الأمن وسلفيات البنوك وبعض قرارات الرفاه وفي قدرات زعماء العائلات والعشائر على جمع بعض منها.

(ب) وإذ ينتظر كثير منا حدوث تغيير سياسي فإن نخب الحكم الليبرالي تواصل الإهتمام بتحقيق ربح تجاري لسدنة حزبها وتخفيض الكراهية ضد القوى الإمبريالية الداعمة لها. ورغم إن دخول بعض النواب التقدميين قد يخدش سيطرتها الكاملة على قرارات الحكم، لكن أداء غالبية النخب الحزبية يبقى مضاداً لتحسين معيشة غالبية المجتمع. في عصر الإنترنت لم يعد البرلمان هو المنبر الرئيس لإسماع صوت الشعب، بل صارت لعبة البرلمانات والحكومات الليبرالية ولعبات العسكريين وأزمات الأمن صارت كلها أو بالمفرق محور التآمر الرئيس ضد تحسين معيشة الكادحين.

(ج) عموماً يقف النظام الليبرالي بكل أنانياته التجارية ضد حاجات التنمية والتقدم الاجتماعي المتناسق وأيضاً ضد الكفاءة الوطنية في العالم بحكم ارتباطه بترسيخ سيطرة أقلية تماسيح السوق على معيشة غالبية الناس وإخضاع الدولة لنظم وآليات الإستعمار العالمي.



6 - من أهم التضليلات المروجة لـ"الديمقراطية الليبرالية" :
(أ) إنها باب لتحسين المعيشة والتوزيع المنطقي للموارد والجهود والثمرات المنزوعة من الطبقة الكادحة على كل الطبقات!!
(ب) أن "الديموقراطية الليبرالية" لاالديموقراطية المتكاملة تحقق الحرية والإخاء والمساواة وبعض الرفاه لكل الطبقات!!!
(ج) إن مضاربات وإحتكارات حرية التملك والنشاط التجاري الديمقراطية الليبرالية وسياسة حروبها العالمية ونزاعاتها الداخلية وقيام مركزية إقتصاد دولها بتحجيم وتهميش تنمية غالبية دول العالم ونشر الفقر والفساد والتطرف والإرهاب فيها هي مصدر الخير! والسلام!! والعدل!!!
(د) أنها مع زيادتها التفاوت الطبقي والإقليمي والجندري والمهني والاقتصادي والمعرفي والـ Digital Gap هي النظام الأفضل لتحقيق الوحدة والإشتراكية والإنسانية في مجتمعات العالم الثالث !!!؟؟



7- السلبيات السياسية والوعود الكاذبة سمة عامة لكل طبقة السيطرة التجارية الحكومية:
(أ) السلبيات السياسة حول التذبذب وعدم الإستقامة المبدئية والسياسية ليست خاصة زعماء فئة واحدة: علمانية أو إسلامية، رجعية أو حداثية، بل التذبذب السياسي بالزعوم والوعود والتبريرات سمة كل النخبة الليبرالية التجارية بشكليها السياسيين وأحزابهما: الشكل الرجعي والشكل الحداثي.

(ب) يختلف الشكلان وكلامهما وقد يبلغا إختلافاً شكلياً كبير في أسلوب إدارتهما للموارد واحد ثيوقراطي والأخر ببلوقراطي أو أي شكل علماني لكن حقيقتهما تبعية طبقية، كموظفي إستقبال في شركة تماسيح السوق، واحد متجهم وواحد لبق تبدل إدارة الشركة الواحد منهما بالآخر زمناً معيناً وفق تصميم يحقق لها مصلحتها الداخلية ومصلحة الامبريالية المتحكمة فيها مباشرة أو عبر لاعبين إقليميين لهم نفوذ داخلي.



8 - الخلاصة:
إن قدراً مهما من الكسب السياسي يتحقق للكادحين بتحسين عادل مستدام لمعيشتهم وإمكانات التنمية المتوازنة لحياتهم، وهو تحسين يواشج محاور وشكليات إحتكار أو تنويع مصدر القرارات لكن ليس من جهة إستقلال أو تكامل السلطات فحسب بل من حيث الأساس والمضمون الطبقي لكل قرار وتأثيره على معيشة غالبية الناس.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية