كيف تفشل التنمية الاقتصاديةللاوطان ؟ غياب البرنامج الاقتصادي مثلا

محمد رضا عباس
2021 / 8 / 6

هنا لا اعني عن غياب السياسة الصناعية او الزراعية في البلد , لان النظام الاقتصادي العراقي الجديد هو نظام سوق او حر وظيفته مراقبة العمليات الاقتصادية وليس له الحق ان يقرر كيف يتصرف اصحاب الاعمال بثروتهم او قراراتهم . ان من يطالب الدولة العراقية برسم سياسة صناعية او زراعية للبلاد ينسى هذا التوجه الجديد للدولة , وان الدولة لا تتدخل في شؤون رجال الاعمال سواء كان في قرار الانتاج او التوزيع . تدخل الدولة في الاقتصاد يأتي فقط عندما يخفق نظام السوق من تحقيق اهداف محددة , اي عندما لا يستطع نظام السوق من استغلال النفط الخام في الصناعات التحولية او عدم استطاعة نظام السوق من حماية صحة المواطنين . اصحاب الاعمال يبحثون عن الفرص تعطي اعلى الارباح , وكل مشروع صناعي او زراعي لا يحقق هذا الهدف يعتبر غير مرغوب به , وعلى الدولة تبنيه.
ومع كل هذه التحفظات , فانه لا اقتصاد ينمو ويزدهر بدون تدخل الدولة . تحت تصرف الدولة خزينة و قدرة على الاقتراض من المصادر الداخلية والخارجية في وقت الحاجة, ولديها القوانين التي تحمي صحة المواطن والاقتصاد من التراجع .
لحد الان , لم تنجح الدولة العراقية بعد التغيير بإدارة عجلة الاقتصاد الوطني لأسباب غير مجهولة على المواطنين . وهذا ما دعا السيد رئيس الوزراء المؤقت مصطفى الكاظمي الى الاعلان عن مشروع " الورقة البيضاء" قبل احد عشر شهرا , واعلن عن بنودها قبل ايام . الورقة جيدة ولكن ليست واقعية لكون ان العمر المتبقي لحكومة السيد مصطفى الكاظمي اقل من شهرين ولا يمكنه تحقيق حتى 1% منها, لم يعرف بعد ان هذه الورقة هي خطة خمسية من اختصاص رئيس الوزراء او تحتاج قانون لتطبيقها , من قبل رئيس الوزراء الجديد , واخيرا , فان الورقة التي اعلن عنها السيد الكاظمي لا يمكن ان تعالج مشاكل الاقتصاد العراقي والذي يعاني من الاحادية والانكماش .
احد مثالب " الورقة البيضاء" هي الانكماشية . اي ستكون سبب في تراجع الاقتصاد الوطني وليس عاملا للتوسع , والسبب بسيط وهو انها طالبت بتخفيض الاجور , وقف الدعم المالي للأسعار , و تخفيض العملة المحلية , وهي سياسة تؤدي الى تفاقم الوضع الاقتصادي وليس العكس لان سياسة التقشف في وقت التراجع الاقتصادي انما تؤدي الى زيادة الانكماش خاصة اذا علمنا ان نسبة موظفي الدولة من مجموع الطبقة العاملة يعادل ما يقارب 30%.
بينما لا تعد " الورقة البيضاء" الا خطة تعدد طموح الحكومة الحالية , الا ان على الحكومة القادمة السعي الجاد طرح برنامج اقتصادي قصير الامد من خلاله يدار الاقتصاد الوطني , وهذا ما تعمل به جميع الدول المتقدمة اقتصاديا .هذا البرنامج يحدد طرق معالجة الانكماش الاقتصادي و السيطرة على التضخم المالي وهما العدويين الرئيسيين لازدهار الامم . من خلال زيادة المصاريف حكومية وتقليص الضرائب الدول تستطع السيطرة على التراجع الاقتصادي , فيما ان تخفيضهما يؤديان الى السيطرة على التضخم المالي .رئيس الوزراء القادم يجب عليه طرح برنامج اقتصادي يسطر فيه كيفية القضاء على البطالة المتفاقمة في البلاد حتى يطمئن الشارع العراقي على مستقبل ابناءه .
شيء اخر ومهم تقوم به الدولة وهو دعم الاقتصاد الوطني من خلال شرائها المنتوج الوطني . الدولة هي الاغنى لان بيدها مفاتيح الخزانة المالية وهي الاكبر بين المشترين . كانت مصاريف الحكومة الامريكية ما يقارب 35% من حجم الانتاج عام 2018 , فرنسا 56% , بلجيكا 53%, دنمارك 51% , مصر 30%, روسيا 33% , ايطاليا 49%, و تركيا 35%.لاحظ ان بعض الدول تشكل المصاريف الحكومية نصف الاقتصاد الوطني . اي نصف الطبقة العاملة في البلاد تعمل اجراء عند الحكومة . الدولة المتقدمة تنظر الى الاموال في خزائنها على انها اموال استقطعت من دخول الافراد وارباح الشركات , وعليه من العدل والانصاف ان تشارك مواطنيها بهذه الثروة من خلال شراء منتوجاتهم . في الولايات المتحدة الامريكية لا يستطع اي مكتب اتحادي شراء منتوج اجنبي الا في حالة عدم انتاجه محليا .
بكل اسف , اغلب مصاريف الحكومة العراقية لا ينتفع بها المواطن و الشركات الاهلية وانما الاجنبي لان ببساطة لا توجد صناعات عراقية تستطع الدولة شرائها . الاجور والرواتب التي تدفعها الحكومة الى موظفيها والتي تشكل 70% من مجموع الميزانية لا يستفاد منها الاقتصاد العراقي الا بقدر محدود جدا , لكون ان اغلب البضائع التي تعرض في الاسواق هي اجنبية الصنع .ان وجود صناعة عراقية متخصصة لحاجة الدولة سوف يقلص اعداد العاطلين عن العمل , انتشار الثقافة الصناعية , وحفظ العملات الاجنبية داخل البلد .
كما وان صرف جزء من ميزانية الدولة على المشاريع الاستثمارية هو الاخر يدفع التنمية الاقتصادية الى الامام . قرار الدولة بأنشاء سد مائي لحفظ المياه من الهدر , على سبيل المثال , يحمي الخطة الزراعية , ولكن بنفس الوقت يفتح الطريق امام قطاعات اقتصادية كثيرة وعلى راسها : الاسمنت , الحصى, الرمل , الحديد , عربات النقل , العمال , والمهندسين . وبدورها فان الاجور المدفوعة لهذه الاعمال ستكون دخول لمهن اخرى لا تعد ولا تحصى ومنها الحلاق, البقال, محلات الاثاث, الملابس والاحذية , المطاعم والمولات , وسيارات الاجرة .
وعليه , فان من واجب اي حكومة جديدة في العراق استخدام سياسة نقدية ومالية قادرة على توفير فرص العمل وبنفس الوقت السيطرة على التضخم المالي , ومن اجل الوصول الى هذين الهدفين , على الدولة اصدار القوانين التي تدعم السياسة النقدية والمالية . ان فرض جباية استخدام الطاقة الكهربائية على سبيل المثال بدون شك سوف يقلص الهدر ولكن سوف يدعم ميزانية الدولة ويحول قطاع الكهرباء من قطاع يعتمد على الدولة الى قطاع يدعم الدولة .
وفي هذه المناسبة , على الدولة العراقية او وزارة المالية عدم استخدام سياسات ارتجالية في جمع الضرائب من الاعمال , لان هذه السياسة تؤدي الى نتائج سلبية . ان فرض ضرائب على دخل اصحاب الاعمال بدون دراسة دقيقة قد تؤدي الى تضخم مالي يحترق بناره الغني والفقير .

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية