الصراع الصعب

رياض محمد سعيد
2021 / 8 / 5

قرأت اليوم مقالة قصيرة كتبها احد الاصدقاء المقربين والذين اعرفهم حق المعرفة و اعرف سيرتهم الاجتماعية و كذلك الوظيفية التي تعكس كل فضائل الاخلاق و التميز والسيرة الحسنة و احترام العلم و العلماء و الارتقاء بمكارم الاخلاق وهذه ليست سيرة منفردة بل هي سيرة اتسم بها المجتمع العراقي الذي كانت عوائل مجتمعنا تسعى الى اكتساب الصفات و الخصال الجيدة و الحميدة التي يحملها العراقي ويشهد لها و بها كل من قابل عراقيا في الداخل و الخارج. وكانت المقالة فاتحة لهاجس يتم تداوله ومناقشته كثيرا هذه الايام العسيرة على العراقيين وقد ورد في المقالة ما يلي :
[ سافر ولا تتردد.. انقذ ما تبقى من سنين عمرك المهدور .. سافر وسترى شعوباً غيرنا .. وستفهم معنى الإنسانية والحياة.. ستعرف أننا لسنا أحسن شعوب العالم ولا أعرَقهم، وستكتشف أن بلادك صفراء وليست خضراء..
وستعلم أننا اصبحنا عبئ على البشرية وعلى الحضارة..
وستكتشف أنك تعيش وسط ذهنيات متحجرة و مجتمع يسبح في النفاق و مليء بالتناقضات و الخرافات والخزعبلات والأساطير الخيالية..
عندما تسافر .. ستتأكد أن لا وقت ولا طاقة ولا رغبة للغرب في التآمر علينا.. انما همهم مواردنا الاقتصادية و ثرواتنا الطبيعية واننا نحن من نتآمر على بعضنا بسبب الأنانية و النفاق وتفضيل حب الذات على حساب الغير.
عندما تسافر .. ستستغرب لطف سائق التاكسي والشرطي وعامل المطار أو حتى نادل القهوة. نعم هم يسعون لكسب المال .. لكن بكل جد وإخلاص وليس بالنصب و السرقة و الاحتيال (وإن كانوا لا يخلو) لكن ليسوا بطامعين في نهب مالك أو الرشوة ، ذلك فقط دورهم الحقيقي في الحياة ..
ستتبادل الأقداح مع رجل غريب في مطعم أو مقهى وتتبادل الابتسامات مع امرأة حسناء في الشارع دون أن تنظر إليك على انك مهووس جنسي او أي شكل من الأشكال التي ينظر بها مجتمعنا نحو النساء و الغرباء سينظرون اليك على انك إنسان فقط ولا يهمهم غير ذلك منك طالما كان سلوكك كانسان طبيعي ..
ستتعلم احترام غيرك لتنال احترامه. وستخجل لأشياء كنت تقترفها كبديهيات في وطنك.
سوف تشتاق للأهل والأصدقاء والكثير من الأشياء، لكن تتمنى أن لا تعود يوماً لتواجه الانحرافات من جديد. وإن عدت ، فستكون عائد زائر غريب أو ستكون ميت لا محالة. فلا تلوم من سافر او هاجر وترك وطنه.. فلو كان وطناً وشعباً بحق ما تركه.]
انتهت المقالة
لقد اثارت هذه المقالة في نفسي الكثير من المداخلات و المتناقضات بين التأييد و عدم التأييد فالوطن غالي و السعي لبنائه و تطويره واصلاحه واجب وطني وحتمي على ابناءه ، لكن ان تحاور نفسك وانت في الوقت الضائع فهذا امر لا فائدة منه.
وقد تعجز الكلمات عن وصف المشاعر حين تنوي ان تسافر وانت مقتنع انه الحل الأخير ، وقد انتزع منك غدرا وقسرا تاريخ عشرات السنين وضعت فيها جل عطاءك وتعاونك و اخلاصك وخبراتك وتعبك في التعلم والتعليم والدراسة والتدريب وصنع القرار كل هذا واكثر منه لما كانت علاقاتك واصدقائك واحباءك وزملاءك و اكثر ايضا من ذلك بكثير . كل ذلك تركته خلفك ليعبث به الفاشلون الاغبياء الغدارون ليحرقوا ويمزقوا ويسرقوا كل شيء ثم جلسوا على انقاض ما دمروا مرتدين قمصانا بيضاء وراكبين افخم السيارات محاطين بالحمايات و الأسلحة ضنا منهم ان ارتداء القميص الابيض سيبيض وجوههم الكالحة وقلوبهم السوداء وانهم اصبحوا أناس ذو قيمة حسب معتقداتهم المريضة وفهمهم الاعوج للمسؤولية ...
قطار العمر لا يقف الا في محطات الموت لقد مضى قطار العمر و بدأت محطات الرحيل تستقبل اجيالنا التي اصبحت غير قادرة الا على الفرجة و الالم و الحزن والتندر بينما كنا نسابق الزمن في انجاز اعمالنا لخدمة وطننا و شعبنا .. قالو اهل زمان ان الشباب دوما ما يتحدثون عن المستقبل ، لأن لا ماضٍ لهم ، بينما يتحدث المسنين عن الماضي لأن لم يبق لهم مستقبل كما كان لهم أيام الشباب . من المؤسف ان نرى العراق مدمرا في كل مرافق الحياة والى ما وصل اليه من تخلف في زمن الفاسدين و الفاشلين حتى صار الوطن بهم خلف التخلف بكثير .
لذلك ولتريح نظرك و يهدأ قلبك وتسعد بما اتاحه القدر لك من عيش كريم فالقول الحق هو ... سافر ... سافر لتنعم براحة البال التي فقدتها في ارضك . فالأثاث الفاخر والبناء الحديث والمكيفات والسيارة احدث موديل لن تعوض الألم و الحزن الذي سيصيبك عندما تخرج من بيتك وتقع عينيك على الخراب الشامل في المجتمع العراقي من الشارع الى السوق الى خراب اخلاق الناس و الغدر و فقدان الحس بالأمن . وفوق هذا كله لن تجد الخدمات العامة فقد انتهت ولا امل بعودتها واذا تفاءلنا فأن اقرب تفاؤل حقيقي لأي مشروع خدمي سنجده على ارض الواقع بعد ما لا يقل عن خمس سنوات قادمة وهذا ما لا نملكه مع اقدار الرحمن .. او عليك توفير الخدمات العامة لنفسك بجهودك واموالك الخاصة اذا كنت ميسور الحال .
اذن النصيحة الحق . سافر . وشكرا للكاتب على هذا المقال ... تحياتي .

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية