لا تزدني من الشعرِ بيتاً !

وهيب أيوب
2021 / 8 / 4

كنتُ أتساءل دائماً عن الأسباب التي جعلت العربان يصلون إلى هذا الانحطاط والتقهقر ومن فقدان أي مكانة لهم بين الأمم المتحضّرة، وعدم مساهمتهم بأي شيء يُذكر في الحضارة الراهنة ؟
الأسباب بالتأكيد عديدة، لكنني كنتُ دائماً وما زلت؛ أرى في دور النُخب والمُثقفين ودورهم السلبي؛ أحد أهم تلك الأسباب في الانحطاط والتقهقر، وفي إطالة عمر الحكّام الطغاة وترسيخ الديكتاتورية والاستبداد في المنطقة.
أكثر ما يشتهر به العربان منذ القِدَم؛ هو نظم الشعر وتفريخ الشعراء.
لكن الذي ينظر بإمعان إلى تاريخ هذا الشعر وأولئك الشعراء، سيجد أن أكثر من تسعين بالمائة منهم أو يزيد، هم شعراء بلاط ومرتزقة، مدّاحون ردّاحون للحكام الطغاة، ولم تكن تعنيهم حرّية الشعوب ولا سُبل عيشهم الكريم.
سأتجاوز مرحلة الشعر والشعراء الكبار في القرون السابقة، من المتنبي وأبي تمام والبحتري وسواهم، باستثناء فيلسوف الشعراء المعرّي، الذين انتهجوا صنعة المديح والهجاء في سبيل الارتزاق والمال والجاه.
ولا يجهل الكثيرون كيف أن شاعر العربان الأول المتنبي؛ امتدح كافور الإخشيدي "أبا المسك" بأروع القصائد، ثم انقلب عليه بأقذع قصيدة هجاء عنصرية بعد رفض كافور تلبية طلباته.
أعود لعصرنا الحالي لألاحظ بأن دور الشعر والشعراء لم تتغيّر وظيفته إلا فيما ندر، وكيف ساهم هؤلاء الشعراء الأكثر شهرة، في مدح الطغاة وإطالة أعمارهم وحكمهم الاستبدادي، دون أن يلقوا بالاً لمآسي الناس وفقرهم وقهرهم وإذلالهم.
فلنأخذ نماذج من أهم وأشهر شعراء العصر الحديث، ماذا قالوا:
الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، والذي اعتُبر متنبي عصره، ماذا قال مثلاً في مدح الطاغية حافظ الأسد بقصيدة طويلة:
يا (حافِظَ) العَهْدِ، يا طَلاّعَ أَلْوِيَةٍ
تَناهَبَتْ حَلَباتِ العِزِّ مُسْتَبَقا.
وفي قصيدة أُخرى يقول:
سلاماً أيها الأسدُ سلمتَ وتسلمُ البلدُ
وتسلمُ أُمّةٌ فخرتْ بأنكَ فخرَ مَن تلدُ
وكان قد مدح سابقاً نوري السعيد والملك فيصل الثاني ، ومن بعد، الملك حسين والحسن الثاني ومبارك. هذا متنبي العربان!
نزار قباني: وهو أشهر شعراء العربان على المستوى الشعبي ولا يخفى مدى تأثيره على عامة الناس بل على نُخبها، ماذا يقول في الطاغية حافظ الأسد :
" إن الرئيس حافظ الأسد هو صديق الشجرة والغيمة وسنبلة القمح والحقول والأطفال والغابات، والجداول والعصافير والشعراء وفيروز وعاصي الرحباني. ولو أنّ عصفوراً واحداً سقط أو غمامة واحدة بكت أو سنبلة قمح واحدة انكسرت لحمل إليها حافظ الأسد وعاء المهل ووقف فوق رأسها حتى تشفى "
وفي مقامٍ آخر يقول:
سيادة الرئيس القائد :
" يطيب لي، وأنا موجود على أرض بلادي أن أحيي مواقفكم القومية الشامخة والمتميزة، شكراً لكم، لأنكم حميتم مداخل هذا الوطن وذاكرة هذه الأمة، وشكراً لكم لأنكم موجودون .
في تاريخنا ".
وهناك المزيد مما قاله القباني في مدح طاغية دمشق ومدح ورثاء مؤسّس الديكتاتورية والاستبداد في المنطقة وفي عصرنا الحديث عبد الناصر، ولكن يكفي هذا الآن.
سميح القاسم:
هذا الشاعر الفلسطيني القومجي العروبي، أتى عدّة مرّات إلى الجولان ليُلقي أمسياته الشعرية القومجية الحماسية، ولكن كان في كل مرّة يستهل أمسيته بالحديث عن صداقته الحميمة بالرئيس الطاغية حافظ الأسد ومن بعده ابنه الوريث بشار، ويوم مات الطاغية الأسد الأب رثاه القاسم بقصيدة قال فيها:
يا من فتحتَ على الوضوحِ بصيرةً
شرفاتها المعلومُ والمجهولُ
مثواكَ في قلبِ الترابِ وقلبُنا
هذا الترابُ ووعده المأمولُ
لا دمع نسكبه عليك وإنه
دمُ أمّةٍ حول الضريح يسيلُ
كم وصفه بـ " أسد العروبة "!
على فكرة هناك مرضين خطيرين يحيقان بمثقفي العربان وشعرائهم؛ هما العروبة والإسلام، ولا شفاء منهما!
الشاعر المفكّر أدونيس:
امتدح ثورة الخميني الدينية الطائفية عند قيامها، وأثناء الانتفاضة السورية على الطاغية بشار، وجّه له رسالة وصفه فيها بالرئيس المُنتخب، وهاجم المُنتفضين كونهم خرجوا من المساجد!
هذي فقط نماذج قليلة فقط لأشهر شعراء العربان، دون أن ننسى سعدي يوسف وحجازي وتميم البرغوثي ونزيه أبو عفش وحتى أحمد فؤاد نجم، والباقون ساروا على ذات النهج، إلا فيما ندر.
ما أدهشني من انحطاط المستوى الفكري والإبداعي في الشعر وشعراء العربان؛ أنه يوم قام ذاك الصحافي الموتور المعتوه منتظر الزيدي برمي حذائه على الرئيس الأمريكي بوش، وثبت فيما بعد أنه شبّيح طائفي رخيص، يناصر بشار الأسد، وكان قد حظي هذا الحذاء بمئات قصائد المديح من شعراء بني يعرب الحديثين، والذين أسميتهم يومها بـ " شعراء عصر الحذاء "
إذ صرّح أحد المثقفين العربان أن العرب دخلوا التاريخ مُجدّداً بضربة هذا الحذاء، فكتب يومها حازم صاغية مقالاً مُعلقاً على هذا الحدث، خاتماً بقوله:
إن من يدخل التاريخ بالحذاء؛
بالحذاء يخرج منه!

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية