متى نفهم ؟؟

سلمى الخوري
2021 / 8 / 2

صورة من الذكريات

كانت تلهث وهي تركض بنوع من الخوف والقلق نتيجة التأخر للوصول
الى قاعة الأمتحان في السنة النهائية من المدرسة المتوسطة . وما أن
أجتازت الباب الرئيسي المؤدي الى المدخل ثم الى قاعة الأمتحان والتي
هي أساساً قاعة تتوسط البناية وتحيط جوانبها الأربعة غرفة مديرة
المدرسة والذي باب هذه الغرفة يقع في الممر الرئيسي للبناية ثم غرفة
المدرسات بجانبها ثم يلتف الحائط لتقابل باب المختبرالذي يستخدم
للتجارب العلمية البسيطة وبجانبه الدرج الذي يقود الى الطابق الأول
وعلى الجانب الثاني من الدرج الممر الذي يقود الى الساحة الخلفية
التي تخلد إليها الطالبات للأستراحة واللعب في أوقات الفرص بين
الدروس ، والضلع الثالث من البناية غرفة المكتبة وبجانبها غرفة
للصف الثاني المتوسط ، ثم الضلع الرابع يحتوي صف لطالبات الثالث
المتوسط وملخص الكلام أن هذه المدرسة المتوسطة لم يكن بناءها
مصمم أساساً كمدرسة وإنما بيت له بعض السعة أستأجرته مديرية
التربية والتعليم لتستخدمه كمدرسة متوسطة للبنات .
كان اليوم هو أمتحان طالبات الصف الثالث المتوسط ، وساعة الأمتحان
تبدأ في الساعة الثامنة صباحاً ومادة الأمتحان هي درس الفيزياء ،
ولكون عدد الطالبات في الصفوف مكتظ قياساً لما يجب عليه أن يكون
بشكل يعطي المساحة وحرية الحركة للطالبات ، فعدد الطالبات في
الصف الواحد ما يقارب 45 طالبة وكل ثلاث طالبات يجلسن على
مسطبة واحدة ، وفي الغالب يجدّن صعوبة في فتح كتبهن كثلاثة على
سطح المسطبة ، لذا عمدت الإدارة في الأمتحان لنهاية السنة أن تستغل
مساحة القاعة لتفرق المساطب التي أستعارتها من بقية الصفوف حتى
تؤمن أن لا يحدث فرصة للغش والنقل من بعضهن البعض أثناء الأمتحان .

كنت قلقة على غياب زميلتي في الصف ونحن نستلم الأسئلة وهي لم
تحضر بعد ، وبعد حوالى الربع ساعة لمحتها ونحن في مواجهة المدخل
الرئيسي والمديرة تتحدث إليها ، كانت زميلتي ترتجف وجلاً وكانت تمسح
عرق جبينها بعد أن أزاحت عباءتها عن رأسها ووقفت مديرة المدرسة
أمامها وهي تحدثها بلهجة فيها الحدة والعتاب وهي تقول لها :
- هل تتصورين أننا نلعب ؟؟ ألا تعرفين أنه لا يجوز للطلبة أن يتأخروا
عن موعد الأمتحان ولا دقيقة ، وها قد مضى على توزيع الأسئلة 15
" خمسة عشر دقيقة " وبهذا لا يحق لك دخول القاعة وأستلام الأسئلة .
وكانت مدرسة الفيزياء واقفة بين صفوف الطالبات الممتحنات لمراقبتهن
وأثارها قرار المديرة فأسرعت بخطاها الحثيثة وتقدمت الى بداية القاعة ،
وكلمت المديرة بأسلوب مؤدب ،
- حضرة المديرة أسمحي لطالبتي هذه أن تدخل وتقدم أمتحانها.
ردت عليها المديرة : طلبك غير مقبول والقرار قراري .
- قرارك رسمي ، ولكن لكل قرار له ظروفه وأحكامه وهذه الطالبة لا يمكن
ان تحرم من أمتحانها وتعاقب على تأخرها، وقاطعتها المديرة
- لماذا ؟؟ سألت المديرة بإندهاش ،
- عندما تعرفي السبب سيبطل العجب ، كما يقول المثل .
وأكملت مدرسة الفيزياء كلامها " دعيها تأخذ مكانها بداية وتبدأ أمتحانها
بأخذ الأسئلة ثم أشرح لك ظرفها لتتبيني ما تعانيه هذه التلميذة النشطة .
وأستمرت المديرة بتعندها وأصرارها على قرارها .
ردت عليها المدّرسة
- يا سيدتي مديرة المدرسة ، هل تعلمين أن هذه الطالبة هي من المتقدمات
في الصف بحصولها دائما على نتائج جيدة رغم أنها تعاني من مأساة اليتم،
لقد فقدت والديها من جراء حادثة سير قبل سنتين ، وهي الآن بعمر خمسة
عشر سنة وهي الآن مسؤولة عن إعالة اخوين أثنين لها وأختها وكلهم أصغر
منها سناً ، فهي الأم والأخت والتلميذة النشطة ، فعليها أن تطبخ لهم وتنظف
البيت وتغسل ملابسهم وتراقب تصرفاتهم وسلامتهم ليسيروا في الطريق
الصحيح في هذه الحياة الصعبة فكيف بها أن تتدبر الوقت والمسؤوليات الجسام
الملقاة على كاهلها ؟؟؟؟؟
وأكملت مدّرسة الفيزياء ، ألا تستحق هذه التلميذة أن ينظر لها بشكل خاص
لإعانتها ومساعدتها على هذا العناء والمسؤولية الجسيمة التي تعيشها ،
وألتفتت الى الطالبة موجهة لها الكلام :
- أدخلي أبنتي ولك الموفقية والأمتحان ينتظرك .
و كانت مدّرسة الفيزياء متعجبة لعنجهية المديرة وتخلفها في الحكم على
تلميذة مراهقة يقع على عاتقها مسؤوليات جسام فوق طاقة عمرها ، وهي
لا زالت في طور الدراسة . لماذا لم تأخذ المديرة هذه الطالبة الى غرفة
الإدارة وتحاول أولاً التعرف عن سبب تأخرها عن الإمتحان وتتعرف
الى ظروفها العائلية حتى تحترم مأساتها ، فالحكم والقرار يكون حسبما
يتطلب الحدث من حل يناسبه .
كم نتمنى أن يكون الوعي والسلوك الصحيح هو الذي يحكمنا ، لا الجهل
والعنجهية التي نحياها في مجتمعاتنا الشرقية .

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي