في الحاجة إلى مركزية مضادة

راتب شعبو
2021 / 8 / 1

الحقيقة التي نتعثر بها دائماً ولا نرغب برؤيتها، هي أن العمل السياسي المنظم للنضال ضد سلطات مستبدة وشديدة المركزية، يحتاج إلى تنظيمات سياسية شديدة المركزية بدورها.
نظرة سريعة إلى الواقع السوري اليوم، بعد الصراع الدامي الذي قُدمت فيه تضحيات هائلة، تظهر أن القوى الوحيدة التي ثبتت على الأرض وحازت على مكاسب فعليه، هي القوى الشديدة المركزية والتي يحوز مركز القرار فيها على سلطة لا تُنازع، فيما تهمشت أو تلاشت القوى التي قامت على أساس ديموقراطي داخلي، وخلت من سلطة مركزية راسخة وقادرة على ضبط الجسد التنظيمي.
لم يقطف السوريون ثمرة مفيدة من بروز القوى الشديدة المركزية التي واجهت نظام الأسد وتمكنت في المرحلة التي تلت الثورة السورية، السبب هو أن هذه القوى استبدلت السياسة بالجغرافيا، فبدلاً من أن تتصارع على أرض واحدة وتحد، على نحو متبادل، من احتكار السلطة، استقلت كل منها على أرض، وحافظت كل منها على سلطتها المحتكرة. أي إن النظام الأسدي (المحتكر الأول) اشترى استمرار احتكاره للسلطة بالتخلي عن أجزاء من الأرض السورية ارتضتها السلطات المستجدة وأقامت كل منها "دولتها" عليها. هكذا تحول الصراع السوري إلى صراع خارجي، أي صراع بين سلطات لكل منها مجال جغرافي مستقل عن الأخرى، بشكل جعل الصراع نفسه مستقل عن البعد الديموقراطي.
المفارقة التي نشير إليها تقول إن التنظيم الذي يحترم المبدأ الديموقراطي في ظروف نضال ضد سلطة مستبدة وراسخة، غالباً ما ينتهي إلى الفشل، نظراً إلى هشاشة مثل هذا التنظيم أمام صلابة "تنظيم" السلطة المستبدة. هكذا يبدو أن النضال لكسر احتكار سلطة يحتاج إلى سلطة مضادة مُحتَكَرة. على هذا يبدو كما لو أن النضال الديموقراطي يحتاج إلى تنظيم ديكتاتوري، أو أن الاستبداد يواجه باستبداد مضاد. وهو ما يثير حيرة وسخط المتطلعين إلى الخلاص من الاستبداد السياسي المزمن في بلدانهم، فمن الطبيعي أن هؤلاء لا يتقبلون أي سلوك ديكتاتوري في تنظيمات تقول إنها تواجه الديكتاتورية، في الوقت الذي تتطلب فيه مجريات النضال الفعلي، تنظيمات مركزية و"احتكار" للتمثيل، أي يتطلب نوعاً من الديكتاتورية التنظيمية. الثائرون ضد سلطة مستبدة يريدون تنظيم نضالهم بآليات ديموقراطية يؤمنون بها، ويتطلعون، في الوقت نفسه، إلى الفاعلية والتأثير في مواجهة السلطة المستبدة. والحقيقة أن في هذا جمعاً لما لا يجمع. فاعلية التنظيم تحتاج إلى سلطة مركزية حاسمة.
الحيازة على سلطة مركزية حاسمة لا يأتي بقرار. لكي يحوز مركز ما على سلطة حاسمة لا تُنازع، ولكي يحتكر التمثيل، لا يكفيه التوافق الطوعي على سلطته (إذا سلمنا بإمكانية مثل هذا الرضا العام الذي تعكسه أكثرية انتخابية مثلاً)، فهذا التوافق يبقى عرضة للعرقلة وللاهتزاز والتفتت مع تقلب الظروف والمعطيات في النضال السياسي، ويبقى تحت ضغط النزوعات الشخصية المتباينة أو الميول الزعامية المنافسة ... الخ. يحتاج المركز السياسي المسيطر وصاحب القرار إلى ما هو أهم من التوافق، إنه يحتاج إلى وسائل جذب وردع. ينطبق هذا على التشكيلات الكبرى (دول مستبدة) كما على التشكيلات الأقل تعقيداً (جماعة أو حزب سياسي). بكلام آخر، النضال السياسي ضد سلطات مستبدة (أي شديدة المركزية ولا تعترف بحقوق الآخرين) يحتاج، لكي يستطيع التأثير، إلى سلطة تمثل الحقوق المسلوبة ولكنها مشابهة في المركزية. يصح هذا أكثر كلما كانت السلطة التي يجري النضال ضدها أكثر استبداداً. إذا صح ما سبق، فإنه يدل على صعوبة بالغة، فمن أين لتنظيم "معارض" أن يحوز على التماسك التنظيمي المطلوب؟ والأهم، هل يمكن لتنظيم "ديكتاتوري" أن يكون وسيلة ديموقراطية، وأن يبقى وفياً للحقوق المسلوبة التي يمثلها؟
خلال العقد المنصرم، كانت المعارضة السورية متعددة العناوين، على طول الخط، في حين بقي لنظام الأسد عنوان واحد. أي كان النظام بمركزية ثابتة (هناك مركز قادر على إدارة وحسم صراعات المراكز الأخرى داخل النظام)، فيما كانت التنظيمات المعارضة متعددة المراكز، الأمر الذي يتضمن التنافر والصراع الخفي أو المعلن بين هذه المراكز، وهو ما كشفته شهادات كثير من الفاعلين في مختلف مؤسسات المعارضة.
يمكن النظر إلى تعددية المعارضة على أنها ملمح ديموقراطي، وهذا صحيح، إلا أنه من الصحيح أيضاً أن هذا الملمح كان من أسباب ضعف أداء المعارضة وتشتت قوتها، أو بكلمة أخرى كان من أسباب الفشل. وبالمعنى نفسه، كانت القوى التي تحمل راية الديموقراطية، تعاني من مشكلة داخلية أساسها التوتر بين الفكرة الديموقراطية (المبادئ الديموقراطية) وبين المهمة الديموقراطية (كسر احتكار السلطة السياسية). الأولى تدفع إلى إعلاء واحترام المبادئ الديموقراطية داخل وخارج التنظيم، والثانية تدفع إلى تقوية الذات في مواجهة السلطة المستبدة. تقوية الذات تتطلب، كما بينت التجربة السورية، تجميد الفكرة الديموقراطية لصالح مركزية شديدة وحاسمة. غير أن المركزية التي تقوم على الثقة أو التفويض الواسع تبقى، /ع ذلك، أضعف من المركزية التي تقوم على الجمع بين القسر والترغيب، ذلك حين يكون لدى المركز المخول وسائل ترغيب وترهيب.
في السلطة الأسدية كان هناك دائماً الإغراء الذي توفره الامتيازات ويوفره الفساد، وكان هناك القسر الذي توفره أجهزة الأمن أو الجيش عند الضرورة.
يتفكك لغز المفارقة المذكورة بين المهمة والوسيلة، المهمة الديموقراطية والوسيلة الديكتاتورية، إذا لاحظنا ضرورة التمييز بين مرحلتين: مرحلة كسر احتكار السلطة ومرحلة التأسيس الديموقراطي. المرحلة الأولى تحتاج إلى تنظيم مركزي مسنود شعبياً (هذا بحد ذاته تحد كبير، ويصبح أكبر كلما طال أمد النضال، ذلك أن الجمهور الثائر ضد الاستبداد سوف يرفض المركزية الشديدة في التنظيم)، والمرحلة الثانية تحتاج إلى توافق القوى وتعدد المراكز والاحتكام المشترك إلى نظام إدارة سياسية يشمل الجميع (وهذا أيضاُ تحد آخر، ذلك أن انكسار السلطة المستبدة يمكن أن يفجر صراعات جديدة على السلطة، ما يضع المجتمع أمام احتمال بروز قوة قادرة على الحسم، وذات شعبية منشؤها رغبة الخلاص من الفوضى، وبالتالي أمام احتمال استبداد جديد، أو الدخول في مرحلة صراعات مدمرة طويلة كما شهدنا في اليمن وليبيا).
الخلط بين المرحلتين المذكورتين، يعيق عملية تفكيك احتكار السلطة. ولكن السؤال الصعب هو كيف يمكن الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، بكلام آخر، كيف يمكن كسر مركزية السلطة التي استطاعت كسر مركزية سلطة النظام المستبد؟

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا