وسوسات التحدي الكبير

أحمد جدعان الشايب
2021 / 7 / 31

ماتزال تسكن قبوا كالقبر، وحيدة في غالب أيامها ولياليها، أخوها الذي بقي من أسرتها يعيش معها، يمتشق الفجر قاصدا لقمة العيش، أخوتها الكبار بنوا بيوتا، وخلفوا أولادا، ورحل الأب والأم، تاركين العش بما فيه يتداعى أمام مصير مجهول.
الرطوبة حفرت أخاديدا في الجدران، لاتستطيع أن تفرش حصيرة قش أو بساط في أرض القبو، فهو ينزّ طيلة أشهر الشتاء، وعيون سقفه الرمداء تقطر دمعا وقذا، منفردة ترتق لياليها بصباحاتها، إلا من زائرة قريبة حنونة، تتذكرها بقفة تين أو مرطبان زيتون، أو ما تجود أرضها من خير.
بعد أن تنهي أعمالها اليومية من كشط المياه المتجمعة إثر نزيزها الليلي وقت المطر، وإكمال ما تبقى من أعمال كالطبخ وتجفيف حصيرة النايلون في شمس الشارع وهوائه، تنزوي في ركن من غرفتها كقط مهمل كل يوم منذ سنين.
هزّت دماغها فاستعادت ما يشحن صدرها بقلق يزيد من ضربات قلبها فيرفع ضغطها، وتتلاحق أنفاسها، ويبدو أنها لن تنسى تلك الذكريات، كأن صحراء نقسها الشاسعة صارت تكشف مصيرها المجهول شيئا فشيئا, كانت تعيش حياتها ككل البنات قبل سن العشرين، ترى مستقبلها بعيون فرحة، وباهتمام تستقبل أيامها المقبلة، لتعيش الحالة الرومانسية بحب وأمل. ذلك الشاب الذي أنشأ معها علاقة إعجاب ومحبة، أبعدوه عنها بطريقة قمعية فجة، كان يكفي زوجة أخيها أن تقول لزوجها، ( أختك تتحدث بالتلفون مع شاب تحبه)، يكفيها أن تداوره قليلا لتقنعه، فهو يثق بكلام زوجته ولا يثق بأخته، التي صارت جريمتها أنها أحبت، والجريمة الأقسى، أن شابا غريبا يحبها ويعدها بالزواج بعد إنهاء خدمته العسكرية.
تعفّن يشكله قهر مستمر في تلافيف المجتمع، وغبن لايصحو له ضمير، عبارات أخوتها حين اجتمعوا بها في القبو، تسحق النفس، وتخجل الحجر، تأنيب وتصغير وتحقير.
أحست أنها أقل من أية فتاة في الدنيا، وأقل من قيمة أي شيء، غسلوا دماغها وخطوا عليه سطورا معتمة: ( أنت لاشيء.. لاشيء أبدا.. إياك أن تظني أنك ككل البنات.. تبحثين عن فضيحة ليعيّرنا بها الناس مدى العمر.. ألم تنظري في المرآة؟.. انظري .. شوفي شكلك.. عجيب.. كيف لاتعرفين شكلك وهيئتك وقيمتك؟.. هل هو أعمى لكي يحبك؟.. هه.. إنه يتسلى بك فقط).
قالت لهم بكلمات دامعة: ( علاقتي به بريئة.. ويريد أن يخطبني ويتزوجني).
أقسمت لهم أيمانا أنها لم تلتق به إلا مرتين، ومع عدد من نساء قريباتهم، وهنّ اللواتي شجعنها على الاقتراب منه، فهو معجب بأخلاقها وأدبها وحسن حديثها.
انفجر أحدهم يقذف بكلامه في وجهها، ويتناثر زبد فمه على وجهها، أقفل كفه وهيأها متقدما نحوها، وهي تقعي كجدي هزيل هده المرض. ليس بيدها فعل شيء، إلا تنكيس رأسها وسكوتها. لكمها لكمتين على وجهها، وصرخ: ( مادام يريدك.. لماذا لايأتي ويطلبك.. هاه؟.. لماذا؟).
إحدى فتحتي أنفها بكت دما ورديا، واختفت عينها اليمنى تحت جفن سميك مزرقّ، تورم وتعضل، كما تورمت لثتها واختلط دمها بخيط يسيل من أنفها، وقف اخوها الأصغر الذي يعيش معها في القبو التعيس، بينه وبينها، وبهدوء قال: ( صلوا ع النبي ياجماعة.. لم كل هذا؟.. الشاب لايزال في الجيش، ولايستطيع الزواج إلا بعد أن ينتهي منها.
ولكي يبعدها عن هجومات أخيه المنفعل جهلا وتخلفا، أمسك بأخته وأخرجها إلى غرفته قائلا: ( لماذا نكره من يحب أختنا؟.. لماذا نحرم أختنا من حقها؟.. ألا تريدون أن تكون سعيدة بزواجها؟.. دعوها تختار وتتحمل مسؤوليتها.. ماذا سيحدث؟ ).
أخذ قطعة قماش طبي، أدخل مزقة صغيرة في فتحة أنفها النازفة، لتمتص النزف، مسح وجهها بالماء، وطيب نفسها بعد أن أغلق الباب. وصوت هدير أخيها الغاضب مازال يلطم أذنيها:
( أنا سأعرف كيف أتصرف مع العاشق ابن ال..... سأجعله يكره النساء.. بنات الناس ليست لعبة بيديه).
قال آخر: ( اقطعوا الهاتف.. افصلوه.. لا أحد يحتاجه هنا.. ولا تخرج من البيت إلا مع نسائنا).
عاد إليها وعيها في الغرفة الثانية، أصوات أولاد أخوتها تعلو، والضجيج يرتفع، بعضهم يبكي وآخر يضحك على بكائه، لكنها تركتهم يلعبون بحرية بعيدا عنها. وسوست لنفسها:
( لماذا يفرض علي هذا الحبس الانفرادي؟.. من السبب؟.. زوجة أخي وزعت عشرات من بطاقات الدعوة هذه الليلة.. لحضور عرس أخيها.. صحيح هو طلبني عدة مرات للزواج.. وأنا لم أرفضه كرها فيه.. ولكن لأني أحس بقلبي يميل لآخر.. ماذا أفعل لقلبي الذي أحب؟.. ولن أتزوج إلا من أحبني وأحببته.. روحي متعلقة به).
كانت تشكر ربها دوما، لأنها ستعيش مع من تحب، تقف أمام المرآة، تتحدث مع خيالها، تتغزل
بصورتها، وبحبيبها، كأن من تحبه يحمل ذات ملامحها، تراه في صورتها، وترى نفسها فيه، ترى وجهها مشرقا، جذابا، صبوحا، تنط خفيفة، وتخطو رشيقة، وتنساب برقة، تتحدث بجرأة وجدية وثقة، حديثه معها بالهاتف، غناء طروب، ولم يتجاوز بكلماته حدود اللباقة والأدب ولا مرة واحدة، حديث أب عطوف وأم حنونة، كان رحمة لها ، كان ملاكها.
كل هذا تبخر منذ ست سنوات، حين انتقمت منها زوجة أخيها لأول مرة، أوغرت صدر زوجها، عبأته غيظا وحنقا عليها، جعلته كتلة تشتعل، تقول وتعيد، أختك ستفضحنا، أختك يجب إيقافها عند حدها، صارت حديث الناس ، والناس يتصيدون سقطات بعضهم، أختك داست على كرامتكم، تتسلى ولاتريد الزواج، لو كانت تطلب السترة، كانت قبلت بأخي، لايهمها أحد.
ست سنوات لم تسمع صوت من أحبته، ولم تسمع عنه أي شيء، هددوه لينسى ماكان. حدثت نفسها: ( قد يكون وجد بديلة وتزوجها.. أو أسر أو فقد في معركة خاسرة، وقد يكون على حاله، ينتظرني.. لكنهم هددوه وتوعدوه فابتعد).
أحست أنها تائهة في غربة تفقد الحياة، مفازة ممتدة في ليل موحش، فكرت بالتخلص من مأساتها العالقة بها ( أهون علي موتي مرة واحدة .. من أن أموت كل يوم ألف مرة).
اغتال أهلها حلمها الوحيد، حطموا فرحتها وسعادتها، تساءلت بأسى ومرارة: ( لماذا لا يريدونني فتاة تحب؟.. لماذا يريدونني فتاة تكره؟.. ولماذا يكرهون ويعاقبون من أحببته وأحبني؟.. ترى لو قالت زوجة أخي لزوجها.. إن أحد الشباب يكره أختك كرها شديدا.. فهل يفرح ويسرّ أم ينزعج؟.. ولماذا نفرح حين نعرف أن جميع الناس يحبوننا؟.. وما الفرق بين هذا الحب وغيره من الحب؟.. أليس جميعه ينشد السعادة والطمأنينة والأمان؟ ).
أحست أن زوجة أخيها تنتقم منها هذه الليلة أيضا، وشعرت أنها في الحضيض بين النساء، لم تبق امرأة واحدة في الحي من غير دعوة إلا هي، وزعت دعوات على القريبات والبعيدات لحضور حفل زفاف أخيها، أهملتها حتى من كلمة أو اعتذار، لم ترد لها أن تخرج من زنزانتها القاتلة، لتبتهج حين ترى الفرحة على وجوه المدعوات، قالت لها: ( اليوم عندنا أجمل فرح في البلد.. حجزنا الصالة الكبرى من أسبوع.. سنترك الأولاد عندك لكي لا يزعجوا الناس أو يعكروا ترتيبات الفرح).
لم ترد بأية كلمة، غليان مفاجى اجتاح جسدها بعد أن خرجت زوجة أخيها صافقة الباب خلفها. خواء وفراغ يشمل الأشياء من حولها، أحست بهبوط أحشائها داخل جلدها، تفتتت نفسها كأشلاء جثة مضى عليها زمن، شيء ما داخله، أطلق صيحة متمردة: ( من المسؤول عن حالتي هذه؟).
جدار ينهار ويتحول إلى ركام متهالك، لم تشعر بحاجتها لتلفزيون يسليها أو أغنية تنتشلها من هواجسها السوداء. صار كل ماحولها شديد الحلكة والقتامة، وبقيت مستسلمة لحطامها.
الساعات تمر كدهر يسلبها عمرها، يكسر جليد الصمت أزيز صرصار تسمعه دويا، وتحار من أين يأتيها من اليمين أم اليسار ام الخلف، كأنه صدى، بعد أن استتب الصمت في غرفة الأولاد، وتجاوز الوقت نصف ليلتها، إثر مجّ كؤوسها الحنظلية، ألقت برأسها على كفها وغابت في تصوراتها المقتولة، لزفاف وُئد منذ سنين، كانت هي بطلته مع من اختار فؤادها من رجال.
فرح الليلة بح الحناجر، غناء وزغاريد وفرح وضيافة. كل نساء الحي يمارسن حقهن إلا هي، بقيت في وحدتها تسمع طنين السكون، وصدى تبكيت النفس، أحست أنها تعيش في عزلة لايؤانسها إلا القهر والإذلال، لافرق بينها وبين جثة في جب.
مرة ثانية هزت دماغها، تنبهت، دارت عيناها في حدقتيهما بسرعة، كأنها تبحث عن شيء نذكرته، نظرت إلى ساعة الجدار، وقفزت نحو أشيائها الخاصة.
أخذت بطاقتها الشخصية، ومبلغا بسيطا من النقود، كانت قد وفرته من بقية معاش أبيها المتوفي. فتحت الخزانة، وأخذت حقيبة صغيرة، تأكدت من وجود بعض الملابس فيها، وأسرعت إلى القلم والورقة على الطاولة، كتبت: ( أخي العزيز.. أنا في حلب .. أرجوكم لاتبحثوا عني.. لأني سأعرف كيف أتدبر أموري.. وأعرف كيف أعيش بكرامة وحرية.. وسأبلغك بمكان وجودي فيما بعد.. أختك ). وضعت الورقة في جيب سترته المعلقة، أخذت حقيبتها وخرجت بهدوء.
وهي تمشي وحيدة في الشارع، أحست أنها تنشقت أول نسائم حريتها، وانبعث في نفسها أمل كبير، فقد تجد من أحبته يوما ما. قررت أن تبحث عن عمل تعيش منه في أي ورشة أو معمل، وقفت على الرصيف، أشارت لسيارة تحمل في داخلها عددا من المسافرين، قفزت إلى داخلها، ومضت حيث شعرت بسعادة وثقة، وابتلعها الليل إلى الأبد.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب