كتاب سد النهضة

تاج السر عثمان
2021 / 7 / 31

سد النهضة واشتداد حدة الصراع علي الموارد
الخرطوم : أبريل 2021

المحتويات :
1- الاتفاقيات السابقة لمياه النيل
2- إعلان المبادئ.
3- اتفاقية عنتيبي
4- فكرة التخطيط للسد وتمويله
5- سباق التسلح والتلويح بالحرب
6- مخطط اسرائيل للاستيلاء علي منابع النيل
7- الخلاصة وموقف السودان التفاوضي.

تقديم :
كُتب الكثير عن سد النهضة من جوانبه الفنية والمتخصصة التي تابعناها منذ أن نبعت فكرة السد والصراع الذي دار حوله حتى أصبح أمرا واقعا ، لكن هذه الدراسة تسلط الضوء علي سد النهضة وعلاقته بالصراع حول الموارد ، والاستقطاب الدولي والتنافس حول الوجود الاقليمي والدولي في منطقة القرن الإفريقي، كما هو الحال في وجود دول الخليج (السعودية الأمارات ، قطر)، مصر، اسرائيل ، تركيا ، امريكا والبنك الدولي، فرنسا ، روسيا ، الصين ، الهند . الخ لآهمية هذه المنطقة الاستراتيجية، والصراع لنهب موارد افريقيا الزراعية والحيوانية والمعدنية والنفطية والمائية ، وبرز هذا في تمويل سد النهضة كما أوضحت الدراسة.
تناولت الدراسة تطور سد النهضة والصراع حول الموارد في النقاط التالية :
الاتفاقيات السابقة لمياه النيل والصراع الذي دار حولها من دول المنبع، وتجاوزها كما في اتفاقية إعلان المبادئ واتفاقية عنتيبي ، وفكرة التخطيط للسد وتمويله ، سباق التسلح والتلويح بالحرب ، مخطط اسرائيل للاستيلاء علي منابع النيل، و الخلاصة وموقف السودان التفاوضي.
وأخيرا ، نأمل أن تثير هذه الدراسة المزيد من المناقشة وتناوله من جوانبة المختلفة ، لمصلحة دول المنبع والمصب، والتوزيع العادل والاتفاقات الملزمة لمياه النيل بما لا يضر بمشاريعها الزراعية والعمرانية ومنشآتها المائية .
تاج السر عثمان .

(1)
الاتفاقيات السابقة لمياه النيل
لا يمكن تناول سد النهضة بمعزل عن اشتداد حدة الصراع السياسي والاقتصادي والطبقي علي المحلي والاقليمي والدولي علي الموارد ( الزراعية والحيوانية ،الأراضي الخصبة، مياه النيل ، المعادن.الخ) والذي تصاعدت وتائره بعد الأزمة العامة للرأسمالية التي انفجرت في العام 2008 ، والتي تفاقمت مع جائحة "كرونا" ، كما نشهده الآن في الصراع بين مراكز الرأسمالية العالمية ، وبينها والصين وروسيا ، واشتداد حدة سباق التسلح ، والمزيد من بناء القواعد العسكرية، كما في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
هذا اضافة لتسارع الأحداث علي حدود السودان مع اثيوبيا ، بسبب النزاع علي الفشقة وملف سد النهضة، واحتمال نشوب الحرب في حال فشل الاتفاق حول الملء الثاني للسد ، وموقع السودان علي البحر الأحمر ، واشتداد حدة الصراع لنهب موارده المائية والزراعية وأراضيه الخصبة ، والمعدنية ، والمستجدات لقيام قاعدة عسكرية روسية وأخري امريكية علي البحر الأحمر ،اضافة للتطبيع مع الكيان العنصري الصهيوني ا"سرائيل"، واهتمام تركيا بجزيرة سواكن، اضافة لضرورة مواصلة الثورة حت تحقيق أهدافها ، وقيام علاقات خارجية متوازنة بعيدا عن الأحلاف العسكرية (حلف اليمن ، الافروكوم، والغاء القواعد العسكرية، ورفض الاملاءات الخارجية من دول الخليج " الإمارات، السعودية،الخ ومراجعة كل الاتفاقات حول منح ملايين الأفدنة التي تصل الي 99 سنة).

لم تكن مياه النيل بمعزل عن المصالح الدولية في فترة الاستعمار القديم بقيادة بريطانيا ، التي قسمت مياه النيل في غياب شعوب ومصالح دول المنبع وبعض دول المصب بما يخدم مشاريعها الزراعية (كما في القطن كمحصول نقدي) والتي كانت تسيطر مباشرة أو عير مباشرة علي يوغندة والسودان ومصر، فنجد مثلا أنها في الفترة (1891 - 1959) أنجزت الاتفاقات الآتية :
- اتفاق في العام 1891 مع ايطاليا التي كانت تحتل اريتريا علي عدم قيام أي منشأت تؤثر علي انسياب نهر النيل.
- المعاهدة مع اثيوبيا ( التي تعارضها الحكومة الاثيوبية حاليا) في العام 1902 التي تم فيها ترسيم الحدود مع اثيوبيا ، والاخطار المسبق قبل الشروع في أي مشروع يؤثر انسياب مياه النيل، علما بأن اثيوبيا تقع فيها بحيرة " تانا" التي ينبع منها النيل الأزرق الذي يشكل الرافد الكبير من مياه النيل( حوالي 80% من مياه النيل).
- الاتفاق مع الكونغو عام 1906 علي عدم قيام أي سدود علي نهر سمليكي الرافد للنيل والذي ينبع مع بحيرة ادوارد الي بحيرة البرت التي نبع منها نيل البرت أوبحر الجبل، الذي يلتقي مع نيل فكتوريا أو بحر الغزال ليشكل النيل الأبيض، اضافة لاتفاق العام 1934 الذي وقعته بريطانيا في غياب تنزانيا مع بلجيكا التي كانت تحتل روندا وبورندي حول استخدام أي من الدولتين لنهر كاجيرا ونهر كاجيرا يعتبر البداية الفعلية للنيل.
- اتفاقة العام 1906 مع فرنسا وايطاليا التي كرّست في بعض بنودها مصالح بريطانيا في انسياب مياه النيل، وجاءت اتفاقية 1925 لتكرّس مصالح بريطانيا في السودان ومصر بالتعهد بعدم قيام أي منشآت أو سدود تؤثر تقلل من مياه النيل.
- اتفاقية العام 1929 التي وقعها الانجليز في غياب شعب السودان مع الحكومة المصرية التي منحت السودان 4 مليار متر مكعب من مياه النيل ،مقابل منح مصر 48 مليار متر مكعب، اضافة لعدم قيام مشاريع زراعية للري أو غيرها تخفض من حصة مصر من مياه النيل.
- اتفاقية نوفمبرالعام 1959 التي وقعت في القاهرة بين مصر والسودان التي منحت مصر 55.5 مليار متر مكعب، ومنحت السودان 18.5مليار متر مربع ، علما بأن السودان لم يستخدمها كلها بسبب غياب المشاريع الكافية لاستخدامها.
نتوقف عند اتفاقية 1959 التي تسببت في أزمة مفاوضات " سد النهضة" بين مصر واثيوبيا في أبريل 2018 ، وباعتبارها أول اتفاقية بعد استقلال جمهوريتي مصر والسودان ، وحدث فيها تعديل لاتفاقية 1929 التي تم توقيعها تحت الاحتلال البريطاني، مع الإبقاء علي جوهرها ، فما هي أهم بنودها : أخذت في الاعتبار المتغيرات الجديدة التي أهمها قيام السد العالي ومشروعات أعالي النيل لزيادة ايرادات النهر واقامة عدد من الخزانات في اسوان ، وتم الموافقة علي قيام السد العالي ، وخزان الروصيرص علي النيل الأزرق ، وما يتطبله من استخدام السودان لحصته من مياه النيل.
من الملاحظات أن الاتفاقية بالنسبة للسودان تمت في غياب شعب السودان الذي حكمه نظام عسكري ديكتاتوري برئاسة الفريق عبود ، الذي فرط في جزء عزيز من الوطن ( اغراق مدينة حلفا وكنوزها الأثرية) مقابل ثمن بخس، اضافة للقسمة الضيزي لمياه النيل التي نالت فيها مصر نصيب الأسد ، وتم تجاهل حصص دول المنبع أودول روافد النيل الأزرق والنيل الأبيض ، بحر الغزال، نهر عطبرة ( اثيوبيا ، يوغندا، بورندي، تنزانيا ، الكونغوالديمقراطية ، رواندا، كينيا ، اريتريا " كانت جزء من اثيوبيا قبل انفصالها"، جنوب السودان " قبل انفصاله")، التي بدأ ت تتحرك لأخذ نصيبها من مياه النيل ، مما قاد للأزمة الحالية لسد النهضة، مما يتطلب مراعاة مصالح كل هذه الدول في مياه النيل.


كما هو معلوم أعلنت أثيوبيا رسميا عن مشروع سد النهضة في 31 مارس 2011 ، وفي 2 أبريل وضع ملس زيناوي رئيس الوزراء حجر الأساس للمشروع ، اعترضت مصر علي بناء السد ، حيث أنه سيقلل من كمية حصتها من مياه النيل التي كما أشارت أنها تحصل علي 90% من احتياجاتها المائية عبر النيل، وأنها سوف تفقد من 11 الي 19 مليار متر مكعب من المياه سنويا ، وستسبب في خسارة مليون مزارع دخلهم خلال الفترة المحددة لملء الخزان.
وبعد وصول نسبة أعمال بناء السد الي نسبة 79% تصاعدت الأزمة المعروفة مع مصر والسودان.
أنجزت اثيوبيا الملء الأول للسد في 15 يوليو 2020 ، وأعلنت أنها سوف تمضي قدما في عملية الملء الثاني ، ويكلف السد أكثر من 4 مليار دولار ، وهو أكبر مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا .
استمرت جولات المفاوضات لأكثر من عشر سنوات ، التي انتهت بانهيار الجولة الأخيرة في الكونغو(كنشاسا) ، والقت مصر والسودان اللوم علي تعنت اثيوبيا التي تري أنه تم سلب دول المنبع حقها في المياه لصالح دولتي المصب (السودان، ومصر).


(2)
إعلان المبادئ

كان من المحطات المهمة، في تجاوز الاتفاقات السابقة التي تمت في غياب دول المنبع ، وفي المفاوضات حول "سد النهضة" بين السودان ومصر واثيوبيا التوصل الي اتفاق ، عرُف ب "إعلان المبادي" الذي تمّ التوقيع عليه في 23 مارس 2015 من رؤساء الدول الثلاث لمصر والسودان واثيوبيا ( عبد الفتاح السيسي ، عمر البشير ،هيلا ماريم ديسلين، علي التوالي).
رغم أن "اعلان المبادئ" لم يشمل كل دول المنبع ، الا أنه أعطي الضؤء الأخضر لاثيوبيا في المضي قدما في تنفيذ السد ، فقد ركز الإعلان علي الجوانب الفنية ، أمان السد ، مراعاة ظروف وأوضاع كل دولة، والتنمية والاستخدام المنصف ، التعاون في الملء الأول ،واحتياج كل دولة من مياه النيل وغير ذلك من النقاط التي تمّت صياغتها في الإعلان في 10 مبادي نوجزها في الآتي:
أولا - مبدأ التعاون علي أساس التفاهم ، المنفعة المشتركة ، حسن النوايا ، المكاسب للجميع ، مبادئ القانون الدولي، التعاون في تفهم الاحتيادات المائية لدول المنبع والمصب بمختلف مناحيها.
ثانيا - مبدأ التنمية ، التكامل الاقليمي والاستدامة الذي أشار الي أن هدف السد توليد الطاقة ، والتعاون والتكامل الاقليمي لتوليد طاقة نظيفة ومستدامة يعتمد عليها.
ثالثا- عدم التسبب في ضرر ذي شأن ، وفي حالة الضرر، وفي غياب اتفاق حول هذا الفعل ، اتخاذ كافة الإجراءات المناسبة بالتنسيق مع الدولة المتضررة لتخفيف أو منع هذا الضرر، ومناقشة مسألة التعويض كلما كان ذلك مناسباً.
رابعا- الاستخدام المنصف والمناسب الذي يراعي علي سبيل المثال لا الحصر: العناصر الجغرافية ، الجغرافية المائية، والمائية، والمناخية، والبيئية وباقى العناصر ذات الصفة الطبيعية؛ الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لدول الحوض المعنية؛ والسكان الذين يعتمدون علي الموارد المائية في كل دولة من دول الحوض؛ وتأثيرات استخدامات الموارد المائية فى إحدى دول الحوض على دول الحوض الأخرى؛والاستخدامات الحالية والمحتملة للموارد المائية؛ و عوامل الحفاظ والحماية والتنمية واقتصاديات استخدام الموارد المائية، وتكلفة الإجراءات المتخذة في هذا الشأن؛ومدي توفر البدائل، ذات القيمة المقارنة، لاستخدام مخطط أو محدد؛ ومدي مساهمة كل دولة من دول الحوض في نظام نهر النيل؛ وامتداد وتسبة مساحة الحوض داخل إقليم كل دولة من دول الحوض.
خامسا- مبد التعاون في الملء الأول وإدارة السد، بالاتفاق علي الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول لسد النهضة والتي ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد، وقواعد التشغيل السنوي
لسد النهضة، والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت لآخر، واخطار دولتي المصب بأية ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد، وقيام آلية مناسبة لضمان استمرارية التعاون والتنسيق حول تشغيل سد النهضة.
سادسا - مبدأ الثقة ، باعطاء دول المصب الاولوية في شراء الطاقة المولدة من سد النهضة.
سابعا - مبدأ تبادل المعلومات والبيانات ، بهدف اجراء الدراسات المشتركة للجنة الخبراء الوطنيين، وذلك بروح حسن النية وفي التوقيت الملائم.
ثامنا - مبدأ أمان السد ،باستكمال و بتنفيذ اثيوبيا بحسن نية للتوصيات الخاصة بأمان السد الواردة في تقرير لجنة الخبراء الدولية.
تاسعا- مبدأ السيادة ووحدة اقليم الدولة ، بهدف تحقيق الاستخدام الأمثل والحماية المناسبة للنهر.
عاشرا- مبدأ التسوية السلمية للمنازعات بالتشاور أو التفاوض وفقا لمبدأ حسن النوايا. وإذا لم تنجح
الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول/رئيس الحكومة.

تباينت المواقف حول "إعلان المبادئ" ، كما أشرنا سابقا ، فان اثيوبيا استندت علي هذا الاتفاق باعتباره كان ضوءا أخضرلاتمام ملء سد النهضة بدون الرجوع إلى كل من القاهرة والخرطوم، رغم فشل جميع المفاوضات وآخرها تلك التي عقدت في كينشاسا (عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية).
كما انتقدت المعارضة المصرية الرئيس عبد الفتاح السيسي لتوقيعه علي اتفاق اعتبرته إهدارا لحقوق مصر التاريخية في نهر النيل ، فقد كان من المفترض عدم الاقرار بالسد إلا بعد الحصول على الضمانات الكافية بعدم وجود ضرر على مصر، والاقرار بالحقوق التاريخية لمصر في المياه، ومشاركة مصر في إدارة السد ، وتحديد سعة الخزان وكيقية الملء بما لا يرتب ضررًا على مصر، والزام اثيوبيا بتنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية.
بينما دافع مؤيدون للسيسي بأن الاتفاق يخلو من أي صفة شرعية تدعيها إثيوبيا أو إهدار لحقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل.
أما المخلوع عمر البشير ونظامه الديكتاتوي الفاشي، فقد فرط في مصالح السودان، بتمرير "اعلان المبادئ " دون الوصول لاتفاق ملزم لضمان وزيادة نسبة المياه للسودان لمواجهة التوسع في مشاريعه الزراعية والعمرانية ، ومراجعة نسبة تقاسم المياه في اتفاقية 1959 المجحف للسودان، اضافة لمد السودان بالكهرباء ،فاعلان المبادئ في البند السادس تحدث عن اعطاء الاولوية لدول المصب ، ولكن الاعلان ليس اتفاقا ملزما، فضلا عن تفريط نظام البشير في "الفشقة " علي الحدود السودانية – الاثيوبية ، بعد التدخل في شؤون اثيوبيا بعد محاولة مقتل الرئيس المصري حسني مبارك ، والتفريط في حلايب وشلاتين التي احتلها المصريون بعد حادثة محاولة الاغتيال، والتفريط في السيادة الوطنية عموما ، بالتورط في حلف اليمن، وعمل اتفاق مبدئي مع الروس لقيام قاعدة لحماية نظامه المتهالك، اضافة للمشاركة في قوات الافريكوم ، والتفريط في جنوب السودان، مما أدي لانفصاله.
هذا اضافة كما لاحظ بعض المحللين، لتنصل اثيوبيا من " إعلان المبادئ" الذي لم يكن ملزما ، كما في تصريحاتها بأن سلطاتها مطلقة في إدارة وتشغيل وملء سد النهضة باعتباره في أرض إثيوبية، وتم تشييده بأموال وطنية خالصة، وأن لأديس أبابا سيادة مطلقة على نهر النيل الأزرق الذي يجري في إقليمها .علما بأن اتفاق المبادئ أكد علي عدم الاضرار بالغير.اضافة لعدم التزامها بما ورد في الإعلان من ضرورة السعي بحسن النية وإرادة سياسية للتوصل للاتفاق النهائي.
اضافة لاستغلال اثيوبيا الظروف الموضوعية غير المواتية التي واجهتها مصر اثناء ثورة 25 يناير 2011 ، حتى وضعت اثيوبيا دولتي السودان ومصر أمام الأمر الواقع ، وقام السد، مما حدا بالبعض للقول بأن مصر دخلت مفاوضات فاشلة نتيجتها معروفة.، كما اتهم البعض اسرائيل وأمريكا بوقوفهما الي الجانب الاثيوبي ، مما شجعها للتشد والتعنت .
وأخيرا، كما هو واضح ، رغم التوقيع علي " إعلان المبادئ"، فقد استمر الخلاف الذي انفجر بعد شروع اثيوبيا في استكمال السد الذي اصبح أمرا واقعا ، ومعترفا به مصريًّا ودوليًّا، واستمر التفاوض كما هو جاري الآن ، بما في ذلك الضغوط علي اثيوبيا، والتهديد بالحرب.


( 3)
اتفاقية عنتيبي

أشرنا سابقا الي أن سد النهضة أصبح أمرا واقعا ، ساعد في ذلك الظروف الموضوعية التي مرت بها مصر خلال ثورة 25 يناير 2011 ، وضعف نظام البشير المتهالك الذي فرّط في حقوق السودان التاريخية في مياه النيل ، وفي منطقة الفشقة التي احتلها الاثيوبيون ، وتغير موازين القوي العالمية لمصلحة اثيوبيا ، بالدعم غير المعلن في البداية من امريكا واسرائيل لاثيوبيا مما حفزها للتشدد للمضي قدما في بناء السد ، اضافة للتوقيع علي " إعلان المبادئ".
لكن ، رغم التوقيع علي " إعلان المبادئ"، فقد استمر الخلاف الذي انفجر بعد شروع اثيوبيا في استكمال السد والملء الثاني له بما في ذلك التهديد بالتدويل، واللجوء لمجلس الأمن، واستمر التفاوض كما هو جاري الآن ، بما في ذلك الضغوط علي اثيوبيا، والتهديد بالحرب.
هذا اضافة لرفض دول المنبع للاتفاقات التي أشرنا لها سابقا التي تمت في ظل الاستعمار القديم في غيابها ، وعدم ضمان مصالحها، كما جري في اتفاقية " عنتيبي" التي سبقت "إعلان المبادئ".

معلوم أنه في مايو 2010 ، تم توقيع "اتفاقية عنتيبي"، بين 4 دول من حوض نهر النيل، في مدينة عنتيبي الأوغندية، على اتفاقية إطارية في غياب دولتي المصب مصر والسودان، حيث وقّع ممثلو إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا بالأحرف الأولى على الاتفاق بعد مفاوضات استمرت حوالي 10 سنوات بين الدول التسع التي يمر عبرها النهر من أجل تقاسم أفضل لمياهه، بينما أصدرت كينيا بيان تأييد للاتفاقية دون التوقيع ولم يحضر مندوبو الكونغو الديمقراطية وبوروندي، حسب شبكة "بي بي سي" الإخبارية، وكذلك ساندت دولة جنوب السودان بعد استقلالها الاتفاقية، بينما اعترضت دولتا المصب مصر والسودان علي "اتفاقية عنتيبي" لأنها تنهي ما يسمى بالحصص التاريخية لمصر والسودان في مياه النيل. كما تبنت "اتفاقية عنتيبي" كل المبادئ التي وردت في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997.

تتكون "اتفاقية عنتيبي" من ثلاثة عشر بابا ، أكدت علي : الحوار، المبادئ العامة مثل: (النظام ، التعاون، التنمية المستدامة. الخ)، الانتفاع المنصف والمعقول ، الالتزام بعدم التسبب في الضرر الجسيم، الحماية والمحافظة علي حوض النيل، تبادل المعلومات والبيانات، الخطوات التخطيطية، تقييم الأثر البيئي والحسابات، حماية وتطوير حوض النيل، الوقاية، حالات الطوارئ في حالة الضرر الجسيم، حماية حوض النيل في حالة النزاعات، أهم الابواب الباب الرابع الذي أشار الي الآتي :
- الانتفاع المنصف والمعقول، وأن دول مبادرة حوض النيل تنتفع انتفاعا منصفا ومعقولاً من موارد مياه المنظومة المائية لنهر النيل، على وجه الخصوص الموارد المائية التي يمكن تطويرها بواسطة دول مبادرة حوض النيل وفق رؤية لانتفاع معقول، آخذين في الاعتبار دول المبادرة بما فيها المخاوف حول حماية الموارد المائية وكل دولة من دول المبادرة لها حق الانتفاع من الموارد المائية للمنظومة المائية لنهر النيل.
. - ضمان الاستخدام المنصف والمعقول لموارد المنظومة المائية لنهر النيل ودول المبادرة تأخذ في اعتبارها الظروف المتعلقة بالموارد بما فيها محدوديتها جغرافيا وهيدريولوجيا وبيئياً وكل العوامل الطبيعية المتعلقة بذلك.
- الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية التي تهم دول المبادرة.
- السكان المعتمدون على الموارد المائية في كل دولة من دول المبادرة.
- التأثيرات على استخدامات الموارد المائية في الدولة والدول الأخرى من دول المبادرة.
بما فيها الاستخدامات المتوقعة للموارد المائية.
- الحوار والحماية والتنمية والاستخدام الاقتصادي للموارد المائية والتكلفة من الخطوات التي تتخذ في التأثيرات.
. توافر البدائل لاستخدام معين مزمع أو قائم.
مساهمة كل دول من دول المبادرة في مياه المنظومة المائية لنهر النيل امتدادات منطقة الحماية داخل حدود كل دولة من دول المبادرة.
بالإشارة إلى الفقرة الأولى والثانية عاليه مخاوف أي دولة من دول المبادرة تبحث بروح التعاون عندما تكون هناك حاجة لذلك.
وزن كل عامل من العوامل يؤخذ بعد مقارنته مع العوامل الأخرى بما يؤدى للاستخدام المنصف والمعقول على أن تجتمع كل العوامل للوصول لأسس على أساسها جميعا.
دول مبادرة حوض النيل يتعين عليها داخل حدودها ووفقاً لمنظومتها القانونية الحفاظ على الاستخدام المستدام للمياه في ظل الظروف المحيطة.
دول مبادرة النيل عليها مراقبة قوانين وقواعد مفوضية نهر النيل المؤثرة على الاستخدام المنصف والمعقول.
- أما الباب الخامس فقد أشار الي : الالتزام بعدم التسبب في ضرر جسيم، وأن دول المبادرة تستخدم الموارد المائية لمنظومة نهر النيل داخل أراضيها آخذة في الاعتبار عدم تسبيب الأضرار الجسيمة لدول الحوض الأخرى، وفي حالة إحداث دولة من دول المبادرة لضرر كبير بدول أخرى من دول المبادرة وفى غياب الاتفاق على هذا الاستخدام عليها اتخاذ جميع التدابير اللازمة آخذة في الاعتبار الأحكام الواردة في المادة 4 وذلك بالتشاور مع الدولة المتضررة من أجل إزالة الضرر أو تخفيفه وعند الاقتضاء مناقشة التعويض.
أما الباب الثاني عشر فقد أشار الي حالات الطوارئ التي تعني الحالة التي تسبب، أو تشكل تهديدًا وشيكًا أو تتسبب، في ضرر جسيم لدول حوض النيل، أو دول أخرى، وتنتج فجأة عن أسباب طبيعية، مثل الفيضانات والانهيارات الأرضية أو الزلازل، أو من سلوك الإنسان، مثل الحوادث الصناعية.
. لا يجوز للدولة في حوض النيل، الإبطاء في إخطار الدول الأخرى التي يحتمل أن تتأثر وإنما عليها الإسراع بكل السبل المتاحة بإخطار المنظمات الدولية المختصة بكل حالة طوارئ تنشأ في أراضيها.
على الدولة التي ينشأ داخل أراضيها طارئ التعاون مع الدول التي من المحتمل أن تتأثر به ومع المنظمات الدولية المختصة عند الاقتضاء وتتخذ على الفور التدابير العملية التي تقتضيها هذه الظروف لمنع وتخفيف الآثار الضارة لها عند حودث حالة الطوارئ عند الضرورة ويجب على دول حوض النيل الاشتراك في خطط الطوارئ لمواجهة الحالة الطارئة عند الاقتضاء كما عليها التعاون مع الدول الأخرى التي من المحتمل أن تتأثر والمنظمات الدولية المختصة.
كما أشار الباب الثالث عشر الي حماية حوض النيل والمنشآت ذات الصلة في حالة النزاعات لمنظومة
نهر النيل والمنشآت ذات الصلة، والمرافق وغيرها من الأعمال، وكذلك المنشآت التي تحوى قوى خطرة في حوض نهر النيل حق التمتع بالحماية.

كانت "اتفاقية عنتيبي" نقطة تحول مهمة في صراع دول المنبع للتوزيع المنصف والعادل لمياه النيل قبل " إعلان المبادئ" ،وفتحت الطريق لقيام سد النهضة وأدت الي :
- بناء سد النهضة في اثيوبيا بعد أن أجازها البرلمان الاثيوبي ، وتجاوز اتفاق تقاسم مياه النيل1929 بين مصر وبريطانيا ، والذي تمت مراجعته في العام 1959 الذي منح مصر حصة قدرها 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويًا بينما يبلغ نصيب السودان 18.5 مليار متر مكعب من مياه النيل البالغة 84 مليار متر مكعب سنويًا، أي أن البلدين يحصلان على حوالي 87% من مياه النهر.
–وضح أن اسرائيل ليست داعمة فقط لسد النهضة، بل أعلنت تركيب منظومة دفاع صاروخية لحماية سد النهضة، وفشلت كل الوساطات المصرية مع إسرائيل لوقف هذه الخطوة، مما يجعل من الصعب أن يقوم بأي خطوة من شأنها التورط في صدام عسكري قد يهدد وجوده.
- أشار حلمي شعراوي مدير مركز البحوث العربية والإفريقية إلى جانب آخر مهم ، يتمثل في سعي البنك الدولي إلى فرض تسعير للمياه بما من شأنه الإضرار بمصر، منتقدا فشل القاهرة في اتخاذ مواقف وسطية أو تصالحية في الأحداث التي تجري في منطقة القرن الإفريقي (موقع الخليج ، 16 مايو 2010) .
- فتح الاتفاق الطريق لقيام حرب مياه حقيقية منتظرة في المنطقة، فضلا عن نشاط الكيان الصهيوني في بناء سدود في اثيوبيا التي ينبع منها قرابة 87% من مياه النيل. ( الخليج 16 مايو 2010). .
وخلاصة الأمر كان التوقيع علي "اتفاقية عنتيبي" وبعدها " إعلان المبادئ" نقطة تحول مهمة في ميزان القوي لصالح دول المنبع ، وتتويجا لمطالبها بمراجعة اتفاقات تقاسم مياه النيل بين مصر والسودان ( 1929، 1959)، اضافة للدعم المالي والفني والعسكري لقيام سد النهضة من اسرائيل وأمريكا ، والدول الاوربية والخليجية والصين. الج ، مما جعل من سد النهضة أمرا واقعا.

(4)
فكرة التخطيط للسد وتمويله
فكرة التخطيط لسد التهضة ليست جديدة، فقد كانت في جدول أعمال أمريكا منذ النصف الأول من ستينيات القرن الماضي ، وهي الفترة التي شهدت الحرب الباردة بين امريكا والاتحاد السوفيتي السابق ، ونهوض حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والثورة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر الذي طرح التوسع في الصناعة الوطنية المستقلة وتوفير الطاقة بقيام السد العالي الذي وافق البنك الدولي علي تمويله في البداية ، لكن بضغط عليه من الولايات المتحدة سحب تمويله ، مما اضطر مصر للاستعانة بالاتحاد السوفيتي الذي كانت له خبرة في بناء السدود، وقام السد بمساعدة الاتحاد السوفيتي ، اضافة لتوجه مصر للتسلح من الكتلة الشرقية، كما في صفقة السلاح الشهيرة من تشيكوسلوفاكيا، وكان للسد العالي آثار ضارة علي السودان، حيث تمّ إغراق مدينة حلفا وكنوزها الأثرية، وتهجير الالاف من النوبيين خارج مناطقهم، فضلا عن عدم مد السودان بالكهرباء اللازمة منه، واذا كان الأمر كذلك مع مصر ، فكيف يضمن السودان طاقة كهربائية من سد النهضة، لا سيما أنه لم يصل لاتفاق ملزم لمد السودان بالكهرباء، ف"اعلان المبادئ" كان عاما وغير ملزم.هذا اضافة لتغلغل اسرائيل في اثيوبيا وبقية دول المنبع "يوغندة، كينيا، بورندي.الخ)، وتشاد ، ودعم المتمردين في جنوب السودان حتى تم استقلاله، منذ بداية خمسينيات القرن الماضي، بهدف السيطرة علي مياه النيل، والاستثمارات الزراعية والمعدنية في تلك البلدان الغنية بكنوزها من الذهب والماس واليورانيوم ، وفك الحصار عنها في المنطقة العربية.
مع قيام السد العالي فكرت الولايات المتحدة في قيام سد النهضة ، بهدف محاصرة مصر والضغط عليها بحرب المياه، لتصفية الثورة المصرية ، واستبدال التنمية المستقلة بأخري تابعة ، وتفكيك القطاع العام أو الخصخصة.
لم يتم العمل في سد النهضة بشفافية ، فقد اتخذ اسماء مختلفة ،منذ تصميمه سرا من مكتب الاستصلاح الأمريكي لوزارة الداخلية الأمريكية خلال الفترة ( 1956- 1964) تحت اسم " المشروع اكس" ، وتغير اسمه الي "سد الألفية" ، وأخيرا الي " سد النهضة"، ولم تعلن اثيوبيا عن السد الا قبل شهر واحد من وضع حجر الأساس، بعد اجراء مسحين آخرين لموقع التنفيذ في أكتوبر 2009 ، ثم في الفترة بين يوليو وأغسطس 2010 ، قبل أن تنتهي من التصميم في نوفمبر2010 قبل انطلاق ثورات الربيع العربى بأسابيع قليلة ، وشرعت فى التنفيذ عقب ثورة يناير ورحيل نظام مبارك عن الحكم.
في البداية واثناء فترة شدة الخلاف قبل "اتفاقية عنتيبي"، و"إعلان المبادئ"، اعتمدت اثيوبيا علي التمويل ذاتيا ، ولم تعلن عن التمويل الخارجي ، والذي ظهر في تكلفته التي تجاوزت 4 مليار دولار، وظهرت أسماء الممولين للعلن لأول مرة عام 2011، وفرها الشركاء بهدف تسريع التشييد وتشغيله فعليا عام 2022.

عملية بناء سد النهضة حسب ما معلن تستغرق 8 سنوات، يبدأ التشغيل الأولي للسد في ديسمبر 2020 وسرّعت أديس أبابا التشغيل بالإعلان مؤخرا عن تشغيله ، يبلغ ارتفاعه نحو 145 مترا، وطوله نحو 1800.
تكلفة الإنشاء تُقدر ب 4.7 مليار دولار، ويعد أكبر سد للطاقة الكهرومائية في إفريقيا، والعاشر عالميا، وسعة التخزين 74 مليار متر مكعب، ما يعادل الحصة السنوية لكل من مصر والسودان، ويتضمن 15 وحدة لإنتاج الكهرباء، ومن المتوقع أن ينتج 6 آلاف ميجا وات من الطاقة الكهربائية ، والافتتاح في 2022 (موقع فيتو : 5 مارس 2020)..
وتشير تقديرات نقلتها “فرانس برس” إلى أن أعمال السد التي بدأت في أبريل 2011، واكتملت بنسبة 65٪، ومن الممكن أن يتسبب في إغراق نحو نصف مليون فدان، وتهجير نحو 30 ألف إثيوبي من سكان منطقة السد.
تريد اثيوبيا تحديد تدفق المياه نحو مصر ب 35 مليار متر مكعب ، فيما تريد مصر تدفق 40 مليار متر مكعب للحفاظ على منسوب المياه في السد العالي من التراجع إلى أقل من 165 مترا، ودخلت التفاوض بهدف وضع خارطة زمنية لملء الخزان تتضمن السماح للمياه بالتدفق إلى دول المصب فى سنوات الجفاف.

مصادر التمويل:
كانت مسألة التمويل حاسمة في قيام السد ، وما كان ممكنا لسد النهضة أن يصبح واقعا بدون التخطيط الأمريكي المبكر له ، والتمويل لبنائه من الشركات الايطالية والفرنسية ، أمريكا ، إسرائيل، السعودية ، الإمارات ، والصين.
ويمكن تحديد الشركات والدول الممولة لسد النهضة في الآتي:-
- إيطاليا التي تُعد أحد المساهمين في مشروع السد، وذلك من خلال شركة ساليني إمبراليجيو المختصة بتشييد السدود، وهي التي تقوم على بنائه منذ عام 2011 ( العربي الجديد : 24 أكتوبر 2019).
- شركة "رافيل" الإسرائيلية المتخصصة في الصناعات الدفاعية، والتي تعاقدت معها الحكومة الإثيوبية لتزويدها بمنظومة الصواريخ الدفاعية Spyder-MR لتأمين السد، والمنطقة المحيطة به من أي هجمات جوية أو صاروخية. وبخلاف "رافيل"، فإن إثيوبيا تعاقدت مع شركات إسرائيلية في مجالات قواعد البيانات والاتصالات، بغرض تأسيس الشبكات الخاصة بالسد.
- شركات متعددة الجنسيات تعاقدت معها الحكومة الاثيوبية متخصصة في مجالات مثل : الاستشارات الهندسية ونقل وتوريد مواد البناء، والتي انتقلت غالبيتها من ليبيا جراء تدهور الأوضاع الأمنية هناك، وتضم بين ملاكها رجال أعمال مصريين.
- مجموعة شركات "العامودي" المملوكة لرجل الأعمال السعودي من أصول إثيوبية، محمد حسين العمودي، والذي كانت تُقدر ثروته في عام 2015 بنحو 13.5 مليار دولار، وهو واحد من رجال الأعمال الذين ألقى ولي العهد، محمد بن سلمان، القبض عليهم لابتزازهم، من خلال احتجازهم لفترة في واقعة فندق "ريتز كارلتون" الشهيرة.
ايضا أمدّ اثنان من مصانع الإسمنت المملوكة للعامودي في إثيوبيا، بينهما مصنع "ميدروك"، شركة ساليني الإيطالية، بكافة الكميات المستخدمة في عمليات بناء السد، بينما تم توقيع عقود مع شركات وسيطة مملوكة له لتقديم الخدمات اللوجستية للمشروع، في وقت أعلن عن تبرعه بنحو 80 مليون دولار لاستخدامها في تشييد السد عام 2015.
- السعودية التي تتجاوز حجم استثماراتها الحالية في إثيوبيا 5.2 مليارات دولار، تستحوذ الاستثمارات الزراعية نسبة 30 في المائة منها، وتحتل السعودية حاليا المرتبة الثالثة من حيث الاستثمار في أديس أبابا، في ظل تطلعات لزيادة المشروعات السعودية من خلال حوافز عدة طرحتها إثيوبيا للمستثمرين السعوديين، من بينها الإعفاء الجمركي، وتوصيل الكهرباء، وإلغاء الازدواج الضريبي، في حين قدم الصندوق السعودي للتنمية تمويلات وقروضاً ميسرة لمشروعات لها صلة غير مباشرة بسد النهضة، تحت مسمى استنهاض التنمية في ريف إثيوبيا.
- الاستثمارات الإماراتية التي بلغت حوالي 3 مليارات دولار في إثيوبيا، وتتركز في السياحة والضيافة ( راجع موقع الإمارات : 24 أكتوبر 2019)، كما قدمت ابوظبي مساعدات مالية دولارية أسهمت في عمليات بناء السد علاوة علي تعهدها العام الماضي بتقديم ما اجماله ثلاثة مليارات دولار في شكل مساعدات واستثمارات إلى إثيوبيا، دعماً لرئيس الوزراء الإثيوبي الحائز جائزة نوبل للسلام قبل أيام قليلة.
- شركات مجموعة "فويز هايدور شنغاي" الصينية التي تعاقدت معها الحكومة الاثيوبية، والتي يقع مقرها الرئيسي في ألمانيا، لتركيب وتشغيل 6 مولدات توربينية في السد، بقيمة 78 مليون دولار، فضلاً عن شركة "سينوهيدرو" الصينية للهندسة والإنشاءات الكهربائية، من أجل تسريع الأعمال المدنية في جسم السد.
- الصين التي تأتي ضمن الدول المساهمة فى بناء سد النهضة وتعد شريكا أساسيا في بناء السد منذ عام 2013، حيث وقعت شركة الطاقة الكهربائية الإثيوبية مع شركة المعدات والتكنولوجية المحدودة الصينية، اتفاقية لإقراض أديس أبابا ما يعادل مليار دولار أمريكي؛ من أجل بناء مشروع خط نقل الطاقة الكهربائية لمشروع سد النهضة، بالإضافة إلى الخبرات البشرية التي تشارك بها بكين، أيضا قام بنك الصين الصناعي باقراض إثيوبيا 500 مليون دولار في عام 2010؛ من أجل إعداد الدراسات للسد في بدايته لتصبح أكبر دولة مشاركة في بناء السد ( للمزيد من التفاصيل ، راجع موقع فيتو 5 مارس 2020). .
– البنك الدولي رغم نفيه أكثر من مرة دعمه لهذا السد، إلا أن السفير محمد إدريس سفير مصر بإثيوبيا خلال عام 2013، أكد أن البنك الدولي هو الممول الرئيسي للسد، نافيًا أن يكون لإسرائيل أي دور قوي من ناحية التمويل، وحسب تقدير البنك الدولي أن السد هو المشروع الأهم لإثيوبيا ، ويقول إن أكثر من نصف شعبها (البالغ 100 مليون نسمة) محرومون من الكهرباء، بينما يتوقع أن يضيف السد 6.4 جيجاواط إلى طاقتها المولدة.
- تركيا وقطر أيضًا ضمن قائمة الدول الممولة لسد النهضة من خلال مشروع استثماري زراعي ضخم، تموله الدوحة وأنقرة لزراعة مليون ومائتي ألف فدان في منطقة السد، ومع انطلاق المفاوضات برعاية أمريكية سارع الرئيس التركى رجب طيب أردوغان للتحرك فى هذا الملف.
– شركات “ألستوم” الفرنسية التي تقوم على أعمال التوربينات والمولدات والمعدات الكهروميكانيكية، وكذلك مجموعة الهندسة الميكانيكية الألمانية “فويث” التي تم الاتفاق معها على توريد توربينات.
وعلى الرغم من أن صحيفة روسية متخصصة في شؤون السلاح نشرت أخيراً تقريراً عن حصول مصر على أسلحة تمكنها من تحطيم منشآت خرسانية، وتم تداول التقرير في موقع “روسيا اليوم” التابع للحكومة الروسية فقط ومنعت وسائل الإعلام المصرية من تداوله، بحسب مصدر إعلامي مصري مطلع، إلا أن هناك أسباباً مختلفة تمنع القاهرة من القيام بأي عمل عسكري مباشر، تظرا كما سردنا أعلاه هناك العديد من الدول القريبة سياسياً لمصر تملك مصالح مباشرة في إنشاء سد النهضة وتعمل شركاتها بالمشروع، فضلاً عن توفير فوائد استثمارية لها مستقبلاً، وعلى رأسها الإمارات والسعودية وإسرائيل والصين وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وحتى الولايات المتحدة. ولا يرغب نظام السيسي في فقد دعم جميع هذه الدول التي يحاول كسب ثقتها لتعويض مشاكل نظامه داخلياً، كما أن العواصم الكبري ترى أن الشعب الإثيوبي له الحق في التنمية بعد عقود من إهدار مقوماته وموارده. ويرد الإثيوبيون على المقترحات المصرية في الأوساط الغربية بأنها قد تؤدي إلى إفشال المشروع بالكامل.
خلاصة الأمر كان سد النهضة نتاجا لتخطيط أمريكي قديم ، مدعوم كما وضحنا أعلاه من البنك الدولي وايطاليا وفرنسا، واسرائيل ودول الخليج "السعودية، الإمارات"، الصين ، مما أدي لتغيير موازين القوي لصالح اثيوبيا في قيام السد ، واصبح الخلاف بين مصر واثيوبيا علي الملء الثاني وعدد سنوات ملء السد، كما عبر السد عن تنافس مراكز الصراع الرأسمالي العالمي والخليجي والاسرائيلي للتواجد في اثيوبيا، سواء بالاستثمار في اثيوبيا ، وفي بيع الأسلحة، وفي الصراع علي الموارد الذي اشتد بعد تفاقم أزمة الرأسمالية بعد جائحة "كورونا"، وفي التواجد في منطقة القرن الأفريقي التي تعتبر منطقة استراتيجة مهمة في الصراع الدولي علي مناطق النفوذ.

(5)
سباق التسلح والتلويح بالحرب
كان وما زال الصراع علي الماء الصالح للشرب والري والكلأ سببا رئيسيا في الحروب، لا سيما في الظروف الراهنة ، مع اشتداد أزمة الرأسمالية العالمية، وتدميرها للبيئة، وزيادة الانبعاث الحراري، والقطع الجائر للغابات ، مما أدي للتصحر، كما تضافرت عوامل زادت من قيمة الماء مثل : قلة تساقط الأمطار ، وارتفاع الحرارة في العالم خلال العقد الأخير مما يتسبب في تبخر المياه، ثم ارتفاع نسبة السكان. وأضحى الماء عنصرا رئيسيا في مفهوم الأمن القومي لكل دولة ، كما في مثال مصر في الوقت الراهن بعدما أصبح سد النهضة الإثيوبي الكبير مصدر تهديد لسكانها الذين يتجاوز عددهم 100 مليون نسمة.
هذا اضافة لدور الدول الرأسمالية " أمريكا، فرنسا، روسيا. الخ" في عمل صفقات أسلحة بمليارات الدولارات ، لنهب موارد الدول المتصارعة في المنطقة بالصرف الكبير علي التسلح العسكري، مما يؤدي في النهاية لأغراقها في الديون، وفرض الاملاءات عليها في حالة العجز عن السداد ، ونهب مواردها الزراعية والنفطية والمعدنية ومياه النيل العذبة ، وفرض القواعد العسكرية علي اراضيها.
كما تلعب اسرائيل دورا كبيرا في المخططات الأمريكية في المنطقة، ويتجلي الدور الإسرائيلي في ملفّ سد النهضة في الآتي :
- التصريحات التي أدلى بها المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية "دينا مفتي"، قال فيها إن بلاده من الممكن أن تبيع الطاقة الكهربائية والمياه الفائضة عن حاجتها لأي طرف - بما في ذلك "إسرائيل" - وهو ما ألقى مزيداً من الضوء على نيات تل أبيب في هذا الصدد.
- وقعت كلّ من تل أبيب وأديس أبابا سابقاً عدة اتفاقيات لإقامة مشاريع نهرية في بحيرة تانا على النيل الأزرق ما بين العامين 1990 و1996، في سياق سعي "إسرائيل" للحصول على حصة من مياه النيل. وكان ذلك واضحاً بشكل أكبر خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أديس أبابا في العام 2016، إذ قال بوضوح إن "إسرائيل" ستساعد إثيوبيا في تحسين وزيادة حصتها من مياه النيل وستدعم قطاعها الزراعي.
- كما تعد حاجة " اسرائيل" للمياه من نقاط ضعفها ، إذ حاولت مراراً الضغط على الحكومات المصرية لتنفيذ مشاريع لنقل مياه النيل إلى الأراضي الفلسطينية عبر سيناء، ووقعت في العام 2002 اتفاقاً لم ينفذ مع تركيا لاستيراد مياه الشرب، وبالتالي بات وجود تل أبيب في ملف سد النهضة ومشاركة شركات إسرائيلية في التجهيز للمشاريع المستقبلية لتصدير الطاقة الكهربائية من إثيوبيا إلى كينيا وجنوب السودان أمراً متوقعاً بالنظر إلى ما تقدم ( الميادين نت 13 /4/ 2021).
هذا اضافة لتصريحات المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية "دينا مفتي" إلى قناة الجزيرة القطرية التي قال فيها إن "من حق إثيوبيا بيع المياه الفائضة عن حاجتها بعد الملء الثّاني لخزان سد النهضة"، مما يشير لمخطط اثيوبيا لبيع الماء ، كما في مخطط اسرائيل والبنك الدولي".
مع تزايد حدة الصراع حول سد النهضة بين مصر والسودان واثيوبيا والتهديد بشن الحرب من مصر ، تصاعد النشاط العسكري الذي تجلت مظاهره في الآتي :
- المناورات العسكرية لمصر مع السودان التي تحمل "رسائل ردع على المدى البعيد" لإثيوبيا، فقد انطلقت المناورات في نوفمبر2020 ، تحت مسمى "نسور النيل1″، في قاعدة جوية بمنطقة مروي (في الولاية الشمالية للسودان) ، وتشمل التخطيط للعمليات القتالية وإدارتها، إضافة إلى قيام مجموعات كوماندوز بمهام البحث والإنقاذ، في حين ظهرت لأول مرة مقاتلات "Mig-29M" المصرية المجهزة بصواريخ قتال جوي ( الجزيرة: 8/11/2020).
وجاءت هذه المناورات في ظروف تشهد مفاوضات سد النهضة الإثيوبي تعثرا منذ انطلاقها في السنوات الأخيرة، وخاصة مع اقتراب موعد الملء الثاني للسد الذي تتخوف منه مصر والسودان، وتداعياته السلبية على حصة كل منهما من مياه النيل، في الوقت نفسه تعاني اثيوبيا حربا أهلية بين الحكومة المركزية في أديس أبابا واقليم تيغراي.
وكما سبق أن وجهت إثيوبيا أواخر 2016 اتهامات للقاهرة بـ"دعم جماعات مسلحة وتدريب عناصر إرهابية على خلفية أحداث عنف شهدها إقليم أورومو"، وهو ما نفته الخارجية المصرية آنذاك، بالتالي ، لا نستبعد الضربة العسكرية المصرية لسد النهضة اذا وصلت المحادثات لطريق مسدود، واصبح الأمر بالنسبة لمصر مسألة حياة أو موت.
من الأمثلة علي سباق التسلح والصرف الضخم عليه علي حساب التنمية وتوفير احتياجات المواطنين الأساسية في التعليم والصحة وخدمات المياه والكهرباء وغيرها ، تكدس الأسلحة في كل من مصر واثيوبيا ، الذي يوضح ميل توازن القوي العسكرية لصالح مصر، كما في الآتي:
- تبلغ ميزانية الدفاع لمصر 10 مليارات دولار مقابل 520 مليون دولار فقط ميزانية الدفاع الإثيوبية، مما يوضح الفاوق الكبير لصالح مصر.
- عدد أفراد الجيش المصري يصل إلى 930 ألف جندي بينهم 450 ألف جندي فاعل و480 ألف جندي في قوات الاحتياط، بينما يبلغ مجمل عدد أفراد الجيش الإثيوبي 162 ألف جندي.
- من حيث القوي الجوية يمتلك الجيش المصري 1053 طائرة حربية متنوعة، بينها 250 مقاتلة، و88 طائرة هجومية، و59 طائرة شحن عسكري، إضافة إلى 341 طائرة تدريب، و11 طائرة لتنفيذ مهام خاصة إضافة 304 مروحية عسكرية منها 91 مروحية هجومية في تفوق واضح وكبير على الجيش الإثيوبي الذي يمتلك 92 طائرة حربية فقط، منها 24 مقاتلة و9 طائرات شحن عسكري و26 طائرة تدريب و33 مروحية عسكرية منها 8 مروحيات هجومية فقط، كما تتفوق مصر بامتلاكها 83 مطاراصالحا للخدمة مقابل 57 مطارا صالحا للخدمة لدي اثيوبيا، ومن الأمثلة للمقاتلات التي تمتلكها مصر المقاتلات الأمريكية ف 16 ، و"رافال" الفرنسية التي اقتنتها مؤخرا (للمزيد من التفاصيل : راجع الشرق الأوسط : 8 أبريل 2021).
- من جانب سلاح الدبابات يمتلك الجيش المصري قوي ضاربة في هذا الجانب بأكثر من 3735 دبابة و11000 مدرعة و1165 مدفع ذاتي الحركة وأكثر من 2200 مدفع ميداني، إضافة إلى 1235 راجمة صواريخ في تفوق كبير وهائل في هذا الجانب على نظيره الإثيوبي الذي يمتلك 365 دبابة فقط و130 مدرعة و65 مدفع ذاتي الحركة و480 مدفع ميداني، إضافة إلى 180 راجمة صواريخ.
- هذا اضافة الي أن مستوي التطور التكنولوجي والحداثة في صالح جيش مصر الذي يمتلك العديد من المقاتلات والدبابات الحديثة وغيرها من المعدات المتطورة (الشرق الأوسط: 8 أبريل 2021)..
كما يمتلك الجيش المصري مؤسسات اقتصادية تقوم بتصنيع المعدات العسكرية والمدنية، مما أدي لبروز طبقة رأسمالية طفيلية عسكرية تحرف الجيش عن أداء مهامه في الدفاع عن الوطن.، فضلا عن غياب الشفافية في إدارة هذه المؤسسات التي لها آثارها السلبية علي الوطن.
كما أن التسلح العسكري المصري لاسيما خلال العشرين سنة الأخيرة هو للدفاع عن البلاد من أي غزو محتمل على شاكلة ما حصل للعراق سنة 2003 وبالتالي لا تتوفر مصر على أسلحة تسمح لها بشن هجمات خارج حدودها بشكل فعال ( القدس العربي ، حسين مجدوبي ، 20 يوليو 2020)، هذا فضلا عن الصراعات الداخلية والحرب ضد الارهاب التي انهكت الجيش المصري.
- يمتلك الجيش الإثيوبي أسطولا جويا لا بأس به، مكون من سوخوي 25 وميغ 25 وسوخوي 27 الروسية ذات المهام المتعددة والقادرة على اعتراض المقاتلات المصرية. وعندما بدأت إثيوبيا تشييد السد، اقتنت مضادات طيران متطورة وتحت إشراف إسرائيلي مثل سبايدر إم إر، وتتوفر مسبقا على أنظمة روسية مثل بانشير وفولغا، مما يشير الي دور اسرائيل في حماية السد.
هذا اضافة لفشل المحاولات المصرية لكسب الموقف الأميركي الرسمي الضاغط على إثيوبيا، مع اقتراب موعد الملء الثاني للسد.
كما لا توجد مؤشرات واضحة حول مدى الفعالية التي قد تتسم بها أي ضربة، ومدى تأثيرها في هيكل خرساني بهذا الحجم، وما إذا كانت ستسفر عن أضرار جزئية في السد أو ستتمكن من تدميره بشكل تام.
- تتخوف القاهرة والخرطوم من محاولات اديس ابابا لكسب الوقت حتى موعد ملء السد ، مما حدا بنفاد صبر الرئيس السيسي الذي لوح بالحل العسكري، لكن ما زالت خيارات مصر والسودان تسير في اللجؤ إلى مجلس الأمن الدولي، لطلب تدخّله من أجل فرض وساطة دولية في هذه الأزمة، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والفصلين السادس والثلاثين والثامن والثلاثين من النظام الداخلي لمجلس الأمن. في حال عدم نجاح هذا التوجه، ستلجأ كلا الدولتين إلى محكمة العدل الدولية، من أجل فرض قرار منها بإيقاف عملية ملء بحيرة السد التي تعتزم أديس أبابا البدء بها قريباً.
كما اقترحت بعض الاوساط الأفريقية حلاً وسطياً، تقوم بموجبه أديس أبابا بملء بحيرة السد بمقدار ملياري متر مكعب إضافيين فقط، وهو ما يسمح بتشغيل توربينات توليد الطاقة الكهربائية في حالة اكتمالها، وفي الوقت نفسه لا يؤثر في حصص المياه الواردة إلى القاهرة والخرطوم.
هذا اضافة لتوتر الاوضاع الأمنية في اثيوبيا، سواء في إقليم تيجراي شمال البلاد، الذي تتعرض فيه القوات الفيدرالية الإثيوبية لحرب عصابات مستمرة من جانب جبهة تحرير شعب تيجراي أو إقليم أورومو المتاخم للعاصمة الإثيوبية، الذي يشهد اشتباكات بين عرقيتي الأورومو والأمهرة، أو الحدود المشتركة مع السودان، التي تشهد حشداً عسكرياً كثيفاً على خلفية العمليات السودانية الأخيرة لاسترداد المناطق التي كانت المليشيات الإثيوبية في إقليم الفشقة تتواجد فيها.
كما أن الخيار العسكري بات لا مفر منه في الوقت الراهن، وخصوصاً أن الوقت المتاح لتنفيذ ضربة عسكرية جوبة لتدمير السد بات محدوداً جداً، إذ يتوجب ضربه قبيل بدء الملء الثاني، وإلا ستكون الأراضي السودانية والمصرية معرضة لمخاطر الفيضانات المدمرة، نتيجة لتزايد كميات المياه المخزنة خلف السد الإثيوبي. يضاف إلى ذلك المخاطر المتعلقة بالوضع الإقليمي والدولي، في ظل التوجهات الأميركية الواضحة التي تميل في هذه المرحلة إلى الجانب الإثيوبي، وخصوصاً أن العلاقة بين القاهرة وواشنطن تشهد بعض التوتر منذ وصول إدارة بايدن إلى سد الحكم، يساعد في ذلك امتلاك مصر لطائرات (رافال ) الفرنسية ، وصواريخ سكالب، اضافة للتوجه إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بشأن الخلاف حول سد النهضة بعد انهيار محادثات كينشاسا، مع صعوبة في صدور قرار لصالح مصر في مجلس الأمن لارتباط الصين باثيوبيا . الخ، وعدم وضوح مواقف روسيا والغاء الرئيس بايدن العقوبات علي اثيوبيا بسبب افشالها المفاوضات التي عقدت في أمريكا ، وعدم قدرة الاوربيين علي الحسم، وانحياز الاتحاد الافريقي لاثيوبيا ، هذا اضافة لخيارات مصر في أزمة سد النهضة، وأقلها تكلفة هو إثارة النزاعات الداخلية في إثيوبيا، وتشجيع الحركات الانفصالية بالتعاون مع السودان.
وأخيرا، يمكن للسودان أن يضغط لاستعادة بني شنقول الذي كان تابعا للسودان منذ مملكة الفونج وفترة الحكم التركي والمهدية، وضمه الانجليز لاثيوبيا بعد اتفاقية 1902 ،مقابل أن لا تقيم اثيوبيا أي سدود أو منشآت مائية علي النيل الأزرق. فطالما اصرت علي اثيوبيا علي قيام السد ، فليطالب السودان بعودة اقليم بني شنقول الذي يُقام عليه سد النهضة ، فهو أرض سودانية.
هذا اضافة لتوتر الاوضاع في بني شنقول كما جاء في الأنباء " قناة الحرة ، الخميس 22/ أبريل 2021 " عن سيطرة مجموعة مسلحة على مقاطعة في غرب إثيوبيا، ما أسفر عن سقوط مدنيين وخطف موظفين،وسيطرت علي مقاطعة " سيدال ووريدو" بمنطقة "كاماشي" التابعة لإقليم بني شنقول، غربي إثيوبيا، علما بأن مشروع سد النهضة في اقليم بني شنقول، وتبلغ تكلفته 4 مليار دولار، وتأمل إثيوبيا أن يسهم السد في إنتاج الكهرباء ورفع وضعها الاقتصادي.

(6)
مخطط اسرائيل للاستيلاء علي منابع النيل

لا يكفي النظر فقط لأزمة " سد النهضة" من ناحية فنية ، وحصر فوائده ومضاره علي السودان ومصر، فضلا عن أن القضية ليست خلاف حول أهمية التوزيع العادل لمياه النيل ، وحفظ حقوق ومصالح دول المنبع والمصب فيها، لو كان الأمر كذلك فالحل سهل ، ولكن الأمر اصبح متعلقا بمصالح اسرائيل وأمريكا والبنك الدولي لخصخصة مياه النيل والاستيلاء عليها وبيعها باعتبارها اصبحت سلعة لا تقل عن النفط أو الذهب أو الثروات الأخري ، اضافة لاطماع اسرائيل في السيطرة علي مياه النيل ومحاصرة مصر والسودان، ومد اسرائيل بمياه النيل ، فشعب اثيوبيا لن يستفيد شيئا من مشروع ابي أحمد الذي يسير في تنفيذ سياسات البنك الدولي واغراق اثيوبيا في ديون تكلفة السد التي تقدر بأكثر من 4 مليار دولاروغيرها ، تؤدي لفقدان استقلالها وسيادتها الوطنية ، والمزيد من افقارها ، وتأجيج الصراعات الأثنية بهدف تفكيكها والسيطرة عليها ، والتواجد الدائم فيها بحجة المحافظة علي الأمن، كما حدث في الصومال، باعتبار اثيوبيا قوي مؤثرة في منطقة القرن الأفريقي، ولها تاريخ وحضارة عريقة.

كما لا يمكن تناول أزمة " سد النهضة" بمعزل عن الوضع في القرن الأفريقي الذي تتصارع القوي الدولية والاقليمية من أجل الوجود فيه لموقعه الاستراتيجي، ولأهميته في ربط التجارة الدولية ، ونقل البترول، وارتباطه بمخطط الدول الرأسمالية للسيطرة علي ثروات القارة الافريقية المعدنية والزراعية ومياه النيل ومنابعه ، ولارتباطه بالمخطط الاسرائيلي للسيطرة علي مياه النيل ، ومحاصرة الدول العربية واهمها مصر والسودان.اضافة لارتباط المنطقة بالقرصنة والارهاب ، وانهيار الدولة الصومالية.
فلا عجب أن اجتذب القرن الافريقي وافريقيا عموما صراعات القوي الدولية مثل : دول الخليج " السعودية، الامارات ، قطر " ، الصين، روسيا، إيران، تركيا،الهند، واليابان، إضافة إلى القوى الغربية ذات المصالح التقليدية " فرنسا ، ايطاليا، بريطانيا ، بلجيكا، الخ"، وإسرائيل.
اضافة للاتفاقات الأخيرة لروسيا وأمريكا مع الحكومة السودانية لاقامة قاعدتين عسكرتين علي البحر الأحمر.

كما يرجع اهتمام الاسرائيليين بافريقيا والتغلغل في دولها الي اعتقادهم بأن حدود الدولة العبرية في المستقبل ستمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، وهو ما أشارت إليه الكتابات التوراتية اليهودية، وكُتب على لوحة توراتية في مدخل الكنسيت الإسرائيلي بأن «حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل».
وطيلة السنوات الماضية استطاعت اسرائيل أن تشكل حضورا في الدول الافريقية مثل :اثيوبيا ، كينيا ويوغندا ،تشاد ، بورندي. الخ، وتعتبر اسرائيل الحليف الأول لاثيوبيا ومدخلها إلى بقية دول أفريقيا، وقدمت اسرائيل منذ عام 1949 مساعدات عسكرية لكل حكام إثيوبيا.
- وكان أول وجود عسكري لاسرائيل في الجزر الإريترية، التي استأجرتها من إثيوبيا بعد زيارة موشي ديان لإثيوبيا عام 1965، وفي 11 سبتمبر من العام نفسه سجل حاييم بارليف (قائد العمليات بهيئة الأركان) زيارة سرية لإثيوبيا، وضعت ترتيبا للتعاون العسكري بين البلدين.
- اضافة لضغوط أمريكا علي السودان للتطبيع مع اسرائيل والابتزاز برفع العقوبات مقابل التطبيع، والغاء الاجتماع المشترك لمجلس السيادة والوزراء لقانون مقاطعة اسرائيل الذي اجازه البرلمان السوداني المنتخب عام عام 1958 ، مما يعتبر خرقا للوثيقة الدستورية بعد تجاوز المدة المحددة للتشريع لمجلسي السيادة والوزراء (3) شهور.، فضلا عن أن موضوع التطبيع مع الكيان العنصري الصهيوني ، ليس من اختصاص الحكومة الانتقالية، بل من مهام البرلمان المنتخب القادم.
- لعبت اسرائيل دورا مهما في دعم المتمردين بجنوب السودان متذ العام 1955 الذين اتخذوا من اثيوبيا نقطة انطلاق لنشاطهم العسكري، حتى تمّ انفصال الجنوب في يوليو 2011 .
- نبع أهتمام اسرائيل بمنطقة القرن الأفريقي؛ لتحقيق أهداف إستراتيجية معروفة، مثل : قضية المياه، وأمن حوض النيل والبحر الأحمر ومحاصرة دول المصب مصر والسودان، والسيطرة علي البحر الأحمر التي تعتبر واحدة من أهم الأهداف الإستراتيجية لإسرائيل في القارة الأفريقية، والتي بدأت عام 1949 بعد تأسيس الوجود الإسرائيلي في خليج العقبة، وبهدف الاتصال مع العالم الخارجي عن طريق البحر الأحمر، اضافة لاحتلال الأراضي العربية في الجزء الشمالي، والوجود في الجزر الواقعة في الجزء الجنوبي من المنطقة.
- كما تلنحف اسرائيل ثوب الدين مستغلة مزاعم الأمهرة بأنهم ينتمون إلى سلالة سيدنا سليمان، كما روجت الكنيسة الأرثوذكسية أن الأمهرة هم شعب الله المختار في إثيوبيا. وترتبط بذلك الأبعاد الاجتماعية المتعلقة باليهود الأفارقة المنتشرين في القارة، خصوصا في إثيوبيا (اليهود الفلاشا)، الذين رحلهم الديكتاتور نميري الي اسرائيل في الفترة : من نوفمبر 1984 الي يناير 1985 في "عملية موسي"، وكانت تلك العملية من الاسباب التي أدت لانتفاضة مارس - ابريل 1985 في السودان.
اضافة لهدف الحصول علي جزء من مياه النيل عبر قناة السويس. وهو المشروع الذي يعرف باسم (مشروع إليشع كالي)، ويستهدف حصولها على ما يعادل 1% من مياه النيل، أي ما يعادل 550 مليون متر مكعب سنويًّا عبر أنابيب ناقلة لصحراء النقب مرورًا بمصر "من خلال سحارات أسفل قناة السويس" وقطاع غزة شمالا. وجاء طرح هذه المسألة من خلال تلميحات إسرائيلية بشأنها، وبينما أبدى الرئيس المصري في حينه، أنور السادات، تجاوباً شفوياً مع هذا الطلب المعروف باسم ترعة السلام، إلا أنه لاقى رفضاً شعبياً ورسمياً واسعاً في مصر في حينها. وخلال المفاوضات متعدّدة الأطراف للتسوية في منطقة الشرق الأوسط بعد مؤتمر مدريد (1991)، حاولت إسرائيل خلال أعمال لجنة المياه طرح الأمر من جديد، إلا أنها لم تنجح، بسبب الرفض المصري ( العربي الجديد :7 مايو 2018). .
لا شك أن المصالح المصرية السودانية ترتبط بشكل وثيق بمنطقة منابع النيل، والتي تمثل عمقاً استراتيجياً للدولتين حيث أن أي تهديد لتدفق مياه النيل يمثل في الوقت نفسه تهديداً مباشراً لكليهما. ومن المعروف أن إثيوبيا وحدها تسهم وحدها بأكثر من 80% من جملة إيرادات مياه النهر. وتسعى القيادة الإثيوبية، بعد إعادة ترتيب أوضاع الدولة الجديدة عام 1991م إلي تقديم نفسها للغرب كفاعل إقليمي قوي يمكن الاعتماد عليه، وهو ما أدى إلي دخولها في مغامرات غير محسوبة بدقة، مثل نزاعها الحدودي مع جارتها الوليدة إريتريا، وعدم استقرار علاقاتها مع السودان.
بصورة عامة ، ارتكزت السياسة الإسرائيلية على مبدأ نهب الموارد المائية العربية، والاقتتال من أجلها، ففي تصريح لأحد المسئولين الإسرائيليين، وهو «زيئيقي أوتنبيرج»، رئيس هيئة بحيرة طبرية الأسبق، بأنه «إذا زاد نقص المياه في إسرائيل، ولم نستطع حل المشكلة بالطرق السلمية، فلابد حينها من حلها بالحرب، وهل هناك حل آخر؟، المياه كالدم لا يمكن العيش بدونه».
لذلك فقد خاضت إسرائيل من أجل ذلك عدة حروب تمكنت فيها من احتلال ضفاف بحيرة طبرية، ومنابع نهر الأردن عام 1948، كما شاركت في العدوان الثلاثي على مصر من أجل قناة السويس عام 1956، وسيطرت على منابع ومياه حوض نهر الأردن عام 1967، بالإضافة إلى اجتياحها لجنوب لبنان من أجل السيطرة على نهر الليطاني ووصول مياهه إلى إسرائيل عام 1982( اضاءات ، احمد عسكر،6 /12/ 2016)..
- ايضا كثفت الصين وجودها في افريقيا في إطار سياستها التي اعلنتها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، التي تقوم على محاور ثلاثة: المساعدات، والتبادل الثقافي، وحفظ السلام.
كما عملت اليابان علي دعم التنمية في افريقيا، وإثارة انتباه المجتمع الدولي تجاه أفريقيا؛ وذلك بدعوتها لعقد مؤتمر طوكيو الدولي الأول لتنمية أفريقيا، الذي عرف باسم تيكاد ـ عام 1993، ثم تتالت اللقاءات كل خمس سنوات. وتركز اليابان في علاقتها مع أفريقيا على الجوانب الاقتصادية والتعليمية.
- كما كثفت الدول الغربية الرأسمالية التقليدية نشاطها في افريقيا تحت دعاوي "حرب الإرهاب" بعد انتهاء الحرب الباردة، والتي خلقت مبررات لتجييش الجيوش واحتلال أراضي الغير أو التدخل السافر في شئونها الداخلية مثل: التدخل في الصومال 1992 ،وما نتج من اخلاء الأمم المتحدة الصومال، تاركة له صراعات زعماء القبائل ولوردات الحرب. ومع هذا الانسحاب تغيرت كثير من الحقائق بالنسبة للقرن الأفريقي، بما في ذلك النظرة الأمريكية للمنطقة، رغم بقاء الإستراتيجية والأهداف على حالها، التي تترجم محاولات واشنطن المستمرة لتحقيق نفوذ أكبر من النفوذ الفرنسي، ومن ثم السيطرة على منافذ البحار في القرن الأفريقي.
- أما الولايات المتحدة فقد قامت بتأسيس قوات حلف " الافريكوم" الذي مقرها في جيبوتي.
بجانب الاهتمام الأمريكي بإفريقيا عموما والقرن الإفريقي خاصة، لا يمكن إغفال تنامي حاجة أمريكا لنهب مواردها المعدنية والنفطية والزراعية، كما ينسجم هذا التوجه الأمريكي نحو القرن الإفريقي والبحيرات العظمى في كلياته مع حقيقة الاهتمام الإسرائيلي بهذه المنطقة، التي تشكل العلاقة معها ضمانة أمنية وإستراتيجية لدولة الكيان الصهيوني ومعبرا مهما لها لكل إفريقيا.
هكذا نلاحظ أن منطقة القرن الافريقي كانت ولا زالت منطقة صراع واستقطاب دولي وإقليمي من طرف دول من الشرق الأوسط، وإسرائيل أبرز القوى الإقليمية المراهنة على حضورها بالمنطقة كاستراتيجية للأمن القومي الإسرائيلي، بتعزيز أمنها وتحقيق اختراق بمنطقة شرق إفريقيا لتحسين علاقاتها الإفريقية، لكسب أصواتها بالمنظمات الدولية ولكسر الحصار والعزلة المفروضة عليها إقليميا، فاستثمرت برنامجها لتقديم المساعدات للدول النامية، " المصدر : مركز الجزيرة للدراسات، 21 مارس 2010 "..
خلاصة الأمر ننظر لتنافس الدول الغربية " ايطاليا، فرنسا، اسرائيل ، والخليج " السعودية ، الامارات"، اضافة لقطر ونركيا قطر وأمريكا والبنك الدولي والصين لنهب ثرواتها المعدنية والنفطية والمائية كما في تمويل سد النهضة في اثيوبيا كمثال للتنافس والتواجد في القرن الأفريقي والتأثير فيه.

(7)
الخلاصة وموقف السودان التفاوضي
تابعنا في الحلقات الماضية قضية سد النهضة مع آخر المستجدات، وفي ارتباط مع اشتداد حدة الصراع علي الموارد ، واتساع هوة الخلاف بين اثيوبيا والسودان ومصر بسبب اصرار الجانب الاثيوبي علي ملء السد في موعده، مع اتجاه السودان ومصر للتدويل واللجؤ لخيار الحرب كحل أخير اذا انسدت جميع الطرق السلمية ، من جانب آخر ابدت الولايات المتحدة رغبتها في التدخل بشكل أكبر لدفع المفاوضات المتعثرة بين الأطراف الثلاثة السودان ومصر وإثيوبيا، والوصول لاتفاق مرضي لكل الأطراف، اضافة لضرورة وصول مصر والسودان لاتفاق قانوني بشأن السد.فضلا عن تخوف السودان من الخطوات الأحادية الإثيوبية التي يمكن أن تشكل تهديدا لسلامة المنشآت المائية ومواطنيه وكل الأنشطة الاقتصادية على ضفاف النيل الأزرق والنيل الرئيسي، اضافة لاعتزام السودان مقاضاة شركة " ساليني الايطالية" المنفذة لسد النهضة ، ولكن الشركة الايطالية ليست وحدها العاملة في السد ، فهناك اسرائيل وأمريكا والبنك الدولي والصين والامارات والسعودية. لخ.
اضافة لاصرار الجانب الاثيوبي علي الملء الثاني لسد النهضة في الموعد المقرر، اضافة لمشاكلها مثل : أزمة القتال في اقليم تيغراي شمالي البلاد، الذي انفجر فيه القتال في نوفمبر الماضي بين المتمردين والحكومة المركزية، ومقاومة أبناء اقليم بني شنقول للتهميش والاضطهاد العرقي..
تساءل الكثيرون لماذا اصرار الجانب الاثيوبي علي بناء السد الضخم لتوليد الطاقة الكهربائية ، بدلا عن الاتجاه لبدائل أخري مثل: الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ، فقد أكدت التجارب في السدود الكبيرة ، أن التوليد الكهربائي يقل مع مرور الزمن بسبب تراكم الطمي ، اضافة لتشريد الالاف من اراضيهم وتدمير البيئة بقطع الاشجار ، وأغراق الآثار التاريخية، كما حدث لسكان مدينة حلفا والمناصير بسبب قيام السد العالي و مروي ،فضلا عن أن السد العالي لم يوفر الكهرباء للسودان، رغم التضحية باغراق مدينة حلفا ، وأن سد مروي اتسم بالفساد في انشائهّ ، ولم يوفر الكهرباء اللازمة، واصبحت تكلفته التيي تتجاوز 2 مليار دولار عبئا ضمن دبون السودان، وحسنا قاوم أبناء دال وكجبار وقدموا الشهداء حتى تمّ إلغاء مشروعي خزان كجبار ودال الذي يعني المزيد من إغراق منطقة النوبة وتدمير كنوزها الأثرية وتشريد أهاليهم..
كما تتفاقم أزمة الحكم في السودان، بسبب هيمنة المكون العسكري الذي يسير في التصعيد العسكري علما بأنه ليس جادا في الدفاع عن سيادة وحقوق البلاد في مياه النيل ، بل يهدف لعسكرة البلاد ووقف التحول للحكم المدني الديمقراطي في البلاد ، والاتجاه لمصادرة الحقوق والحريات السياسية ، كما في مسودة قانون الأمن المقترح الذي يعيد البلاد لمربع النظام البائد في الاعتقال التحفظي ومصادرة الحريات والقمع ، اضافة لخرق الدستور كما في التعديل للوثيقة الدستورية بعد اتفاق جوبا الذي تعلو بنوده علي "الوثيقة الدستورية" وتكوين مجلس شركاء الدم،واشتداد حدة الغلاء بسبب تخفيض العملة والخضوع لشروط صندوق النقد الدولي، وانعدام خدمات الصحة والدواء والتعليم بدلا من توفيرها كما أشارت "الوثيقة الدستورية"، وانعدام الأمن ، وخرق الدستور في تكوين المجلس التشريعي المؤقت ، بعد انقضاء فترة ا (3) أشهر لصلاحية مجلسي السيادة والوزراء في التشريع ، والتطبيع ا مع اسرائيل التي تدعم قيام سد النهضة، لتحويل مياه النيل اليها!!! .وقيام القاعدتين العسكريتن في بورتسودان لروسيا وأمريكا.
اضافة لأزمة سد النهضة ،تعاني مصر من مشاكل مثل : الخضوع لشروط البنك و صندوق النقد الدوليين بتخفيض العملة وتعويم الجنية المصري، والوقوع في فخ الديون الخارجية التي تجاوزت 120 مليار دولار، وانخفاض مستوي الأجور والانفاق علي التعليم والصحة مما أدي لتفشي وباء كورونا ، وتأثر السياحة بسبب كورونا، وتراجع أسعار النفط والوقود ، ومشكلة الانفجار السكاني ، والفساد ، وعسكرة الاقتصاد مع ضعف المكون المدني، مما لا يشجع المستثمرين من الخارج، اضافة لقمع المعارضة ومصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية.
كما تفجرت الأزمة بين مصر والإمارات بسبب تمويل و دعم الامارات لسد النهضة الذي يضر بمصالح وحياة المصريين، هذا اضافة لرفض اثيوبيا مقترح السودان للوساطة الرباعية بينما وافقت مصر عليه، ويري الجانبان السوداني والمصري أن إثيوبيا تراوغ فى الوصول لاتفاق وتعمل على شراء الزمن لتجعل الملء الثانى للسد أمراً واقعاً، كما حدث في الملء الأول لسد النهضة دون اتفاق أو إخطار، اضافة لطرح اثيوبيا مطلب جديد وهو أن يكون لها نصيب من مياه النيل بدلا عن توليد الطاقة الكهربائية فقط ، وحقها في بيع هذا المياه، مما يؤكد دور اسرائيل الذي اشرنا له سابقا ، للاستحواذ علي مياه النيل ، بحكم علاقتها مع اثيوبيا ودعمها العسكري لاثيوبيا في حماية سد النهضة..
كما دفعت الولايات المتحدة بمبعوث جديد في القرن الإفريقي لإيجاد حل وإنهاء عدد من الأزمات، وأبرزها أزمة ملف سد النهضة، علما بأنها والبنك الدولي واسرائيل من الداهمين لسد النهضة ومنحازة مع الاتحاد الافريقي للجان الاثيوبي ، فكيف تكون الخصم والحكم؟..
التطورات الأخيرة توضح ما أشرنا اليه سابقا أن أزمة سد النهضة لايمكن تناولها بمعزل عن اشتداد حدة الصراع السياسي والاقتصادي والطبقي علي المحلي والاقليمي والدولي علي الموارد ( الزراعية والحيوانية ،الأراضي الخصبة، مياه النيل ، المعادن.الخ) والذي تصاعدت وتائره بعد الأزمة العامة للرأسمالية ،واشتداد حدة التنافس بين مراكز الرأسمالية العالمية ، وبينها والصين وروسيا ، وتزايد وتائر سباق التسلح ، والمزيد من بناء القواعد العسكرية، كما في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، اضافة لتسارع الأحداث علي حدود السودان مع اثيوبيا ، بسبب النزاع علي الفشقة وملف سد النهضة.
فقد بدأ الخلاف بمطالبة دول المنبع لمراجعة الاتفاقات التي ابرمها الاستعمار البريطاني في الفترة (1891 - 1959) في غياب دول المنبع ، والتي نالت فيها مصر نصيب الأسد ، وتم تأكيد حقوق دول المنبع في " اتفاقية عنتيبي " ،و " إعلان المبادئ"، إعلان اثيوبيا رسميا عن مشروع سد النهضة.واستمرت جولات المفاوضات لأكثر من عشر سنوات ، التي انتهت بانهيار الجولة الأخيرة في الكونغو(كنشاسا) ، والقت مصر والسودان اللوم علي تعنت اثيوبيا التي تري أنه تم سلب دول المنبع حقها في المياه لصالح دولتي المصب (السودان، ومصر)، كما استغلت اثيوبيا في قيام سد النهضة الظروف الموضوعية التي مرت بها مصر خلال ثورة 25 يناير 2011 ، وضعف نظام البشير المتهالك الذي فرّط في حقوق السودان التاريخية في مياه النيل ، وفي منطقة الفشقة التي احتلها الاثيوبيون ، وعدم مطالبته بعودة اقليم بني شنقول الذي يقام عليه سد النهضة الي السودان، وتغير موازين القوي العالمية لمصلحة اثيوبيا ، بالدعم غير المعلن في البداية من امريكا واسرائيل لاثيوبيا مما حفزها للتشدد للمضي قدما في بناء السد ، اضافة للتوقيع علي " إعلان المبادئ".
كما وضح أن اسرائيل ليست داعمة فقط لسد النهضة، بل أعلنت تركيب منظومة دفاع صاروخية لحماية سد النهضة، وفشلت كل الوساطات المصرية مع إسرائيل لوقف هذه الخطوة، مما يجعل من الصعب أن يقوم بأي خطوة من شأنها التورط في صدام عسكري قد يهدد وجوده.

فكرة التخطيط لسد التهضة ليست جديدة، فقد كانت في جدول أعمال أمريكا منذ النصف الأول من ستينيات القرن الماضي ، فقد فكرت الولايات المتحدة في قيام سد النهضة مع قيام السد العالي، بهدف محاصرة مصر والضغط عليها بحرب المياه، لتصفية الثورة المصرية، اضافة الي أن مسألة التمويل كانت حاسمة في قيام السد ، وما كان ممكنا لسد النهضة أن يصبح واقعا بدون التخطيط الأمريكي المبكر له ، والتمويل لبنائه من الشركات الايطالية والفرنسية ، أمريكا ، إسرائيل، السعودية ، الإمارات ، والصين، كما وضح من التصريحات التي أدلي بها المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية "دينا مفتي"، قال فيها إن بلاده من الممكن أن تبيع الطاقة الكهربائية والمياه الفائضة عن حاجتها لأي طرف - بما في ذلك "إسرائيل" - وهو ما ألقى مزيداً من الضوء على نيات تل أبيب في هذا الصدد، كما وقعت كل من اسرائيل واثيوبيا سابقا عدة اتفاقيات لإقامة مشاريع نهرية في بحيرة تانا على النيل الأزرق ما بين العامين 1990 و1996، في سياق سعي "إسرائيل" للحصول على حصة من مياه النيل. وكان ذلك واضحاً بشكل أكبر خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أديس أبابا في العام 2016، إذ قال بوضوح إن "إسرائيل" ستساعد إثيوبيا في تحسين وزيادة حصتها من مياه النيل وستدعم قطاعها الزراعي.
هذا اضافة لتصريحات المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية "دينا مفتي" إلى قناة الجزيرة القطرية التي قال فيها إن "من حق إثيوبيا بيع المياه الفائضة عن حاجتها بعد الملء الثّاني لخزان سد النهضة"، مما يشير لمخطط اثيوبيا لبيع الماء ، كما في مخطط اسرائيل والبنك الدولي".
اضافة لضرورة ضغط السودان لاستعادة بني شنقول الذي كان تابعا للسودان منذ مملكة الفونج وفترة الحكم التركي والمهدية، وضمه الانجليز لاثيوبيا بعد اتفاقية 1902 ،مقابل أن لا تقيم اثيوبيا أي سدود أو منشآت مائية علي النيل الأزرق. فطالما اصرت علي اثيوبيا علي قيام السد ، فليطالب السودان بعودة اقليم بني شنقول الذي يُقام عليه سد النهضة ، فهو أرض سودانية.

لا يكفي النظر فقط لأزمة " سد النهضة" من ناحية فنية ، وحصر فوائده ومضاره علي السودان ومصر، فضلا عن أن القضية ليست خلاف حول أهمية التوزيع العادل لمياه النيل ، وحفظ حقوق ومصالح دول المنبع والمصب فيها، لو كان الأمر كذلك فالحل سهل ، ولكن الأمر اصبح متعلقا بمصالح اسرائيل وأمريكا والبنك الدولي لخصخصة مياه النيل والاستيلاء عليها وبيعها باعتبارها اصبحت سلعة لا تقل عن النفط أو الذهب أو الثروات الأخري ، اضافة لاطماع اسرائيل في السيطرة علي مياه النيل ومحاصرة مصر والسودان، ومد اسرائيل بمياه النيل ، فشعب اثيوبيا لن يستفيد شيئا من مشروع ابي أحمد الذي يسير في تنفيذ سياسات البنك الدولي واغراق اثيوبيا في ديون تكلفة السد التي تقدر بأكثر من 4 مليار دولاروغيرها ، تؤدي لفقدان استقلالها وسيادتها الوطنية ، والمزيد من افقارها ، وتأجيج الصراعات الأثنية بهدف تفكيكها والسيطرة عليها ، والتواجد الدائم فيها بحجة المحافظة علي الأمن، كما حدث في الصومال، باعتبار اثيوبيا قوي مؤثرة في منطقة القرن الأفريقي، ولها تاريخ وحضارة عريقة.
كما لا يمكن تناول أزمة " سد النهضة" بمعزل عن الوضع في القرن الأفريقي الذي تتصارع القوي الدولية والاقليمية من أجل الوجود فيه لموقعه الاستراتيجي، ولأهميته في ربط التجارة الدولية ، ونقل البترول، وارتباطه بمخطط الدول الرأسمالية للسيطرة علي ثروات القارة الافريقية المعدنية والزراعية ومياه النيل ومنابعه ، ولارتباطه بالمخطط الاسرائيلي للسيطرة علي مياه النيل ، ومحاصرة الدول العربية واهمها مصر والسودان.اضافة لارتباط المنطقة بالقرصنة والارهاب ، وانهيار الدولة الصومالية.
وأخيرا ، ننظر لصراع الدول الغربية " ايطاليا، فرنسا، اسرائيل ، والخليج " السعودية ، الامارات"، اضافة لقطر ونركيا قطر وأمريكا والبنك الدولي والصين لنهب ثرواتها المعدنية والنفطية والمائية كما في تمويل سد النهضة في اثيوبيا كمثال للصراع علي التواجد في القرن الأفريقي والتأثير فيه.
بالتالي من المهم أن يقوي السودان موقفه التفاوضي في معركة سد النهضة من خلال النضال من أجل تحقيق المطالب الآتية :
- الحصول علي اتفاق ملزم يضمن الكمية الكافية من مياه النيل تكفي لمشروعاته في التوسع الزراعي والعمراني، اضافة لحاجته من الطاقة الكهربائية.
- حماية منشآته المائية وسدوده وأراضيه من خطر سد النهضة.
- المطالبة بالسيادة الكاملة علي أراضيه في الفشقة واقليم بني شنقول الذين كانا تاريخيا تابعين للسودان.
– التمسك بالسيادة الوطنية بوقف قيام القواعد العسكرية لروسيا وأمريكا علي البحر الأحمر.
إلغاء التطبيع مع الكيان العنصري الصهيوني.
-عودة حلايب وشلاتين للسودان، وإعادة النظر في كل الأراضي التي تم تأجيرها لمدة تزيد عن 99 عاما ، بما يهدر حقوق الأجيال القادمة.
- وقف تدخل الإمارات في الشؤون الداخلية برفض المقترح لتقسيم الفشقة بين اثيوبيا والسودان والإمارات. - حل كل المليشيات وجمع السلاح وقيام الجيش المهني الموحد.
- خروج السودان من حلف اليمن، وتحسين الأوضاع المعيشية، والغاء كل القوانين المقيدة للحريات ، والقصاص للشهداء في مجزرة فض الاعتصام وبقية الشهداء، ومواصلة النضال حتى اسقاط شراكة الدم ، وقيام الحكم المدني الديمقراطي ، باعتباره الضمان لسيادة البلاد ، والحفاظ علي حقوق البلاد من خطر سد النهضة.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية