العرض التونسي للمشاهد السوري

راتب شعبو
2021 / 7 / 30

من الواضح أن جزءاً مهماً من الشارع التونسي، وهو جزء بارز ونشيط في الشارع التونسي اليوم، يتعامل مع الرئيس قيس سعيد على أنه من خارج النظام، فيرى أن القمع الذي تعرضت له المظاهرات السلمية المناهضة للحكومة وما شهدته من اعتقالات وانتهاك للحريات، وأن التردي الصحي (أزمة كورونا التي كانت الأسوأ بين الدول الأفريقية) والاقتصادي (أزمة المديونية فقد بلغ حجم الدين 100% من الدخل الوطني) هو من مسؤولية البرلمان والحكومة من دون الرئيس، وأنه لو كان الأمر للرئيس لما عانت تونس هذا الذي تعانيه. ينبع هذا الاعتبار الشعبي من أن الرئيس بلا حزب، بل مضاد للأحزاب التي يزداد النفور الشعبي منها ليس فقط في تونس بل في مجمل البلدان العربية التي تشهد حراكات شعبية. هذا يطرح مشكلة فعلية على المضي في مسار ديموقراطي.
من المفهوم أن يعاني البلد في مرحلة تكريس الديموقراطية بعد استبداد مديد، من أزمات أهمها ما يتعلق بالاقتصاد جراء حذر رؤوس الأموال في مراحل الانتقال، وعداء أرباب العمل الناشئين في بيئة استبداد والمتطبعين بآليات العمل في نظام الاستبداد، هذا فضلاً عن الضغوط الخارجية الممكنة. ومن المفهوم أن يعاني البلد من بروز صراعات حزبية كانت مكبوتة، ومن اضطرابات وتعبيرات شعبية كانت مقموعة ... الخ. ومن المرجح أن يدفع مثل هذا الحال إلى نفور الناس ويأسهم بعد أن منوا نفسهم بآمال عريضة، ثم ميلهم بالتالي إلى نظام أكثر صرامة. يمكن أن يميل الناس، تحت ضغط التدهور الاقتصادي والتعب من الصراعات الحزبية وعمليات التعطيل غير المعهودة، إلى التخلي عن حرياتهم التي ثاروا وضحوا لأجلها، لصالح "حكم قوي". هذا منشأ النكوص الاستبدادي الشائع، الذي شهدناه في مصر، ثم ندم عليه المصريون، ونشهد بوادره في تونس اليوم. في الحالتين كان النكوص مشفوعاً بتأييد شعبي مهم.
مشكلة تونس اليوم أن أقوى طرفين فيها يشكلان خطراً على الديموقراطية الفتية. الأول هو الرئيس الذي يعادي الأحزاب لصالح ديموقراطية "المجالس البلدية"، في حين أن الأحزاب من العناصر الأساسية في النظام الديموقراطي، ولا يوجد تعارض بين المجالس المحلية الأحزاب السياسية. الثاني هو حزب النهضة الذي لا تتوافق مرجعيته الإسلامية مع الديموقراطية في النهاية، لأنه يتطلع إلى بناء مجتمع على صورة مسبقة تستبعد الشركاء، فتبدو له الديموقراطية مرحلة مفروضة يسعى، في عمق برنامجه الإسلامي، إلى نسفها. كلا الطرفين خطر على بناء قواعد ديموقراطية ومن أهمها خلق قدر من الثقة لدى الشعب بالأحزاب وبالطبقة السياسية.
التشظي الكبير في تركيبة البرلمان التونسي المنتخب في تشرين أول/أكتوبر 2019، تشير إلى فقر دم حزبي في البلاد، رغم كثرة الأحزاب، وإلى قلة اعتبار الناس للأحزاب، بما فيها الحزب الإسلامي العريق (حركة النهضة) الذي يشكل أكبر كتلة برلمانية، ولكنها كتلة صغيرة مع ذلك (52 نائباً من أصل 217). ضعف كتلة النهضة البرلمانية، إضافة إلى التراجع الكبير في شعبية الإسلاميين عموماً، عقب محاولاتهم ركوب موجة الثورات الديموقراطية العربية بدلاً من الاندماج فيها، جعل حركة النهضة في تونس ضعيفة أمام "انقلاب" الرئيس، وعاجزة عن حشد رفض شعبي ينتصر لرئيسها الذي منعه الجيش من دخول مبنى البرلمان، والذي ناشد الناس النزول إلى الشارع لإحباط الانقلاب، على الطريقة التركية، كما قال، ولكن دون جدوى.
لا يمكن لقيس سعيد أن يكون عبد الفتاح السيسي، لأنه من خارج مؤسسة الجيش أولاً، ولأنه بلا تنظيم سياسي يسانده ثانياً، والأهم لأنه ليس ابناً شرعياً للنظام القديم فيمكن لقوى النظام القديم الذي لم يرحل، الاطمئنان إليه. في أحسن حال، يمكنه أن يكون سعيد واجهة لحكم عسكري، ولكن لا يبدو أن للجيش التونسي شهية للحكم كما هو حال نظيره المصري. على هذا لا يستطيع الرجل أن يكون "الرجل القوي" الذي قد يريده الجزء من الشارع التونسي الناقم على تركيبة الحكم الجديد وعلى الصراعات العبثية في البرلمان في ظل التدهور الاقتصادي والصحي.
انقلاب الرئيس، أو "الديكتاتورية الدستورية"، كما يسميها، لا يملك أن يحسن من الحال الاقتصادي للبلد، وهذا، إضافة إلى النقمة السياسية التي سببها الانقلاب الذي من المرجح أن يزيد من حال التوتر في البلاد، سيثبت في ذهن العامة حقيقة أن الأفراد، مهما كانوا نزيهين ونظيفي اليد، لا يمكنهم حل المشاكل المعقدة لبلد عانى طويلاً من الاستبداد وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية. وأن العمل السياسي المنظم، والتنافس الحزبي، جزء لا غنى عنه في الآليات الديموقراطية التي لا يناضل الناس من أجلها إلا لأنها أفضل وسيلة حكم لتحصيل حقوقهم والحفاظ عليها، فيما يقوم الرئيس التونسي بتعليق الديموقراطية لتحصيل حقوق الناس، مستخدماً لغة خطابية خاوية "فلوس الشعب تعود للشعب" و"نحن دولة لا نتسول" ... الخ. هذا مسار يفضي في النهاية إلى عكس ما يراد له.
من جهة أخرى، ورغم اعتدال حركة النهضة وسعيها التماشي مع المعايير الديموقراطية، من الواضح أنها تشكل مصدر قلق في الحقل السياسي التونسي، وفي الشارع أيضاً. قسم مهم من اليسار التونسي، ومن المنظمات الحقوقية، "تفهمت" الانقلاب واكتفت بالتحذيرات والمطالبة بضمانات، كما جاء مثلاً في بيان المكتب التنفيذي الوطني للاتّحاد العام التونسي للشغل، وبيان الجمعية التونسية للقانون الدستوري. يمكن القول إن هذه مشكلة يسارية في منطقتنا. الاعتقاد بأن الإجراءات القسرية هي الطريقة الفعالة ضد التنظيمات الإسلامية، اعتقاد خاطئ، لا يقود إلا إلى توفير بيئة مناسبة تتغذى عليها ميول الإسلام السياسي بما فيها الأكثر تطرفاً.
الخروج من الدائرة المفرغة التي تبدأ بسيطرة الجيش وتنتهي بسيطرة الإسلام السياسي، يكون عبر الخلاص من خللين، الأول هو الكفر بالأحزاب والبحث عن خلاص عام عبر أفراد، كما كان حال التونسيين مع قيس سعيد، والثاني هو إيمان الإسلاميين أو تسليمهم بأنهم يحملون في رؤوسهم "خلاص الأمة" بالخلاص من الآخرين، فينظرون إلى الديموقراطية على أنها شر لا بد أن يتمكنوا في كنفه كي يقتلوه، وهذا ما لا يخفى على خصومهم وما يثير القلق والنفور الدائم منهم.
لا ريب في أن أصداء العرض التونسي تتردد في الأرجاء السورية، ورغم الفروق الكثيرة، يمكن الاستفادة منه، بوصفه تجربة متقدمة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية