كيف تفشل التنمية الاقتصادية للاوطان ؟ الكهرباء في العراق مثلا

محمد رضا عباس
2021 / 7 / 29

تعددت اسباب انقطاعات الطاقة الكهربائية في العراق , واصبحت لا تفرق بين صيف لاهب او شتاء قارص , ولا بين فصل الربيع والخريف. قضية بقى الشعب العراقي يعاني منها منذ خمسين عاما , ولكن استفحل تأثيرها بعد التغيير الذي انتظره المواطن العراقي بفارغ الصبر ولا يوجد بالأفق حل لها.
كان المواطن العراقي يأمل من التغيير , وخاصة وان هذا التغيير قد جاء على يد دول كبرى غنية بالمال و التكنولوجيا ان يخلصوه من محنة الانقطاعات الكهربائية و افتتاح عصر جديد من التقدم والازدهار بعد ان ضيعتهما الحكومات السابقة وجعلت من المواطن العراقي متخلفا اقتصاديا وثقافيا حتى مقارنة مع ابناء البلدان المجاورة له . المواطن العراقي اصبح محبطا وما كان يأمل من امريكا ومن يسير بركابها ان بغداد والبصرة والانبار واربيل ستكون صورة من مدن امريكا واوروبا ذهبت ادراج الرياح . واصبح ليس من الغريب ان تسمع مواطن عراقي يقول مال امريكا وسورية؟ ومال جو بايدن و بشار الاسد . اتركوا البلد لأهله يضمد جراحه ولا تتدخلوا بشؤونه الداخلية ولا تجعلوه عراقا ثانيا . سوريا بلا امريكا احسن من العراق مع امريكا .
قادة التغيير ومن يقف ورائهم فشلوا بحل اي مشكلة المت بالشعب العراقي ورثتها من الحكومات السابقة بل اضافوا مشاكل اخرى لم تكن من قبل . مشكلة الكهرباء قديمة , ولكن لم يستطيعوا حلها على الرغم من مرور تسعة عشر عام على التغيير ! العراقي ما زال يحترق من لهيب الصيف حرارته لا ترحم صغيرا ولا كبيرا , صحيحا او عليلا . بل اكثر من ذ لك اصبحت الانقطاعات في الطاقة الكهربائية عامل تخلف وعامل فشل في التنمية الاقتصادية , وهو امر اصبح يقلق احرار العراق واصبحوا يدركون ان وراء هذه الفشل في توريد الطاقة الكهربائية بدون انقطاع قوى خفية لا تريد الخير للعراق وشعبه . لان توفر الطاقة الكهربائية تعني توفر فرص عمل جديدة للشباب العراق , تقلص كلف الانتاج وترفع الانتاجية , وان توفير طاقة كهربائية بدون انقطاع يعني الاستثمار بكل انواعه . لقد توصلت دراسات عالمية موثوقة الى ان توفير الطاقة الكهربائية بدون انقطاع تساهم في زيادة الانتاج الوطني والنمو الاقتصادي . ووجدت بعض الدراسات ان توفر الطاقة الكهربائية عامل مهم في تطوير التربية والتعليم , الصحة , زيادة معدل الاعمار ,تقلص من تفاوت الدخول , و زيادة في انتاج الزراعي والصناعي .
لا يوجد سبب وجيه يمنع العراق من توفر طاقة كهربائية بدون انقطاع و تغطي جميع اراضيه وهناك دول استطاعت وصول الهدف بظرف سنوات قليلة على الرغم من فقرها. استطاعت كوريا الجنوبية ان تغطي 98% من ريفها بالطاقة الكهربائية عام 1979 بعد ان كان 12 % فقط عام 1965. وكانت الطاقة الكهربائية تغطي 61% من الريف الصيني عام 1978 , ولكن بحلول عام 1997 اصبح 97% من المناطق الزراعية مغطاة بالطاقة الكهربائية . وفي تايلند كان 10% من العوائل خارج العاصمة بانكوك تتمتع بالطاقة الكهربائية في السبعينيات القرن الماضي ولكن تايلند استطاعت تغطية جميع اراضيها بالطاقة الكهربائية في فترة زمنية قصير , واصبحت نسبة الفقر فيها يعادل الصفر . وفي مصر العربية وصلت نسبة التغطية بالطاقة الكهربائية 99% عام 2014, بعد ان كانت هذه النسبة 96% عام 1995. ووصلت نسبة تغطية شبكة الطاقة الكهربائية في فيتنام الى 98% عام 2014 بعد ان كانت 15% فقط في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. اضافة الى ذلك استطاع هذا البلد ان يقلص نسبة الفقر من حوالى 50% من تسعينيات القرن الماضي الى 3% عام 2014.
الموضوع سهل لو كانت هناك ارادة وطنية , حيث من غير المعقول ان لا يستطع العراق حل مشكلة الطاقة الكهربائية , وهو الدولة الغنية بكل المقاييس, فيما تستطع تايلند, فيتنام , مصر , الصين , كوريا الجنوبية من حلها. لابد ان تكون هناك ايادي لا تريد حل مشكلة الطاقة الكهربائية في العراق لأنها تعلم ان حل هذه المشكلة يعني التقدم والازدهار الاقتصادي للعراق , والاستقرار الامني والسياسي وانطلاق العراق نحو حياة افضل لشبابه . لقد عرف من يقف وراء مشكلة الطاقة الكهربائية , ان العراق لا يستطع التقدم وستبقى سيادته مخترقة , معتمدا على بيع نفطه و مواطنوه يعانون الفقر والحرمان والقتل والتشريد . ان استمرار النقص في توريد الطاقة الكهربائية الى المجتمع العراقي ينتج عنه :
1. انخفاض في الانتاجية . توقف المكائن عن الانتاج , العمال عن عملهم , ربة البيت عن عملها اليومي , والمعلم عن التدريس , والموظف عن وظيفته . كلها حالات تؤدي الى انحدار الانتاجية , وبدلا من انتاج عشرة قطع من سلعة ما يصبح الانتاج سبع او خمسة قطع.
2. انخفاض في رأسمال . نقص الطاقة يعني انحدار البيع والارباح وبذلك لا يستطع اصحاب الاعمال من تجديد او اضافة مكائن جديدة.
3. اضطرار ارباب الاعمال استخدام المولدات الكهربائية والتي بدورها تؤدي الى تقليص الاموال المخصصة لشراء المكائن والمعدات للتوسع في الانتاج.
4. يؤدي الى انخفاض الانتاج الحاضر والمستقبل . الانتاج الصغير لا يمكنه الاستجابة للطلب الكبير في المستقبل .
5. النقص في الطاقة يعني الاكتفاء من تشغيل ايدي عاملة اضافية وبذلك يجمد رأسمال البشري بدون عمل كما يحدث الان في العراق.
6. انه يودي الى تراجع في حجم الانتاج الوطني وهذا ما اثبتته جملة من الدراسات العالمية .
7. وطالما وان هناك نقص في الطاقة الكهربائية , فان هناك جملة من رجال الاعمال سوف يضطرون التحول الى الانتاج التقليدي , اي استخدام الانسان بدل الماكنة المعروفة بالإنتاجية العالية.
8. وغني عن الايضاح , فان النقص في الطاقة الكهربائية يؤدي الى اعتماد الاقتصاد الوطني على المنتوج الاجنبي وترك قطاع الصادرات لأنه من المستحيل الوقوف امام منافسيه.
9. نقص الطاقة سوف يؤدي الى موت صناعات معينة ويتحول القطاع الصناعي من قطاع دكاكين او ورشة عمل صغيرة يعمل فيها الوالد والابناء.
10. نقص الطاقة تكدر الخاطر و تسرق النوم من العيون وتأثر سلبا على نفسية المواطن خاصة في اوقات الصيف . انها تضيف كلفه الى كلفة المعيشة والتي اصبحت في الاساس مكلفة جدا في العراق . لقد سائلة سائق التكسي قبل يومين متى عاشوراء ؟ كان جوابه راس الشهر عندما ادفع فاتورة المولدة الكهربائية . نقص الطاقة تؤدي الى تفاوت في الدخول , الحسد و الغيرة والكراهية , والجريمة .
العراق سوف لن يستعيد عافيته الا بحل مشكلة نقص الطاقة الكهربائية , وما دام للعراق اعداء وما دام العراق له اهداف غير اهداف المتسلطين على قراراته , فاني لا اجد حل لنقص الطاقة في الامد القريب . قيادة العراق اسهل بدون كهرباء .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا