الجرح............... قصة

أحمد جدعان الشايب
2021 / 7 / 28

قرأ آية، ودعا دعاء وبسمل، ثم طمأن نفسه وهو يبتسم:
( هذه المرة مقبول.. ماذا ينقصك؟.. صار عندك خدمة في الوظيفة أكثر من عشر سنوات.. المادة التي تدرّسها مطلوبة.. ستذهب إلى دولة خليجية بعقد عمل.. اطمئن ).
مشى. أسقط رأسه على صدره، وببطء شديد يتحرك، لم يكن في شبابه كما هو اليوم، هي حالة صارت تطرأ عليه فجأة، بعد أن يقدم أوراقه لإحدى السفارات، وإذا قدمها لأكثر من سفارة تزداد عنده الحالة، دائما وهو يمشي، لا ينظر يمينا أو يسارا إلا قليلا، حين تعبر سيارة، أو إذا أراد هو عبور طريق إلى الطرف الآخر. تنازعت في رأسه الرؤى المعتمة، فحدّث نفسه:
( آآآآآه يا رشيد.. كأنك عشبة يجف الماء من حولها).
قالها وهو يعبر الشارع الرئيسي لحي القصور، القريب من البناية التي يسكن فيها رفيقا الدراسة الابتدائية ( هاشم وسلمان)، ليصل موقف الباص، الذي ينقله إلى المدرسة كل يوم وتابع يهمس:
( كم من السنوات أمضيت في الدراسة والتدريس؟.. وإلى أين وصلت؟.. وماذا حصلت؟.. وماذا ستصير؟.. هاشم وسلمان كانا يكرهان المدرسة.. في كل يوم يهرعان إليك قبل تحية العلم.. وعلى الرصيف يأخذان كراريسك وينقلان الوظائف والتمارين.. وأين أنت الآن من هاشم وسلمان؟.).
فقد توازنه، حين جاءت قدمه في حفرة مستطيلة تعترض الشارع بعد أن ردمت بالتراب، ولم تصل إلى مستوى الأرض، فشتم حظه، ثم استمر يحدث نفسه:
( من أين أتتهما هذه الأموال التي يتصرفان بها؟.. المزرعة التي يمتلكانها معا.. وسيارة النقل الخاصة.. وكل واحد يمتلك شقة في حي القصور.. وأنت لاتزال تسكن بيتا طينيا استأجرته منذ سنوات.. رغم أن حالة أبيك المالية كانت أفضل من حالة أبويهما معا.. فمن أين جمعا هذه الأموال في سنوات قليلة؟.. آه منك أنت.. مصروف أولادك يكبر.. وطلبات زوجتك تكثر يوما إثر يوم.. هي فقط الحاجات الضرورية.. وما يحتاجه أولادك وزوجتك.. يحتاجه كل أولاد الناس).
مضغه الزحام على باب الباص، ونسي آلام نفسه، حين غرق في حضن الواقع، فراح يتدخل في شؤون الركاب، أوقف شابا في مؤخرة الباص، وأجلس سيدة تحمل رضيعا، تقدم إلى مقدمة الباص، دون أن يزعج أحدا من الركاب الواقفين، وقد تكاتفوا وتلاصقوا، كأـنهم جسد واحد، أوقف فتى من مقعده، وأجلس مسنا، وأسرع إلى شاب يدخن، سحب منه السيجارة ودعسها بحذائه.
أيام الشهر بطيئة كسلى، والشفاه مرغمة على رسم ابتسامة مقهورة، ليبدو المرء متلائما مع كثير من المواقف المفتعلة، وكالعادة، كانت الأحاديث في غرفة المدرسين، تؤكد جميعها على الفرق بين مستوى الدخل، وكمية الاستهلاك اليومي، وفي مثل هذه اللحظات، ينقله خياله في حالة من الشرود الممتع، ليرسم صورا لا تتفق مع الواقع.
في غرقة المدرسين هو يستمع أكثر مما يتكلم, لأنه لم يستطع رد شروده، ساعتها غاب لحظات كالحلم، وصار في إحدى الدول الخليجية، أمضى عاما كاملا، ثم عاد محملا بالهدايا، وصار بإمكانه توفير ما يطلبون من حاجات ضرورية، ثم سافر إلى عمله، ونهاية العالم الدراسي كان مع أسرته، اشترى شقة في حي القصور، أكبر من شقتي هاشم وسلمان، واشترى قطعة أرض طوّرها وجعلها مزرعة تفيض بالخير, وجنة تدهش من يراها، وسيارة صغيرة لنقل أسرته من الشقة إلى المزرعة ومن المزرعة للشقة.
فتح عينيه وهز رأسه، وأطلق أنفاسه المكتومة بتنهيدة تفضح آلامه وهمومه، حين صاحت إحدى المدرسات بشيء من الدعابة:
( إيييييييييي.. أستاذ رشيد أين كنت؟.. إلى أين ذهبت هذه المرة؟..).
وتوجهت إلى الجميع في القاعة، وبلهجة جادة:
( يا جماعة.. المحاسب تسلّم أجور الساعات الإضافية هذا اليوم.. فمن له ساعات إضافية لا يتأخر).
نهض رشيد مسرعا وهو يشد ياقة سترته، وسوى ربطة عنقه الكالحة، وهيئته تمتلئ عزة وغبطة، وقال: ( لألحقه قبل أن يذهب إلى بيته).
لكنه لم يدر أن زوجته كانت في حالة أحسن من حاله، وكان الأولاد قد وصلوا قبل أبيهم، واستند كل واحد إلى حقيبته، وبكثير من الخيبة واليأس ينتظرون مثل كل يوم.
استقبلته زوجته ببشاشة لم يعهدها منها، لكنه لم يعطل الفرح المفاجئ بتساؤلاته اليوم، فاستغل اللحظة، وأكّد الفرح، مد يده إلى جيبه، وبحركة مسرحية، رفعها فوق رأسه ملوحا بالورقات النقدية قائلا:
( في يدي ما يكفينا لآخر الشهر يا أولاد.. الآن ستأكلون دجاجا).
تحرك الأولاد، وعلت وجوههم ابتسامات، بينما أراحت زوجته كفيها في مقدمة حوضها ولوت عنقها، وهي تراقب المشهد بابتسامة ساخرة .
قفز مهران أكبر أخوته قفزة رياضية، تعلق بيد أبيه: ( بابا.. احتاج حذاء للرياضة.. جميع أولاد صفي يلبسون أحذية رياضية إلا أنا..).
نط نعسان أوسطهم وقف إلى جانب أخيه: ( بابا.. أحتاج حذاء للتربية العسكرية.. المدرب عاقبني اليوم.. شوف.. شوف.. ) . كانت البدلة التي يلبسها عتيقة مهترئة.
نظرت شكران إلى أختها نوران، وأومأت برأسها, فقامتا نحو أبيهما، قالت شكران:
( بابا.. أحتاج علبة ألوان وريشة..) وقالت نوران: ( بابا.. سأسجل في رحلة يوم الجمعة التي ستقيمها المدرسة.. بابا.. لم أذهب ولا رحلة أبدا مع بنات صفي.. ستذهب جميع البنات ).
توقفت يده الراقصة، وراحت تهبط ببطء حتى تراخت على جسمه، ثم نظر إلى زوجته بارتباك، مدت زوجته يدها إلى عبها، وأخرجت رزمة من النقود، وهي تهتز كالمنتصر بعد جدال ساذج. وألقت في يد كل واحد مئة ليرة: ( خذ يا مهران.. خذ يا نعسان.. خذي يا شكران خذي يا نوران.. اشتروا حاجاتكم.).
أعادت الباقي إلى عبها، لكن المشاعر التي غزت رشيد، أفقدته مكانته، خلخلته الدهشة، صفعته إهانة لا يدري من أين أتت.
انتصب صمت بارد في جو الغرفة، قلوب الأولاد دقت، وارتسمت ملامح خوف على الوجوه، أما ذهن رشيد الذي اعتقله الموقف، لم يرشده إلى مصدر يقبله، ليبرر وصول هذا المبلغ الكبير إلى يد زوجته, وهو يعلم أن أهلها لا يعطونها مئة ليرة، وكذلك أهله، خمّن بسرعة، لكنه لم يجد ما يركن إليه.
هاجمته صور وتخيلات كثيرة، تذكر تعليقات زوجته على وضعهما، وصار يربط بين ما كانت تقول له منذ شهور، وبين تصوراته وخيالاته، قالت له منذ أشهر:
( إذا لم تجد وسيلة لزيادة دخلك.. سنسير في دروب المتسولين) وقبلها قالت:( الأولاد يكبرون .. وطلباتهم تكثر.. وهذا المعاش لا يكفي ثمن خبز ودواء). وفي يوم آخر ازداد إلحاحها:( يا رشيد حاول.. حاول يا رشيد أن تبحث عن عمل يسند الراتب.. أف فه.. لو كان الأمر لي.. كنت وجدت ألف طريقة). ومنذ شهر قالت: ( من أين جاءت الرزقة لمصطفى السعيد.. هو موظف في المالية؟.. انظر لهاشم وسلمان.. يلعبان بالنقود لعبا ). ومرة كان يضع أول لقمة في فمه من طعام الغداء، قالت: ( جارتنا شهيرة.. كنا نتحنن عليها.. اليوم لا تلبس فستانا يقل ثمنه عن خمس مئة.. قل لي من أين؟.. هل علمت أنها اشترت بيتا في حي القصور؟.. وسجلته باسمها). وتذكّر أنها منذ أسبوع قالت: ( سأجن إذا لم أعرف من أين جمعت كل هذه الأموال.. سأزورها قريبا وسأعرف).وتذكر أنه أوصاها بعدم زيارتها لشهيرة، أو حتى استقبالها هنا، أو لقائها في أي مكان، وتذكر أنه لمّح إلى أن أموالها لم تأت من مصادر نظيفة.
ألم القهر أورم نفسه، تخيل زوجته في بيت رجل غريب، يعريها، وينثر فوق صدرها مئات، ويطعمها بيده قطع اللحم المشوي، ويشرب ما يشاء من المشروبات، ويسقيها رويدا رويدا، وهي تضحك بطريقة تشمئز منها نفسه، تكاثرت الصور أمام عينيه المشتعلتين، فرآها مع شهيرة في بيت رجل آخر, كل واحدة تجلس في حضن رجل، ويكثر الأكل والشراب، وتتدفق النقود بيديها، ومما زاد من تهيؤاته، وجود مبلغ كبير معها، كانت تنظر إليه بابتسامة مترافقة مع اهتزازات خفيفة من جسدها، وكأنها تنتظر منه استفسارا، لكنه ما يزال ينشر حوله خيوط غضبه المكبوت، ونفرت حبيبات العرق في جبينه، وسخن جسده، عند ذلك تراجع الأولاد محدقين يترقبون انفجارا مفاجئا، أقعوا في أماكنهم, ونثروا ما بأيديهم من نقود، فتحركت الزوجة نحو رشيد، أخرجت المبلغ، وقدمته له قائلة: ( خذ.. خمسة آلاف ليرة.. نصفها من هاشم.. والآخر من سلمان زكاة أموالهما.. بارك الله فيهما وفي أموالهما.. خذ.. لماذا تحدّق بي هكذا؟.. هل ظننت أني سرقته من دكان البقال؟..).
نتر رأسه نترة فجائية، تداعت أركان صمته، وخطف المبلغ من يدها وضربه في جدار الغرفة وصرخ: ( آ آ آه.. هذه نهايتك يا رشيد.. هذه نهايتك).
أمسك رأسه بكفيه، استدار ببطء ليخرج، وهو يردد وقد انخفض صوته) آ آ آ ه.. هذه نهايتك.. هذه نهايتك.).
ومثلما يخلّف الجرح النازف أثرا في بعض الأحيان، يترك جرح النفس آثارا يصعب إزالتها في غالب الأحيان.
أحس أن جرحه هذا أقسى من كل الجراح المادية والمعنوية التي آلمته طيلة حياته.
جرجر نفسه على مهل، انتحى زاوية مهملة، التف حول نفسه، وثبّت نظره في نعل حذاء عتيق، ضغط فكيه بقوة، أرخى ابتسامة ساخرة معبأة بقهر مزمن في صدره، وغرقت أجفانه بدموع ساخنة.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب